إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2008/02/26

متى تستطيع شركات التأمين العراقية العمل في إقليم كوردستان العراق؟

 مصباح كمال

ورد في الأخبار أن حكومة إقليم كوردستان قد توصلت إلى اتفاق مع الحكومة الاتحادية في بغداد بشأن السماح لشركات الهواتف النقالة، المرخصة من قبل الحكومة الاتحادية، للعمل في المناطق التابعة لإقليم كوردستان، بعد أن ضمنت حكومة الإقليم استحصال رسم إضافي من كل مشترك في الهواتف النقالة للشركات المرخصة من قبل الحكومة الاتحادية.[1]

 ربما يؤشر هذا الخبر على ما نظنه بادرة أولية من بوادر التنسيق الاقتصادي المرتجى بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. ولعل هذا الظن هو من باب التمني فواقع الحال يشهد على غير ذلك خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار الموضوع الأساس الذي يدخل في صميم السياسة الاقتصادية للعراق ونعني به الثروة النفطية ودور الريع النفطي في رسم هذه السياسة فما زال هذا الموضوع الإشكالي، وما يرتبط به من قضايا اقتصادية وسياسية مختلفة، معلقاً.[2]

المهم في هذا الخبر هو ما نظنه خطوة تنسيقية، في مجال معين، نأمل أن تتسع لتشمل حقول أخرى ويعنينا منها هنا النشاط التأميني. ومن المناسب بهذا الشأن تنبيه عناية المسؤولين، في المركز وفي الإقليم، إلى أهمية التنسيق مطلباً قائماً بذاته؛ وبالنسبة إلى الإقليم التفات المسؤولين في الإقليم إلى أهمية الاستفادة من الخبرات المركزية في إدارة مختلف الشؤون ومنها النشاط التأميني. فقد توقف هذا النشاط في كوردستان العراق سنة 1991 بعد انسحاب مؤسسات الحكومة المركزية آنذاك من كوردستان العراق في تشرين الأول 1991. وحتى ذلك التاريخ كان لشركة التأمين الوطنية والشركة العراقية للتأمين فروع في السليمانية وأربيل ودهوك. هذا الانقطاع الطويل حرّم الإقليم من الخبرة والمهارة العملية التي تتطلبها حرفة التأمين. بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003 جرت محاولات أولية، تنقصها المتابعة، من قبل إدارة هاتين الشركتين، اتخذت شكل استكشاف أو جس نبض المعنيين في الإقليم، لإحياء فروعهما في الإقليم. كما قام ديوان التأمين العراقي في بغداد بمخاطبة وزارة مالية الإقليم - بعد إصدار مسودة "ضوابط تنظيم أعمال التأمين في إقليم كوردستان العراق" من قبل لجنة تنظيم أعمال التأمين في وزارة الإقليم في خريف 2006 – عارضاً عليها التعاون لوضع آليات محددة للرقابة وتجنب الازدواجية. إلا أن هذه المحاولات وجهود الديوان لم تلق نجاحاً ولأسباب لم يجري الإعلان عنها ولم يهتم أحد من المعنيين بالشأن التأميني في العراق التعليق على هذا الوضع. نسمع أن فرع شركة التأمين الوطنية في السليمانية يمارس نشاطاً محدوداً جداً لكننا لسنا على بينة بتفاصيل هذا النشاط ونطاقه الجغرافي، وهل هو بالتنسيق مع الإدارة الرئيسية للشركة في بغداد أو باستقلال عنه. وإذا كان نشاط الفرع مستقلاً فمن هو الطرف الذي يوفر حماية إعادة التأمين للفرع، وإذا كانت حماية إعادة التأمين غير متوفرة فكيف يستطيع الفرع مقابلة مسؤولية الأخطار التي يكتتب بها؟[3]

وضع شركات القطاع الخاص لا يختلف عن شركتي الوطنية والعراقية، فهي لم تستطع بعد من فتح فروع لها في الإقليم لسببين - كما يقال. أولهما، التكاليف العالية لتأسيس الفروع وتشمل هذه التكاليف الإجراءات الرسمية لدى دوائر حكومة الإقليم المعنية والبيروقراطية المرتبطة بها، وتأجير المكاتب واستقطاب الموظفين الأكفاء وهم قلة. وثانيهما، يتمثل بما يشاع عن تطابق[4] قائم بين الحزبين الرئيسين - الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني - ومؤسسات حكومة الإقليم وقيام فرص الفساد والإفساد بحيث لا يمكن لأي نشاط اقتصادي أن يتأسس في الإقليم دون مشاركة الحكومة أو الحزبين أو أفراد منهما في هذا النشاط. ترى أهذه هي بعض أسباب عزوف معظم المستثمرين العرب والأجانب وحتى العراقيين من خارج الإقليم عن الاستثمار في الإقليم؟ يستحق الموضوع وقفة منفصلة ربما يقوم غيرنا برصده وتحليله والتأكد من مدى صحته.

في زمن العولمة والليبرالية الجديدة أصبح التغني بمزايا المبادرة الفردية أمراً محموداً ومطلوباً لكن صيغة مثل هذه المبادرة، في المفهوم الاقتصادي، قد تشوه وتحول إلى مساومات وفرص تحقيق منافع محددة لهذا وذاك من الحزبيين والمتنفذين في مؤسسات الدولة والحكومة في العراق وفي الإقليم على حساب سلامة الأداء الاقتصادي. جاء في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية تحت عنوان "استشراء الفساد في كردستان العراق" نشر بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 2008: "وأكدت لنا معلومات سربها أحد العاملين في وزارة التخطيط الكردية أن المشاريع الحكومية لا تمنح بطريقة شفافة وأصولية، حيث قال: "يحاول الوزراء وكبار المسؤولين أن يمنحوا المقاولات لشركاتهم أو للشركات التي يملكها أصدقاؤهم وذلك ليكون لهم من الطيب نصيب كما يقال."[5]

 تصحيح مثل هذا الوضع، في الإقليم وفي عموم العراق، أمر ملحّ ويجب أن يكون ضمن جدول أعمال الأحزاب الحاكمة، في بغداد والسليمانية وأربيل، وإلا فإن النزيف الاقتصادي للموارد، وهي شحيحة كما علمتنا كتب الاقتصاد النيوكلاسيكي، سيستمر، ويصبح الاعتماد على الريع النفطي ملازماً لإدارة اقتصاد هجين لا تعرف وجهته. من المعروف أن هناك قيوداً مختلفة على تواجد المواطن العراقي في الإقليم (كفيل، تسجيل لدى الدوائر الرسمية، ترخيص بالإقامة لمدة ثلاثة أشهر، تجديد الإقامة بعد انقضاء فترة الإقامة الممنوحة). المواطن العراقي الكردي لا يخضع لمثل هذه الإجراءات إن أراد أن يتواجد في بغداد أو أية محافظة أخرى.[6] هنا يقال إن الاعتبارات الأمنية هي السبب في الصعوبات التي تواجهها الشركات العراقية التي تتطلع للعمل في الإقليم. أهي إذاً ذات الاعتبارات الأمنية التي تحول دون عمل شركات التأمين العراقية في الإقليم؟ أم هي السياسة، غير المعلنة، في حصر العمل التأميني بشركات تأمين كردية؟ هناك ثلاث شركات كردية، تتفاوت من حيث الفعالية وحجم الأعمال القدرات الفنية المتوفرة لها، هي شركة ستار كار للتأمين، وهي الأقدم بينها، وشركة كوردستان للتأمين، مقرها في أربيل وشركة دلنيا للتأمين في السليمانية. أجيزت هذه الشركات بممارسة العمل من قبل ديوان التأمين العراقي بعد تسجيلها في سجل الشركات في وزارة التجارة في بغداد. هل أن هذا الوضع يؤشر على عدم اهتمام، وربما تخلي، وزارة المالية في الإقليم ولجنة تنظيم أعمال التأمين التي شكلتها بالنشاط التأميني في الإقليم؟

هناك وضع غير واضح المعالم في إدارة النشاط التأميني في الإقليم وينطبق الغموض أيضاً على دور وزارة المالية الاتحادية رغم أن ديوان التأمين العراقي (جهاز الإشراف والرقابة على قطاع التأمين المؤسس بموجب قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005) خاطب وزارة المالية في الإقليم وزارت ممثلة الديوان الوزارة واجتمعت مع وكيل الوزارة إلا أن هذا الجهد لم يترجم نفسه في اتفاق على مبادئ معينة للعمل الرقابي ويبدو أن دور التأمين في تحويل الأعباء المالية للأخطار وأهميته الاقتصادية لا يلقى ما يستحقه من فهم وأهمية. أما دور جمعية شركات التأمين وإعادة التأمين (المؤسسة أيضاً بموجب هذا القانون) في هذا المجال فهو معدوم. تفعيل النشاط التأميني إقليمياً، وعراقياً، وإيجاد الشروط المناسبة لمساهمة التأمين في حماية الأصول المادية والأفراد من آثار الخسائر والأضرار المترتبة على وقوع الحوادث يكاد أن يكون غير ذي أهمية. فمسودة "ضوابط تنظيم أعمال التأمين في إقليم كوردستان العراق" التي صاغتها لجنة تنظيم أعمال التأمين في الإقليم (المشكلة بالأمر الوزاري الصادر من وزارة المالية لإقليم كوردستان في 26/9/2006 بهدف "تنظيم أعمال شركات التأمين العاملة في الإقليم والإشراف عليها" لم تنشر ولا يعرف ما حل بها. وقد كتبنا بشأن هذه المسودة في دراسة سابقة ما يلي: "ليست هناك ضرورة اقتصادية أو قانونية لوضع قانون رقابة على النشاط التأميني خاص بالإقليم. ولا أعرف ما هي مسوغات اللجوء إلى صياغة مثل هذا القانون. إن تعذر اعتماد قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، ربما لأسباب سياسية أو مضمرة في ذهن المؤسسة الحاكمة في الإقليم، اقترح اعتماد القانون وتطويعه ليتلائم مع ضوابط تنظيم أعمال التأمين في إقليم كوردستان العراق .. فالقانون أكثر شمولاً من الضوابط."[7]

 من المؤكد أن هناك امتعاضاً كردياً على المستوى الشعبي في الإقليم من إدارتي شركة التأمين الوطنية والشركة العراقية للتأمين لتقاعس أو امتناع هاتين الشركتين الاعتراف بحقوق المؤمن عليهم في الإقليم ممن تعرضت مصالحهم في الماضي للأضرار، وخاصة ما يندرج منها تحت قانون التأمين الإلزامي للسيارات، دون أن يستطيعوا الحصول على تعويض منهما عن الأضرار التي لحقت بهم. (وقد أتينا على دراسة بعض جوانب هذا الموضوع سابقاً في ورقة بعنوان "نظرة سريعة على بعض قضايا شركات التأمين العامة في العراق" نأمل تدوينها في هذا الموقع: http://www.misbahkamal.blogspot.com/). يضاف إلى ذلك نزعة قومانية للابتعاد عن القواعد التشريعية الاتحادية المنظمة للعديد من النشاطات ومنها التأمين. وهي نزعة لا تساهم في خلق سوق وطني موحد للتأمين. هذه النزعة وما ينشأ منها من سلوك وتصرفات، ومنها تغييب اللغة العربية، وهذا يستحق وقفة خاصة لدراسة آثاره المستقبلية على التعاملات بين الإقليم وعموم العراق. لعل غيرنا يقوم بمثل هذه الدراسة من منظور ترسيخ النظام الفيدرالي الذي قلنا غير مرة أنه قيد التشكل فالنصوص الدستورية لوحدها ليست كافية.

أما آن الأوان لتنسيق النشاط التأميني بين الإقليم والمركز، بعيداً عن اللعبة السياسية والحزبية التي عملت على كبح عملية التنمية الاقتصادية، وترميم ما أفسده النظام السابق والعقوبات الدولية والحروب؟ ألا يدرك السادة السياسيين في كلا الحكومتين أنهم إنما يعاقبون أنفسهم بأنفسهم بإتباع هذه السياسة أو لنقل بربط كل برامج التعاون المشترك بالمواقف السياسية؟ ألا يتأسون بأسلوب الأتراك الذين بالرغم من مشاكلهم مع الإقليم التي وصلت إلى حد الاعتداء على حدوده لم تتوقف قوافل إمداداتهم التجارية عن دخوله؟ إننا في الوقت الذي ننشغل فيه بتسييس كل جوانب الحياة وأنشطتها في علاقاتنا مع بعضنا البعض فان مصالحنا الكثيرة والكبيرة يجري التأمين عليها مع شركات غير عراقية ولا يستفيد منها قطاع التامين العراقي في تطوير شركاته وتأهيل بناها التحتية لتستطيع شيئا فشيئا أن تنوء بمهماتها في التعامل مع الأخطار على نحو يخدم اقتصاد البلد. فهل أصبح قدرنا أن نسمح لوطننا أن يكون لقمة سائغة في أفواه الأجنبي لاعتبارات إيديولوجية ومصالح سياسية وحزبية وطائفية ضيقة، أم أن الأمر هو هكذا منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي ولحد اليوم؟

مصباح كمال لندن، 26 شباط/فبراير 2008

هوامش
[1] MEED, 15-21 February 2008, p 14 [2] كُتبت العديد من الدراسات عن هذا الموضوع. يمكن قراءة المساهمة المتواضعة للكاتب في مقالته "النفط والدولة والسياسة الاقتصادية في العراق" الثقافة الجديدة، العدد 322-323، 2007، ص 7-17. ويضم العدد ملفاً كبيراً عن جوانب مختلفة للموضوع. ومن الدراسات المهمة تلك التي كتبها فؤاد قاسم الأمير "حكومة إقليم كردستان وقانون النفط والغاز" 6 كانون الثاني 2008، موقع الغد، على الرابط التالي: http://www.al-ghad.org/wordpress/wp-content/uploads/2008/01/krg_oil_law.pdf [3] وضحّ أحد الزملاء في العراق للكاتب مؤكداً أن نشاط الفرع لا يجري بالتنسيق مع الإدارة العامة للشركة في بغداد، وأن حجم هذا النشاط ضئيل جداً ولم يتجاوز بضعة محاولات بادر إليها مدير الفرع، وأن فرص نجاح واستمرار مثل هذه المحاولات ليست قائمة لعدم توفر الخبرة الفنية وغياب حماية إعادة التأمين وعدم اهتمام المعنيين في الإقليم بتشجيع نشاط الفرع أو تطوير النشاط التأميني عموماً. وينطبق هذا التوصيف على فرع الشركة العراقية للتأمين أيضاً. [4] يجد هذا التطابق الذي أصبح موضوعاً للشائعات والكتابات على الإنترنيت في وزارات وإدارات الحكومة المركزية حيث يصبح الانتماء الطائفي مقياساً للاستخدام وفي الاستفادة من الموارد العامة والمنافع الاجتماعية. [5] http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7182000/7182437.stm [6] قد يستغرب البعض هذه التقييدات لكن الغرابة تتعمق حين نعلم أن المواطن العراقي الكردي من سكنة بغداد يخضع لذات الإجراءات إن أراد العيش في أربيل! [7] راجع دراستنا " ضوابط تنظيم أعمال التأمين في إقليم كوردستان العراق: ملاحظات نقدية" في مدونة: http://www.misbahkamal.blogspot.com/

هناك 3 تعليقات:

Mohammed al-Kubaisi يقول...

شركة كوردستان للتأمين : مقرها في بغداد وليس في أربيل.

Mohammed al-Kubaisi يقول...

الموضوع برمته جدير بالاهتمام واضم صوتي الى صوت الزميل مصباح بالحاجة الى اعطاء الجوانب القانونية والفنية شكلية كانت ام جوهرية الاهتمام الذي تستحقه كل منها، مع ذلك اود الاشارة هنا الى ان ديوان التامين في بغداد على رغم ماتهيأ له من قانون يدعم عمله وامكانات بشرية اكثر نسبيا ووجود لجمعية لشركات التامين وغيرذلك لم يستطع لحد الان من المضي قدما في تحقيق برامج عمله التي خصها قانون تنظيم اعمال التامين بالدعم والاسناد وكلنا يعلم ان النقص الحاد في الكوادر والخبرات القادرة على تنفيذ مهمات الديوان الرقابية والمحاسبية والفنية هي السبب في ذلك وهي غير متوفرة لحد الان فما بالك والاقليم يعاني من ذات الصعوبات وربما اكثر منها واغلب الظن انه عندما تتهيأ تلك الكوادر فسيكون لزاما اجراء تغييرات تدفع العملية قدما بالاتجاه الصحيح. وشكرا.

Misbah GA Kamal يقول...

عزيزي محمد الكبيسي

أشكرك على توضيحك أن مقر شركة كوردستان للتأمين في بغداد.

لفائدة قراء هذه المدونة هناك ثلاث شركات تأمين كردية (بمعنى أن رأسمالها كردي) هي:

شركة ستار كار للتأمين (مقرها أربيل)
شركة كوردستان للتأمين (مقرها بغداد)
شركة دلنيا للتأمين (مقرها السليمانية)

نرجو أن يقوم أحد الزملاء بتقديم دراسة عن ما اسماه الزميل محمد بـ "النقص الحاد في الكوادر والخبرات" وسبل سد هذا النقص.

مصباح كمال