إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2008/06/03

شركات التأمـين العراقية إلى أين؟ منذر عباس الأسود* أدى ازدياد عدد شركات التأمين إلى اشتداد التنافس الذي أخذ منحى التنافس غير السليم. وأدى ذلك إلى تدنى أسعار التأمين بشكل كبير مما أسفر عنه أن بعض شركات التأمين أصبحت تعانى من قلة مبالغ محافظها التأمينية وارتفاع مبالغ مسؤوليتها. وأدى كذلك إلى حالة عدم الالتزام بتوفير الحماية التأمينية المطلوبة، فتردت بذلك خدمة الجمهور وشاعت حالات عدم الالتزام واللجوء إلى المحاكم للحصول على حقوق المؤمن لهم من شركات التأمين. بالإضافة إلى ذلك هناك ظاهرة لجوء الشركات والمؤمن لهم إلى شركات التأمين العربية وحتى الأجنبية دون الرجوع إلى شركات التأمين المحلية. وهذا ما يحصل الآن إذ اننى، كخبير تأمين ومسوي خسائر ومحامى، أُكلف دوما من شركات التأمين الأردنية والأجنبية وغيرها بإجراء الكشف والمعاينة على كثير من المشاريع في العراق التي يراد التأمين عليها لدى تلك الشركات، وكذلك على البضائع التي ترد إلى العراق وتصيبها الأضرار خلال عملية النقل ولأنواع كثيرة من الأسباب. ظاهرة أرى هي عدم تعاون الوزارات والمؤسسات العراقية الرسمية وغيرها مع شركات التأمين العراقية التي بإمكانها الطلب من كافة المؤسسات والشركات سواء أكانت حكومية أو أهلية أو أشخاص متعاقدين معها بالتأمين لدى شركات تأمين عراقية. إن تجاهل شركات التأمين المحلية يشكل إضرارا لمصالحها ويحرمها من فرصة تعزيز مكانتها حيث أن جميع العقود، مهما كانت، لا تنص على إجراء التأمين مع شركات التأمين المحلية. ومما يسهل قيام هذه الأوضاع هو قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 حيث أعطى الحرية للجهات أعلاه بإجراء التأمين لدى الشركات الأجنبية وهذا برأينا ليس في صالح قطاع التأمين العراقي. يقودنا هذا العرض إلى التساؤل: ماذا قدمت شركات التأمين لسوق التأمين وجمهور المؤمن لهم؟ إن الجواب على هذا التساؤل تتفرع عنه الحقائق التالية: الحقيقة الأولى. لقد حقق انفتاح السوق ازدياد عدة شركات التأمين مما جعل فرص الحصول على أغطية تأمينية أفضل وبأسعار أفضل لجمهور المؤمن لهم. ولكن هل حصل جمهور المؤمن لهم فعلا على ذلك؟ إن التجربة لا زالت في بدايتها إذ أن شركات التأمين الجديدة لا تستطيع أن تكّون احتياطياتها الفنية إلا بعد مرور سنوات عدة. وكذلك الأمر بالنسبة لحقوق المساهمين فإن تراكم أحجامها لن يتم إلا عبر عدة سنوات. ولا زالت هذه الشركات تعتمد كلياً في أنشطتها على اتفاقيات إعادة التأمين، ولا زال احتفاظها بإقساط التأمين قاصرا على توفير الحماية التأمينية المتوازنة. إذن، لم تتضح الصورة بعد أمام هذا الافتراض: قيام فرص الحصول على أفضل الأغطية وأفضل الأسعار. الحقيقة الثانية التي يوفرها انفتاح السوق أمام جمهور المؤمن لهم هو انخفاض الأسعار حسب قانون العرض والطلب. إن هذا الجانب قد تحقق فعلا وتدنى مستوى الأسعار إلى دون النصف أو أكثر مما كان عليه سابقا. ولكن هل هذا يقدم الخدمة الفعلية للمؤمن لهم؟ الحقيقة إن عامل السعر ليس كل ما يسعى إليه المؤمن لهم، بل أن الخدمة التعويضية هي المطلوبة ليضمنوا الأمان من أخطار تأمينية تلحق بهم وبإعمالهم. ومما يخشى منه استمرار تدنى الأسعار والمضاربات بين بعض شركات التأمين، حيث تعجز بعض شركات التأمين عن توفير الخدمة التعويضية بسبب شحه محفظة التأمين المتجمعة من أقساط زهيدة لا تكفى لتوفير هذه الخدمة التعويضية التي تتسبب في خسارة الشركات وفقدان الضمان للمؤمن لهم. لوحظ إن بعض شركات التأمين العاملة قد قامت بحرب الأسعار المتدنية ونستطيع أن نسميها – الأسعار التحطيمية - وإنها تصب جهدها الأساسي في جمع الأقساط. صحيح إن الأقساط تعتبر ركنا هاما وأساسيا من أركان العمل التأميني لكل شركة تامين، ولكن يجب ألا تكون على حساب الأمور الأخرى المرتبطة به. والمهم لشركة التأمين ليس أن تحصل كماً من الأقساط بل الأهم من ذلك هو أن تصل إلى نتائج متوازنة في النهاية، حيث أن جمهور المؤمن لهم يهمهم الخدمة التعويضية التي تقدم لهم في حالة وقوع خسارة لهم لقاء ما دفعوه من قسط تأميني. والمعروف أن الأسعار المتدنية قد يترتب عليها فيما بعد تعويضات عالية الثمن، وقد تؤدى إلى خسارة محققة لن تكون في مصلحة أي طرف من الأطراف حيث أن المنافسة غير السليمة تؤدى في النهاية إلى تضعضع سوق التأمين من جراء الانحدار الحاد في مستوى الأسعار. لذا فانه يجب أن تسيطر روح المنافسة بين الشركات ليس على الأسعار وإنما على الأداء الجيد والمتميز فذلك خير لقطاع التأمين وحماية لأموال جمهور المؤمن لهم وممتلكاتهم. إن سوق التأمين في ظرفه الحالي يتعايش مع عدد من شركات التأمين وبأسعار التامين المتدنية وأغطية تأمين ذات مسؤوليات مرتفعة. وفى مواجهة هذه الحالة قد تصمد شركات التأمين القديمة بسبب تراكم الخبرات الفنية والكفاءات القديرة مع تراكم احتياطياتها الفنية وارتفاع حقوق المساهمين لديها إلا أن شركات التأمين الجديدة سوف لن تصمد أمامه بسبب المنافسة غير السليمة التي تجرى من بعض الشركات والمضاربات التي تتنافى مع ابسط القواعد الفنية. إن الذي لم تظهر صورته حاليا هو موقف شركات التأمين الجديدة التي توغلت في أعمال تأمينية ومنحت أغطية تأمينية واسعة في التزاماتها مع تدنى الأسعار. إضافة إلى أن السوق التأميني يعيش أمام أخطار كوارثيه محتملة في كافة أنواع الـتأمين ومنها، على سبيل المثال، التأمين البحري واحتمالات حصول أخطار جسيمة متعددة كالخسارات العامة التي ربما تكون الأنواء الجوية التي تعصف في العالم في مناطق متعددة منه عاملاً أساسياً في تحققها ولربما يكون لسوق التأمين حصة منها، وكذلك حوادث اصطدام السفن والغرق. يضاف إلى ذلك أن المنطقة تعيش في ظروف عدم استقرار سياسي وأمنى وحالة ركود اقتصادي قد تنعكس آثارها على حركة الاقتصاد، والتأمين أحد عناصرها، وقد تفكر بعض الشركات الجديدة أو حتى الشركات القديمة بالاندماج مع شركات أخرى – وقد حصل ذلك فعلا في عدة بلدان – سعيا لتقليص عدد الشركات التي بات يزيد على قدرة السوق في ظروف اقتصادية غير مواتية لطموحات الذين فكروا بالاستثمار في قطاع التأمين ووضعوا أموالهم داخله. يتضح من كل ذلك أن سوق التأمين يعيش في ظرف يتطلب دراسة مكوناته الأساسية وقراءة ملامحه المستقبلية وتحديد الفرق بين شركات تأمين قديمة ذات ملاءة مالية متراكمة وخبرات فنية وبين شركات تـأمين جديدة – استقطبت أكثر الكفاءات والخبرات الفنية لدى الشركات القديمة – تركن على حصيلة محافظها التأمينية وحقوق مساهميها والتزامات عقود إعادة التأمين. وتتطلب الدراسة أيضاً رصد الآثار المحتملة لدخول العراق إلى الاتفاقية العامة لتحرير تجارة الخدمات على قطاع التأمين،لان الانفتاح الذي سيصحب تطبيق الاتفاقية سوف يلحق الضرر الكبير بقطاع التأمين. ومن المعروف ان الأخطار المغطاة بالتأمين لا تشكل إلا جزءا بسيطا من حجم الأعمال الممكن تأمينها ولأسباب عديدة منها الاقتصادية والاجتماعية والدينية والقانونية، إضافة إلى أن بعض شركات التأمين أنشئت في الأساس لتوفير الحماية لإعمال مجموعة شركات أو مصارف أو المساهمين. ولا بد أن نشير إلى عدم توفر الكوادر والإمكانيات الفنية. لذا فان شركات التأمين المحلية ومع استمرار هذا الظرف ستكون تحت هاجس - وأصبحت كذلك فعلا - أمام احتمال دخول شركات أجنبية لمنافستها. لكننا لا نعتقد بان سوق التأمين العراقي سيكون هدفا للشركات العالمية لأسباب كثيرة ومنها: 1- إذا رغبت أية شركة تأمين أجنبية الدخول إلى سوق التامين العراقي لا بد أن تدخل بزخم قوى ورأسمال ضخم في حين أن المتوقع من الأقساط سوف لا تصل إلى الحد المقبول وبالتالي يكون الدخول غير اقتصادي لهذه الشركات الأجنبية. 2- عدم توفر الكادر التأميني المحلى يستدعى من الشركات الأجنبية استقدام موظفيها من الخارج وبمرتبات وامتيازات مغرية مما يجعل الكلف الإدارية مرتفعة جدا وهذا يؤثر سلبا على معدلات الأسعار صعودا مما لا يمكنها التنافس مع الشركات المحلية ذات الكلف الإدارية الأدنى. وخلاصة الموضوع: نرى أن على سوق التأمين العراقي أن يتخذ الخطوات التي تقوى مواجهته للخدمات المطلوبة من المؤمن لهم. على سبيل المثال لا الحصر: - أولا: تكوين مجمعات تأمينية حقيقية واتفاقيات بين شركات التأمين الجديدة والقديمة مما يجعل أسعارها التأمينية لا تهبط عن الخط الأحمر المسموح به لدى أسواق إعادة التأمين العالمية وعن المستوى الفني المطلوب - ثانيا: رفع الوعي التأميني لدى جمهور المؤمن لهم عن طريق حملات التوعية التأمينية من خلال وسائل الإعلام المختلفة وتنظيم حلقات تأمينية وندوات في صفوف الجمهور المؤمن لهم وبشكل خاص المنشآت الاقتصادية والصناعية والتجارية الكبيرة وصولا إلى نشر التوعية التأمينية التي تساعد في تحقيق فهم أفضل للدور الاقتصادي للتأمين. - ثالثا: توسيع علاقات سوق التأمين العراقي مع الأسواق العربية والعالمية واكتساب الخبرة التأمينية والفنية عن طريق تبادل الخبرات والندوات والثقافة التأمينية فيما بينها. رابعا: دراسة مواطن الضعف التي تجابه سوق التأمين ووضع الحلول التي تزيل هذه العقبات سواء إزاء شركات التأمين أو جمهور المؤمن لهم عن طريق تقديم الأغطية التأمينية المناسبة. خامسا: رفع كفاءة الأداء من حيث: 1- تحسين الخدمة المقدمة للزبائن من حيث إصدار الوثائق وسرعة تسوية المطالبات. 2- تطوير الكادر من حيث حسن الاختيار وتكثيف التدريب. 3- استخدام الأساليب العلمية والفنية في تحديد الأسعار بدلا من تحديدها عشوائيا. سادسا: التركيز على التسويق وهو شريان شركات التأمين بشكل عام وتسويق أغطية تأمين جديدة. سابعا: العمل على ترسيخ وتقوية الملاءة المالية للشركات من خلال رفع رأس المال اختياريا، وكذلك تعزيز الاحتياطيات لمواجهة الانحرافات في النتائج والخسائر غير المتوقعة. وباختصار شديد، إن الانفتاح قادم وسيكون البقاء للأفضل والأشطر. منذر عباس الأسود بغداد 1 حزيران 2008 * محامى وخبير تأمين ومسوي خسائر، يعمل مستشاراً لدى شركة الحمــراء للتأمين في بغداد. الآراء الواردة في هذه المقالة تمثل وجهة نظره الشخصية ولا علاقة لها بعمله الاستشاري في هذه الشركة.

ليست هناك تعليقات: