إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/04/06

Ottoman Insurance Law 1905

قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه)

دراسة تمهيدية


مصباح كمال

يمكن قراءة النسخة الإنجليزية لهذه الدراسة في الموقع التالي:
http://iraqshistory.blogspot.com/


خلفية الدراسة

ترجع خلفية هذه الورقة إلى مراسلات مع الزميل منذر عباس الأسود المحامي خلال شهر نيسان 2009 وكان وقتها يعد العدة للسفر إلى الأردن للعلاج الطبي. ونقتبس منها مطولاً لأنها تضم معلومات ذات علاقة مباشرة بموضوع هذه الورقة. في رسالتي الأولى قلت:



"تعرف أن العديد منا عندما نبحث عن جذور تاريخ التأمين في العراق نذكر قانون السيكورتاه (أو السيكورته) العثماني؛ نذكره دون التوقف عنده إذ أن هذا القانون لم يحض بدراسة مستقلة تكشف عن خلفياته، علاقته بقوانين أخرى ومصادره المحتملة (ربما في مجلة الأحكام العدلية كإطار عام)، أهم الأحكام الواردة فيه .. الخ. كما أن نصه الكامل لم يخضع لقراءة نقدية.[1]



وأذكر أن السيد طالب المصرف، عندما كان يعمل في المؤسسة العامة للتأمين، أصدر كتاباً بجزأين في أوائل سبعينات القرن الماضي ضم أهم قوانين التأمين وما لها علاقة بالنشاط التأميني. وربما أدخل نص قانون السيكورتاه العثماني في الجزء الأول.



أتمنى عليك، إن توفر لديك الوقت والرغبة، كتابة ورقة عن هذا القانون ومن المنظور الذي تراه مناسباً. إن كان ذلك غير ممكناً هل لك أن تطلب من غيرك ممن يستطيع البحث في الموضوع الكتابة عنه؟ ويمكننا عندها نشر ما يكتب في مدونة مجلة التأمين العراقي أو نعرضه على التأمين العربي، المجلة الفصلية للاتحاد العام العربي للتأمين، وبذلك نسد بعض الفراغ في تاريخ التأمين العراقي ونمهد للمزيد من البحث من قبل المهتمين من المؤرخين رغم أنهم، حسب علمي، لم يعيروا حتى الآن أدنى انتباه للنشاط التأميني في العراق. وينطبق هذا على موقف الاقتصاديين العراقيين من التأمين فإشاراتهم له محدودة جداً وعابرة. اعتقد أن مهمة التعريف الأولي بتاريخ النشاط التأميني تقع، ابتداءً، على شركات التأمين وبعد ذلك يتولى المؤرخون البحث العلمي الموثق.



آمل أن أقرأ ردك بشأن مقترح الكتابة عن قانون السيكورتاه العثماني." (1 نيسان 2009)



كعادته رد علي الزميل منذر دون تأخير برسالة ذكر فيها:



"ان الكتابة عن قانون السيكورتاه العثماني بالفعل لم يحض بدراسة مستقلة تكشف عن خلفياته إلا ان هناك تعليق للأستاذ بديع السيفي في كتابه الوسيع في التأمين وإعادة التأمين علما وقانونا وعملا في الجزء الأول في الصفحة 243-244 وأرفق لكم تعليقه أملا ان يفيدك كما أرسل لكم نص قانون السيكورتاه العثماني المنشور في الجزء الأول من كتاب الأستاذ طالب المصرف لعام 1970 والذي لا يزال ساري المفعول لحد الآن. واعتقد ان الكتابة عن الموضوع يغنيه تعليق الأستاذ بديع السيفي." (2 نيسان 2009)



بعد أن شكرت الزميل منذر على رسالته كتبت له قائلاً:



"صحيح أن السيفي كتب عن القانون، وهو لا يزيد عن صفحة واحدة في كتابه، إلا أن البحث فيه والكتابة عنه ما زال مطلوباً من المنظور الأكاديمي التاريخي والعملي خاصة وأنت تؤكد على أن القانون لا يزال ساري المفعول – أي إن استمراريته حتى الوقت الحاضر قد يخلق بعض الإشكالية عند افتراق وتعارض بعض نصوصه مع قوانين أكثر حداثة. إضافة إلى ذلك، فإن دراسة مقارنة لهذا القانون مع قوانين تأمينية أخرى قد يكشف لنا التطور الذي حصل في صياغة القوانين المنظمة للنشاط التأميني في العراق.



كلانا وغيرنا أيضاً مستغرقون بالعمل اليومي، وأنت، خاصة، مثقل بهمِّ ما ألم بك، ولذلك أتمنى أن يقوم غيرنا بمهام البحث. لعل إحدى طالبات الدراسات العليا تتولى مثل هذا البحث." (3 نيسان 2009)



على إثر ذلك كتب لي الزميل منذر موضحاً:



"..على كل حال، نرجع لموضوع قانون السيكورتاه العثماني. أود إعلامكم أنه سبق وصدر قانون النقل لسنة 1983 ونشر في الوقائع العراقية بالعدد 2953 في 8-8-1983 واعتبر نافذ المفعول بعد ستة أشهر من تاريخ النشر، وتسري أحكامه على جميع أنواع النقل أياً كانت صفة الناقل مع مراعاة أحكام الاتفاقيات الدولية التي يكون العراق طرفاً فيها – حيث كانت الأسباب الموجبة لإصدار مثل هذا القانون في حينه هو وجوب وضع القواعد المنظمة لكل من النقل البحري والبري والنهري والجوي، وذلك لأهمية هذه المرافق في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي للعراق. ولذا صدر هذا القانون لغرض إيجاد التوازن العادل بين التزامات أشخاص عقد النقل وإلى تغليب صفة العلاقة القانونية على صفة العلاقة العقدية.



وجاء في الباب الثالث أحكام النقل الخاصة بالنقل البري وبالسيارات وبالسكك الحديد والجوي والبحري والنهري.



وحيث أن قانون السيكورتاه العثماني هو قانون خاص بالتأمين البحري/تأمين النقل وبناءاً على ذلك، وحسب اجتهادي، فإن قانون السيكورتاه يعتبر ملغياً بحكم المادة 157 من قانون النقل الذي ألغى الفصل السادس من الباب الثاني من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970: ’ويلغى كل نص يعارض مع أحكام هذا القانون.‘" (3 نيسان 2009)



بسبب مشاغلنا لم نستطع مواصلة المناقشة، وما إثارتنا للموضوع الآن إلا استمراراً لما انقطع، ومن أجل إثارة غيرنا للكتابة عن الموضوع.



تعليق الأستاذ بديع السيفي على قانون السيكورتاه

لنبدأ باقتباس التعليق الذي كتبه الأستاذ بديع السيفي. يذكر السيفي في كتابه الوسيع في التأمين، تحت عنوان "قوانينا والتأمين،" بعض القوانين ومنها "قانون (شركات) الضمان (السيكورتاه) العثماني الأصل لسنة 1905."[2]



"لقد جاء هذا القانون الصادر في 21 جمادى الآخرة عام 1323 هجري و 9 أغسطوس عام 1321 رومي 1905 ميلادي وهو قانون ساري المفعول لحد الآن قانوناً بخمسة وعشرين مادة ومادة أخيرة سماها القانون مادة مخصوصة نصت على (أن الأحكام المخصوصة الواردة في قانون التجارة البحرية تبقى مرعية الإجراء كما هو منصوص عليها)، فمواد هذا القانون (26) ستة وعشرون مادة.



ولقد جاءت تسمية القانون خاطئة إذ أنه ليس قانوناً لشركات الضمان بل قانون للتأمين أو الضمان أي السيكورتاه وهو التعبير المحرف عن التعبير الفرنسي (Securite)، ولقد نشر هذا القانون كملحق (ذيل) لقانون التجارة البرية، أما أحكامه فقد اقتبست من القانون البلجيكي للتأمين لعام 1874م، وشرع باللغة التركية طبعاً، وليس للقانون ترجمة رسمية صحيحة إلى اللغة العربية إذ ترجم هو الآخر إلى العربية ترجمة ركيكة غير صحيحة فيها الكثير من الأخطاء.



وهذا القانون خاص بالتأمين على الأموال النقدية وغير المنقولة وبضمن ذلك التأمين البحري/تأمين النقل، حيث نصت المادة (1) منه على أن (الضمان هو تعهد بالتعويض لقاء رسم معين عن الخسائر والإتلاف التي تحصل للأموال المنقولة وغير المنقولة من المهالك والأخطار من أي نوع كانت). ولقد اشترط قانون (شركات) الضمان كما فعل قانون التجارة البحرية أن تكون عقود التأمين مكتوبة إذ نصت المادة (2) على (ان تعهدات الضمان يجب أن تنظم كتابة ويجب أن يحتوي صك الضمان أي (البوليسة):



(1) اسم وشهرة وصنعة ومحل إقامة المضمون له (أي الذي يطلب ضمان أمواله) وكذلك اسم وشهرة وصنعة ومحل إقامة الضامن (أي الذي يضمن أموال الغير). (2) نوع وجنس الأموال المضمونة من الخسائر ونوع وجنس المخاطر والخسائر المضمونة منها الأموال المذكورة. (3) مقدار أجرة الضمان ومقدار قيمة التعويض الواجب دفعه لقاء الخسائر والأخطار. (4) بداية مدة الضمان ونهايتها. (5) تاريخ تنظيم الصك."



التوسع في التعليق والتحليل

يؤكد الأستاذ السيفي، عن حق، أن تسمية القانون [قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه)] خاطئة. وكما يشرح لنا فهو قانون للتأمين أو الضمان مقتبس من القانون البلجيكي للتأمين لعام 1874 [قانون عقد التأمين، 11 حزيران 1874]. وهو بهذه الصفة يضم عناصر تدخل في صلب عقد التأمين وليس تنظيم شركات التأمين والرقابة عليها.



يكتب السيفي أن هذا القانون ساري المفعول لحد الآن (طبع كتابه سنة 2006) لكن منذر الأسود في مراسلاته معنا (3 نيسان 2009) استنتج أن هذا القانون أصبح لاغياً:



"وحيث أن قانون السيكورتاه العثماني هو قانون خاص بالتأمين البحري/تأمين النقل وبناءاً على ذلك، وحسب اجتهادي، فإن قانون السيكورتاه يعتبر ملغياً بحكم المادة 157 من قانون النقل الذي ألغى الفصل السادس من الباب الثاني من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970: ’ويلغى كل نص يعارض مع أحكام هذا القانون.‘"



ونعرف أن القانون الأساسي العراقي الصادر عام 1925 (الغي هذا القانون بموجب الدستور المؤقت الصادر عام 1958) وبموجب المادة 113 اعتبر:



"القوانين العثمانية التي كانت قد نشرت قبل تاريخ 5 تشرين الثاني سنة 1914 والقوانين التي نشرت في ذلك التاريخ أو ‏بعده بقيت مرعية في العراق إلى حين نشر هذا القانون تبقى نافذة فيه بقدر ما تسمح به الظروف مع مراعات [هكذا] ما احدث ‏فيها من التعديل أو الإلغاء بموجبه البيانات والنظامات [هكذا] والقوانين الوارد ذكرها في المادة الآتية وذلك إلى ان تبدلها أو ‏تلغيها السلطة التشريعية أو إلى ان يصدر من المحكمة العليا قرار يجعلها ملغات [هكذا] بموجب أحكام المادة "86."



المادة 114

جميع البيانات والنظامات والقوانين التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية في العراق والحاكم الملكي العام ‏والمندوب السامي والتي أصدرتها حكومة جلالة الملك فيصل في المدة التي مضت بين اليوم الخامس من تشرين الثاني ‏سنة 1914 وتاريخ تنفيذ هذا القانون الأساسي تعتبر صحيحة من تاريخ تنفيذها وما لم يلغ منها إلى هذا التاريخ يبقي ‏مرعيا إلى ان تبدله أو تلغيه السلطة التشريعية أو إلى ان يصدر من المحكمة العليا قرار يجعلها ملغاة بموجب أحكام ‏المادة ."86

المادة 86

كل قرار يصدر من المحكمة العليا مبيناً مخالفة احد القوانين أو بعض أحكامه لأحكام هذا القانون الأساسي يجب ان ‏يصدر بأكثرية ثلثي آراء المحكمة وإذا صدر قرار من هذا القبيل يكون ذلك القانون أو القسم المخالف منه لهذا القانون ‏الأساسي ملغياً من الأصل."‏



يعني هذا أن قانون السيكورتاه ظل سائداً لفترة طويلة قبل صدور أول تشريع تأميني عراقي (مماثل له فقط من حيث العنوان): قانون شركات التأمين رقم 74 لسنة 1936 الذي صدر في 1 نيسان 1936. وهو، كما يدل عليه اسمه، أول محاولة جادة للإشراف على عمل شركات التأمين الأجنبية العاملة في العراق وتنظيم الملاءة المالية لها لضمان حقوق المؤمن لهم.[3]  في ذلك الوقت لم تكن هناك شركات تأمين عراقية وطنية إذ أن أول شركة تأمين عراقية، شركة الرافدين للتأمين، تأسست سنة 1946 وحتى هذه الشركة لم يكن رأسمالها عراقياً صرفاً إذ كانت الحصة الأجنبية فيه 60%.[4]



لعل زميلنا الأسود يأخذ على عاتقه إتمام البحث في حسم السؤال عن سريان القانون من عدمه في الوقت الحاضر، والتوسع في التعليق على أول قانون عراقي خاص بعقد التأمين.



يقول السيفي أن التأمين أو الضمان، أي السيكورتاه، تعبير محرف عن التعبير الفرنسي (Securite) وربما يكون صائباً في هذا لكننا نميل إلى أن أصل التعبير إيطالي. لنقرأ ما يقوله كاتبان تركيان عن أصل كلمة التأمين/الضمان:



When seeking for the origins of insurance in the Ottoman Empire, we see that it arrived via trade across the Mediterranean. Following in the tracks of the Turkish word for insurance itself reveals that the borrowed Italian term sicurtà first became siguriye then sikorta, sikurta, sikurita, in turn followed by sigurita and sigurta before finally settling on sigorta.[5] [التأكيد من عندنا]



وما يعزز الميل إلى تفضيل الأصل الإيطالي هو عمق العلاقات التجارية والدبلوماسية الواسعة بين الإمبراطورية العثمانية والبندقية (فينيسيا) في القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، والجالية الكبيرة من نبلاء ومواطني هذه ’المدينة-الأمة‘ في الاستانة.[6]



ليست لدينا معلومات عن الشخص الذي قام بترجمة القانون إلى اللغة العربية ومتى وأين تمت الترجمة. لكن لنتذكر أن ركاكة وعدم صحة الترجمة التي ذكرها السيفي يجب أن توضع في سياق تاريخ النشاط التأميني في العراق بافتراض أن الترجمة تمت في العراق. فهذا النشاط كان جديداً في الحياة الاقتصادية وأقرب ما يكون إلى بدعة – كما سيقول أصحاب التفكير الديني التقليدي فيما بعد. وبسبب ذلك نرى تعريب وتحريف، وكذلك فوضى، العديد من مصطلحات التأمين. فتارة نقرأ عن الضمان والتأمين والسيغورته والسيكورتاه وسوگره أو صوگره وما يشهد عليه من صك أو بوليسة. وسيمضي وقت طويل قبل أن تستقر بعض المصطلحات على حال واحد. الدقة اللغوية مطلوبة لضمان الفهم المشترك بين الناس للمفاهيم والاقتصاد في التعبير لكن الخطأ الشائع، أي ما يصطلح عليه الناس في مجال معين، يظل مفهوماً بينهم ويمكن التفريق بين استعمالاتها. كلمة البوليسة، أو البوليصة في الشام وهي ما زالت قيد الاستعمال، تعني وثيقة التأمين ووثيقة الشحن (البحري أو الجوي) وسياق الاستخدام كفيل بالتفريق بينهما.



ويشرح لنا الأستاذ السيفي أن "هذا القانون خاص بالتأمين على الأموال النقدية وغير المنقولة وبضمن ذلك التأمين البحري/تأمين النقل." ويرد في القانون ذكر التأمين ضد خطر الحريق: "مقاولة الضمان ضد الحريق" (المادة 19) إضافة إلى تأمين أخطار النقل دون تحديد وسائط النقل (بحري، بري بضمنه النهري) والاكتفاء في المادة الأخيرة، "مادة مخصوصة"، غير المرقمة "أن الأحكام الواردة في حق الضمان البحري المذكورة في قانون التجارة البحرية تبقى مرعية الإجراء كما هو منصوص عليها."



نجد في المادة 1 من القانون تعريفاً لعقد التأمين:



"الضمان هو تعهد بالتعويض لقاء رسم معين عن الخسائر والإتلاف التي تحصل للأموال المنقولة وغير المنقولة من المهالك والأخطار من أي نوع كانت."



وهو ما سيجد تطويراً عصرياً شاملاً له في المادة 981—فقرة 1 من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951:



"التأمين، عقد به يلتزم المؤمن ان يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغاً من المال أو إيرادا مرتباً أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده، وذلك في مقابل إقساط آو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن."



يلاحظ القارئ الفرق بين الصياغتين وخاصة عدم الدقة في قانون السيكورتاه والصفة الإطلاقية لبعض العبارات: "المهالك والأخطار من أي نوع كانت" مقابل "الحادث المؤمن ضده." لسنا بصدد عقد مقارنة بل التنبيه إلى أن المقارنة يمكن أن تكون موضوعاً مستقلاً لبحث أكاديمي.



ونكتفي بالإشارة إلى بعض المواد الأخرى من قانون السيكورتاه: اقتران عقد التأمين بإصدار صك (وثيقة) التأمين كدليل على قيام العقد (المادة 2)؛ مبلغ التأمين يمثل الحد الأقصى لمسؤولية شركة التأمين (المادة 3)؛ المستفيد من عقد التأمين هو من صدرت وثيقة التأمين باسمه ما لم يسمى طرف ثالث صراحة ليكون المستفيد من التأمين (المادة 4)؛ المصلحة التأمينية كأساس للتأمين (المادتين 7 و8)؛ تأمين المحاصيل الزراعية (المادة 9 والمادة 23)؛[7] التأمين المزدوج وتكييف مبدأ مشاركة أكثر من مؤمن في التأمين (المادتين 5 و 10)؛ تكييف مبدأ حسن النية (المادة 11)؛ عدم نفاذ العقد لغياب محل التأمين (المادة12)؛ السهو في عدم إبلاغ الضامن بتعديل في مواصفات الخطر المؤمن عليه (المادة 13 وهي مثال على ركاكة الصياغة التي ذكرها الأستاذ السيفي)؛ تأمين مسؤولية المؤمن له تجاه الجيران بسبب حريق في ملك المؤمن له والأضرار التبعية الناشئة عن الحريق (المادة 20).



وهكذا نرى أن القانون ليس مُركزاً على موضوع معين فهو يضم مواد عن فروع للتأمين (نقل بحري، حريق وغيره)، ومبادئ تعاقدية، وقواعد تنظيمية لإصدار وثائق التأمين .. ألخ.



ربما كانت خلفية هذا القانون ترجع إلى ظهور وتنامي النشاط التأميني والحاجة إلى تنظيميه لمنع الفوضى في تنظيم عقود التأمين ولحماية حملة وثائق التأمين من سوء تصرف شركات التأمين أو وكالات التأمين الأجنبية العاملة في الإمبراطورة العثمانية. أو ربما كان هناك حقاً فراغاً قانونياً في مجال النشاط التأميني استوجب تدخل الدولة. ومثل هذا الإجراء يرتبط بتاريخ صناعة التأمين في العديد من دول العالم. بعبارة أخرى، فإن هذه القوانين هي استجابة لمشاكل آنية أو مؤقتة تشكل مع مرور الوقت قاعدة لوضع قوانين جديدة في المستقبل وتهذيب ما هو قائم منها.



ويمكن أيضاً القول إن إصدار القانون كان بمثابة الوسيلة لتدوين الممارسات الجيدة القائمة والتخلص من الممارسات السيئة. كما أن النظام القانوني للدولة العثمانية لم يكن قائماً على ما تقرره المحاكم case law، كما هو الحال في الدول التي تعتمد القانون العام common law حيث يلعب القضاة الدور الأكبر في صنع القانون من خلال أحكامهم التي تشكل مع مرور الوقت سابقة قد يعتمد عليها للحكم في حالات جديدة. ولم يكن هناك كتب لفطاحل القانونين أو القضاة للاستنارة بها في ضبط عقود التأمين ونشاط شركات التأمين كما كان الحال في إنجلترة. هذه تخمينات يراد منها التشجيع على البحث التاريخي الذي يوفر التفسير لتشريع مثل هذه القوانين.



قانون السيكورتاه مؤشر على نشاط تأميني في العراق

شركات التأمين الأجنبية ووكالاتها كانت تعمل في العراق عند صدور هذا القانون ربما مباشرة أو بصورة غير مباشرة. نقول هذا اعتماداً على تأسيس أول شركة (أجنبية) للتأمين في استانبول عام 1848 وحقيقة أن عدد شركات التأمين الأجنبية العاملة عام 1914 ضمن حدود الإمبراطورية العثمانية بلغ 170 شركة وكان لهذه الشركات 1971 وكالة، كما جاء في كتاب ما يؤلم المحفظة، يؤذي الروح: التأمين في الإمبراطورية العثمانية.[8]



ويذكر الكاتبان لهذه الدراسة أن أول تشريع لتنظيم صناعة التأمين في الإمبراطورية العثمانية كان في القرن التاسع عشر فالمادة 29 من القانون التجاري الذي صدر في 28 تموز 1850 أشارت إلى التأمين البحري في حين أن القانون التجاري البحري، الذي صدر في 21 آب 1863، كان مكرساً للتأمين البحري.[9]  وكان قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه) من جملة تشريعات التأمين في العهد العثماني.



لم يرد اسم العراق في هذا الكتاب الشيق المزدان بالصور لكننا نفترض أن شركات التأمين أو وكالاتها ربما كان لها حضوراً في العراق أو كانت تقوم بالتأمين على بضائع متجهة إلى العراق ومنه (تجارة التمور والحبوب على سبيل المثال) أو قامت بتأمين أخطار أجنبية معينة في بعض أنحاء العراق.



لا يكفي الحدس في هذا المجال بديلاً عن البحث التاريخي للنشاط التأميني في العراق وهو ما لسنا قادرين عليه. دراسة التاريخ الإمبريالي للتغلغل البريطاني في العراق يُعلمنا الكثير عن الآثار التي تركها. يكفي أن نقول إن شركة الهند الشرقية البريطانية (التي تأسست بمرسوم ملكي بريطاني سنة 1600) كانت تحتكر التجارة البريطانية في آسيا (الهند والصين) لفترة طويلة، ونعرف أن تجارة العراق مع الهند راسخة في القدم. وفيما بعد تأسست الشركة الإنجليزية المعروفة باسم بيت لينج ومؤسسها Henry Blosse Lynch الذي قام بمسح أنهار العراق قبل أن يتحول لتأسيس شركة للملاحة النهرية. وكان للشركة أسطول من الزوارق البخارية للنقل النهري عبر ميناء البصرة ونهري دجلة والفرات لنقل البضائع البريطانية إلى تركيا (من خلال دجلة) والشام (من خلال الفرات). وقد استعملت القوارب البخارية البريطانية في العراق لأول مرة عام 1836.[10]  ونفترض أن بعضاً من هذا النشاط الاقتصادي كان موضوعاً للحماية التأمينية من أخطار النقل والحريق على الأقل.



التشريع العثماني جزء من تاريخ التشريع في العراق

تشكل التشريعات العثمانية، ومنها قوانين التأمين، جزءاً من تاريخ التشريع في العراق كما في غيره من البلدان العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية. فمجلة الأحكام العدلية [11] ظلت نافذه في العراق حتى أوائل خمسينات القرن الماضي مثلما ظل قانون الضمان (السيكورتاه) نافذاً. وكان التشريع العثماني (سن "القوانين" تميزاً لها عن "أحكام" الشرع) في غالبه منصباً على تلك المجالات التي لم تكن موضوعاً للشريعة الإسلامية أو قل أن الشريعة لم تقترب منها بالتفصيل لكونها تمثل ظواهر حديثة كما هو الحال بالنسبة للنشاط التأميني.



ونلاحظ أن النشاط التأميني دخل إلى الإمبراطورية العثمانية في صيغته التجارية الغربية كمشروع تجاري قائم على تحقيق الربح. وبقي على تكوينه هذا حتى الوقت الحاضر حتى فيما يخص صياغة وثائق التأمين. وتعليل ذلك أن التأمين، كنشاط اقتصادي مميز، لم يكن معروفاً في الإمبراطورية والبلاد الخاضعة لها ومنها العراق، وظل محاكاة النموذج الغربي هو السائد.



تطبيقات عملية لقانون السيكورتاه؟

نظل تواقين إلى معرفة أمثلة حقيقية عن تطبيق قانون السيكورتاه في المحاكم العراقية للفصل في النزاعات بين المؤمن لهم وشركات التأمين.



نأمل من زملاء المهنة في العراق تقييم دراستنا التمهيدية، وتصحيح أية معلومات خاطئة فيها، وإكمال نواقصها فيما يخص السرد التاريخي والتحليل القانوني.





لندن تموز 2010

الهوامش


1. العنوان الرسمي لهذا القانون هو قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه) نشر كملحق لقانون التجارة البرية العثماني. صدر قانون السيكورتاه في 21 جمادي الآخر 1323 (21 أب 1905)



2 بديع أحمد السيفي المحامي، الوسيع في التأمين وإعادة التأمين: علماً وقانوناً وعملاً (بغداد، د.ن.)، ج1، ص 243-244.

ويمكن مراجعة نص هذا القانون في كتاب طالب المصرف عن قوانين التأمين (بغداد 1970)، ص 4-7. واسم القانون هو قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه)، ويذكر المصرف في هامش ص 4 أنه "نشر ذيلاً لقانون التجارة البرية."



ويرجع الفضل في توفير النص إلى الزميل منذر عباس الأسود المحامي في بغداد، في مراسلات إلكترونية خلال شهر نيسان 2009.



3 مصباح كمال "إطلالة على بواكير التأمين والرقابة على النشاط التأميني في العراق"، الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 331، 2009، ص 44-52. يمكن قراءة المقالة في مجلة التأمين العراقي الإلكترونية باستخدام هذا الرابط:

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/09/331-2009-44-52.html



4 بديع أحمد السيفي، التأمين علماً وعملاً (بغداد، د.ن.، ط1، 1972) ص26.



5 What Hurts the Purse, Hurts the Soul: Insurance in the Ottoman Empire (Istanbul: Ottoman Bank Archives and Research Centre, 2009), p12. From the introductory essay by Murat Koralturk and Fathi Kahya.



6 أنظر العرض النقدي التالي لكتاب أكاديمي عن العلاقة بين الاستانة والبندقية:

Early Modern Venetian-Ottoman Relations and the Mediterranean World

by Ebru Turan

Eric R. Dursteler. Venetians in Constantinople: Nation, Identity, and Coexistence in the Early Modern Mediterranean. The Johns Hopkins University Studies in Historical and Political Science Series. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2006.

http://mrzine.monthlyreview.org/2010/turan040710p.html



7 نص المادة 9 هو الآتي: "يجوز أيضاً ضمان الفائدة المنتظر حصولها من شئ ما كالمحاصيل [الزراعية] والأثمار التي لم تكن بعد قد بلغت النضج ويستثنى من ذلك ما هو مخالف للقانون." لاحظ أن الإشارة هي للقانون وليس للشرع.



يذكرنا هذا ببيع السَلَم، أي بيع الشيء المؤجل بالثمن المعجل، أي تعجيل أحد البدلين (تسديد قسط التأمين)، وتأجيل الآخر (التعويض). وهو ما لا يُجّوزه التقليديون في فقه المعاملات الإسلامي لأنه، في رأيهم، يرقى إلى بيع المعدوم. لقد كان المشرّع في أوائل القرن العشرين أكثر تسامحاً وأقرب إلى واقع المعطيات الاقتصادية والتأمين على المخاطر المترتبة على النشاط الاقتصادي من أقرانه في زماننا. وربما يكون تعليل جواز مثل هذا التأمين (البيع) قائماً على المواقف المتضمنة في مجلة الأحكام العدلية (1877). فقد نصت المادة 32 منها على أن "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامةً أو خاصةً. ومن هذا القبيل تجويز بيع الوفاء فإنه لما كثرت الديون على أهالي بخارى مست الحجة إلى ذلك فصار مرعياً." سليم رستم باز اللبناني، شرح المجلة (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 3، 1406/1986)، ص 33. وتُعرف المادة 123 السلم على أنه "بيع مؤَجل بمعجل." المصدر السابق، ص 69.



"بيع الوفاء" هو "أن يبيع السلعة للمشتري بما له من الدين على أنه متى قضاه الدين، عادت إليه السلعة." د. محمد رواس قلعجي، د. حامد صادق قنيبي، معجم لغة الفقهاء (بيروت: دار النفائس، 1985)، ص 507.



8 What Hurts the Purse, Hurts the Soul: Insurance in the Ottoman Empire, pp13-14. From the introductory essay by Murat Koralturk and Fathi Kahya



9 op. cit, p 12.

10 للتعرف على جوانب موضوع التجارة بين العراق ودول الخليج أنظر:

Hala Mundhir Fattah, The Politics of Regional Trade in Iraq, Arabia and the Gulf, 1745-1900 (New York: SUNY Press, 1997)

http://books.google.co.uk/books?id=g5MewSBHkG4C&dq=east+india+company+and+Iraq&source=gbs_navlinks_s



11 مجلة الأحكام العدلية أعدتها هيئة تحت إشراف أحمد جودت باشا في 16 كتاب (جزء) ضمت 1851 مادة ودخلت حيز التنفيذ سنة 1877. يبحث الكتاب الأول: في البيوع والكتاب السادس عشر: في القضاء. وتأثر منهج وبنية المجلة بتدوين القوانين في أوروبا. شملت المجلة معظم مناحي القانون المدني باستثناء الأحوال الشخصية (التي ظلت محكومة بالشرع).

2011/02/23

Insurance in Classical Economics: Smith & Marx

استخدام التأمين في الكتابات الاقتصادية الكلاسيكية: آدم سميث وكارل ماركس

نشرت نسخة معدلة من هذه الدراسة في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 340-341، 2010، ص26-37.

مصباح كمال



مقدمة

هذه محاولة أولية متواضعة للتعريف باستخدام التأمين كمفهوم وآلية في بعض الكتابات الاقتصادية الكلاسيكية، اخترنا من بينها كتاب ثروة الأمم لآدم سميث (1723-1790) ورأس المال لكارل ماركس (1818-1883). وقد استفدنا من الإنترنيت في البحث عن ورود تعبير التأمين في نصوصهما. ربما لم ننجح في بحث شامل بهذا الشأن، ولعل من يهمه الأمر يضيف إلى ما وجدناه ويوسع نطاق التعليق والتحليل.



يقترن التأمين دائماً بالخطر (الخطر كموضوع/محل للتأمين (الممتلكات والمسؤوليات)، والخطر بمعنى مسببات الضرر أو الخسارة، كالحريق والانفجار والفيضان والحوادث العرضية وغيره، والخطر كحالة/وضع أو بيئة محل الخطر، والخطر كسلوك وموقف المؤمن له وهو ما يوصف بالخطر المعنوي)، فهو آلية لتوفير حماية مالية من آثار أخطار الطبيعة وتلك التي يتسبب بها الإنسان أو تنشأ نتيجة لدينامية النشاط الاقتصادي في مختلف المجالات، وما يترتب على ذلك من تبعات قانونية وتعاقدية. وتقوم الآلية على تجميع أقساط التأمين من عدد كبير من المؤمن لهم والاستفادة منها لتعويض أولئك الذين يتعرضون للخسارة أو الضرر. ويلعب قانون الأعداد الكبيرة ونظرية الاحتمالات والإحصاء والعلوم الاكتوارية دوراً مهماً في تصميم وتسيير آلية الـتأمين.



ومن منظور قانوني فإن التأمين هو "عقد به يلتزم المؤمن ان يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغاً من المال أو إيرادا مرتباً أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده، وذلك في مقابل إقساط آو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن." (المادة 981—فقرة 1 من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951).



لم يعالج سميث وماركس مفهوم التأمين وآليته أو القانون المنظم له (تكوين صندوق من أقساط التأمين من أكبر عدد ممكن من طالبي التأمين واستخدامه للتعويض عن الخسائر التي تلحق بالبعض منهم) كموضوع مستقل. فلم يكن ذهنهما منصرفاً إلى معالجة نظرية للتأمين كما فعل آخرون فيما بعد.



آدم سميث شرح مفهوم التأمين باختصار وأشاد بأهميته في حين أشار كارل ماركس إلى التأمين لخدمة أطروحاته الاقتصادية الأساسية. ويمكننا القول إن استخدام مفهوم التأمين لا يتعدى الإشارة إلى مؤسسة التأمين ونشاطها في زمانهما، وفي سياق موضوع أكبر – كما هو الحال عند ماركسٍ.



ملاحظة للقارئ والقارئة

[جميع العبارات المحصورة بين قوسين مربعين هي من وضع كاتب المقالة: مصباح كمال]



آدم سميث والتأمين


[هذا الجزء من الورقة هو ترجمة لمقالة نشرت في مدونة إلكترونية تحمل عنوان الاقتصاد السياسي ويُعرّفها صاحبها Mark Biernat كالتالي: "مدونة مارك بيرنات الاقتصادية لتحسين الاقتصاد، وتخفيض الضرائب وتخفيف أعباء الحكومة." ]  [1]


لم يكتب آدم سميث الكثير عن التأمين ولكن نستعرض هنا بعض الأفكار والاقتباسات ذات علاقة به.


موقف آدم سميث من الخطر


"احتقار الخطر، وأمل افتراض النجاح، هما الأكثر حضوراً في سنين العمر الذي يختار فيه الشباب مهنهم مقارنة بأية فترة من الحياة. فكم هو قليل الخوف من سوء الحظ في توازيه مع حسن الحظ الذي يكشف عن نفسه بوضوح أكثر في مدى استعداد الناس العاديين للتطوع كجنود، أو العمل كبحارة، مقارنة بحرص غيرهم ممن هم في منزلة أفضل لدخول ما يسمى بالمهن الحرة."

اعتقد إن الناس يسيئون تقدير الخطر في كل ركن من أركان الاستثمار. فالغرور والكبرياء يضعان الخطر جانباً كما أن الرغبة في المجد تغشي أبصارهم. نظرة على إدارة الاستثمار في أي شركة تأمين في الوقت الحاضر تكشف تعريضهم لمدخرات الناس للخطر، والتي سيقوم دافعي الضرائب بإنقاذها [الشركات].


لقد كان التأمين بالنسبة لآدم سميث قيمة جيدة [فهو يشرح هنا آلية التأمين والحاجة إلى رأسمال مناسب لدى شرك التأمين لضمان وفائها بالتزاماتها تجاه المؤمن لهم]:

"تجارة التأمين توفر أمناً كبيراً لثروات الناس العاديين، وعن طريق تقسيم خسارة كبيرة، التي من شأنها أن تدمر أي فرد، على عدد كبير [من الناس والشركات] يصبح عبئها خفيفاً وسهلاً على المجتمع بأسره. ومن أجل توفير هذا الأمن، على أي حال، فمن الضروري أن يكون لشركات التأمين رأس مال كبير جدا. فقبل إنشاء الشركتين المساهمتين للتأمين في لندن [المراد بهاتين الشركتين هماLondon Assurance Corporation, and Royal Exchange Assurance Corporation تأسستا في لندن سنة 1720]، وضعت قائمة، على ما يقال، أمام النائب العام [المستشار القضائي للتاج]، بأسماء 150 من المرابين الذين أفلسوا في غضون بضع سنوات."

موقف آدم سميث من التأمين والتوزيع [توزيع الأخطار]

كتب آدم سميث عن التوزيع ما يلي:


"يبحر العديد، في كل الفصول، وحتى في زمن الحرب، دون أي تأمين. ربما يتم هذا في بعض الأحيان دون أي تهور. عندما يكون لشركة كبيرة، أو حتى تاجر كبير، عشرين أو ثلاثين سفينة في البحر، فإن كل واحدة منها [السفن] تُؤمِنُ، إن جاز التعبير، الأخرى. فقسط التأمين الذي يتم توفيره ربما يكفي ويزيد لتعويض هذه الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها أثناء المجازفة المشتركة. إهمال التأمين على النقل البحري، على أي حال، كالإهمال على المنازل، هو، في معظم الحالات، ليس نتيجة لمثل هذا الحساب الدقيق بل مجرد تهور أرعن، وازدراء متغطرس تجاه الخطر."

الرسالة [التي يتضمنها هذا الموقف] هي: التوزيع هو نوع من التأمين الذاتي

يسجل آدم سميث نقطة مهمة وهي أن التوزيع [توزيع أعباء الأخطار] يمكن أن يوفر الحماية ضد الخطر. ولكن السؤال هنا هو: لماذا يتجاهل العديد من مديري الاستثمار هذا الأمر. صحيح أنهم يستخدمون التوزيع البسيط لكنهم لا يستخدمون التوزيع الحقيقي.

[يقدم آدم سميث في هذه الفقرة شرحاً مقتضباً جداً عن آلية عمل التأمين – الأعداد الكبيرة للأخطار/قانون المتوسطات. فشركة الملاحة البحرية التي لا تؤمن على هياكل سفنها، لدى شركة تأمين، ليس بسبب الإهمال وإنما عن وعي، تمارس شكلاً من أشكال إدارة الخطر من خلال التأمين الذاتي مستفيدة من قانون الأعداد الكبيرة ونظرية الاحتمالات. وفي المثال الذي يذكره يقول أن احتمال تعرض عشرين أو ثلاثين سفينة في "مجازفة مشتركة" للخسارة ليس وارداً، وهذا هو الحال في الأوضاع الاعتيادية وخلافها يصنف ككارثة. ولذلك فإنه يكيف موقفه بالقول أن قسط التأمين الذي لم ينفق على التأمين، بفضل التأمين الذاتي، "ربما يكفي ويزيد" للتعويض عن خسارة سفينة.


إن الخطر، بأشكاله المختلفة، يحيط بنا باستمرار ولا فكاك منه. ولذلك يؤكد آدم سميث أن الاستهانة بالخطر"مجرد تهور أرعن" وغطرسة تقوم على الجهل.]



التأمين / ثروة الأمم



كانت المملكة المتحدة دولة بحرية. ولآدم سميث تعليق مثير للاهتمام عن التأمين. فقد كتب آدم سميث عن التأمين في ثروة الأمم [نشرت لأول مرة في لندن سنة 1776]:

"كون فرصة تحقق الخسارة يُقلّلُ من قيمتها كثيرا، وقلّما تُثمن بأكثر مما تستحقه، فهو أمر نتعلمه من الربح القليل جدا لشركات التأمين."

هذا يعني أن الناس عادة ما يكون تأمينهم ناقصاً، على الأقل في 1776. لكن هناك شئ آخر. الناس يقللون من تقدير المخاطر المالية. وأنا أتفق 100٪ مع هذا. أنظر لسوق الأسهم أو سندات الرهن العقاري، فقد تعامل الناس معها على أنها آمنة 100٪.


[ربما كانت إشارة سميث إلى ميل الناس والشركات إلى التأمين على أموالهم بأقل من قيمتها الاستبدالية هي الأولى في إبراز ما أصبح يسمى اصطلاحاً بالتأمين الناقص. والدافع إلي التأمين الناقص من قبل المؤمن له هو تخفيض قسط التأمين الذي غالباً ما يحدد بضرب سعر التأمين بمبلغ التأمين. فكلما كان مبلغ التأمين منخفضاً انخفض معه قسط التأمين. هذا الميل لدى المؤمن له ليس في صالح المؤمن له عندا تتعرض أمواله المؤمن عليها للضرر إذ عندها يلجأ المؤمِن (شركة التأمين) إلى جعل المؤمن له مسؤولاً عن تعويض بعض الضرر الذي لحق به، وذلك من خلال تطبيق ما يعرف باسم شرط المعدل أو شرط النسبية. "وفحواها انه إذا كانت قيم المال المؤمن عليه تزيد يوم الحادث على مبلغ التأمين، كان التعويض الذي يلزم به المؤمن هو ما يعادل النسبة بين مبلغ التأمين وقيمة المال يوم الحادث... إن قاعدة النسبية مستمدة من مبدأ عادل تمليه قواعد العدالة ذلك أن التعويض يلزم أن يكون متناسباً مع القسط المدفوع وان المؤمن يضار ولا شك إذا ألزم في حالة التأمين الناقص بأداء نفس مبلغ التعويض الذي كان يدفعه لو أن التأمين كان كاملاً في حين أنه لم يستلم إلا قسطاً محسوباً على قيمة للشئ المؤمن عليه أقل من قيمته الحقيقية." ] [2]



موقف سميث من التأمين


"من أجل جعل التأمين، سواء ضد خطر الحريق أو [الخطر] البحري، تجارة تقريباً، يجب أن يكون قسط التأمين العام كافياً لتعويض الخسائر الشائعة، ودفع تكاليف الإدارة، والحصول على ربح كافٍ كان بالإمكان تحقيقه من رأسمال مماثل [لذلك الرأسمال الموظف في التأمين] وظف في أي تجارة شائعة. الشخص الذي لا يدفع أكثر من هذا [قسط التأمين]، من الواضح أنه لا يدفع ما يزيد عن القيمة الحقيقية للخطر، أو أدنى سعر يتوقع بصورة معقولة تأمينه بموجبه. ولكن على الرغم من أن العديد من الناس قد حققوا القليل من المال [الأرباح] عن طريق التأمين، فإن عدداً قليلاً جداً كونوا ثروة كبيرة بفضله؛ ووفقاً لهذا الاعتبار وحده، فإنه يبدو واضحا بما فيه الكفاية أن الرصيد العادي للربح والخسارة ليس أكثر ربحية في هذا مما كان سيكون عليه [الرصيد] في نشاطات تجارية أخرى يحقق للعديد من الناس الثروات. ورغم أن قسط التأمين معتدل عموما، فإن كثيراً من الناس يستهينون بالخطر باحتقار كبير يحول دون تخصيص قسط للتأمين."

تفسير آدم سميث للتأمين


أعتقد أن الاقتباس أعلاه عن التأمين يفصح عن نفسه. فهو كناية عن المخاطر المالية ككل. والناس لا يفهمون ذلك ويلعبون بالنار. وحتى العديد من شركات التأمين، كما اعتقد، تعرض الأصول الاستثمارية للخطر. هذا الأمر يدهشني.



[ينظر أدم سميث للنشاط التأميني كمشروع تجاري، رأسمالي، يستهدف الربح. فهو يعرض الاستخدامات البديلة لرأس المال الموظف في شركة تأمين، فإن لم يستطع الرأسمالي "الحصول على ربح كافٍ" أنتقل إلى نشاط آخر يدّر ما يكفي من الربح. وفي تقديره "أن العديد من الناس قد حققوا القليل من المال [الأرباح] عن طريق [الاستثمار في] التأمين" لكن "عدداً قليلاً جداً كونوا ثروة كبيرة بفضله." وينعى سميث باللائمة على الشركات والناس الذين لا يتحوطون ضد الخطر من خلال شراء حماية تأمينية.]


كارل ماركس والتأمين

لم نتوفر على ترجمة عربية جاهزة لكل نصوص ماركس ذات العلاقة بالتأمين وقمنا بترجمة حرة لبعضها. الاقتباسات مطولة بعض الشئ ولكنها ضرورية لفهم السياق الذي ورد فيه ذكر التأمين. [3]



تكوين احتياطي/صندوق للتأمين



في كتابه نقد برنامج غوتا (1875) يقول ماركس ما يلي في مناقشة الأطروحة التالية أدناه في البرنامج: [4]



٣– "إن تحرير العمل يتطلب رفع وسائل العمل إلى مستوى ملكية المجتمع بأسره، وضبط العمل الإجمالي بصورة جماعية مع توزيع دخل العمل توزيعا عادلاً".

إن رفع وسائل العمل إلى مستوى ملكية المجتمع بأسره" (!) يعني على ما يبدو "تحويلها إلى ملكية للمجتمع بأسره"، ونقول هذا عرضاً.

ما المقصود بـ"دخل العمل؟" أهو نتاج العمل أم قيمته؟ فإذا عنيت قيمته، فهل قيمة النتاج الإجمالية أم فقط القسم من البقية الذي أضافه العمل إلى قيمة وسائل الإنتاج المستهلكة؟

إن "دخل العمل" عبارة عن فكرة غامضة كان لاسال [1825-1864] يتخذها بدلا من المفاهيم الاقتصادية الواضحة. ثم ما هو "التوزيع العادل"؟
إذا أخذنا أولا كلمتي "دخل العمل" بمعنى نتاج العمل، فإن دخل العمل الجماعي يعني حينذاك النتاج الاجتماعي الإجمالي. والآن، ينبغي إن نقتطع منه:

أولا، ما نستعيض به عن وسائل الإنتاج المستهلكة؛

ثانيا، قسماً إضافيا لتوسيع الإنتاج؛

ثالثا، أموالا للاحتياط أو للتأمين ضد الطوارئ، والكوارث الطبيعية، الخ..

إن هذه الاقتطاعات من "دخل العمل غير المنقوص" تحتمها الضرورة الاقتصادية، وتتحدد مقاديرها وفقاً للوسائل والقوى المتوافرة، وجزئياً بموجب حساب الاحتمالات؛ ولكنها في مطلق الأحوال لا يمكن تحديدها على أساس العدالة."

الضرورة الاقتصادية تقتضي تكوين صندوق للتأمين لمواجهة الخسائر المترتبة على طوارئ العمل، التي ترافق عملية الإنتاج، وكذلك الكوارث الطبيعة التي تلحق بوسائل الإنتاج المادية. وكما يذكر ماركس في مكان آخر فإن "رأس المال الثابت هذا، منظوراً إليه من وجهة نظر موضوعية، يتعرض لحوادث معينة، ومخاطر في عملية إعادة الإنتاج."



وما يُحتفظ به في هذا الصندوق من أموال نقدية يتحدد باعتماد حساب الاحتمالات ـ أي احتمالات تعرض وسائل الإنتاج للخسائر بفعل طوارئ العمل أو الكوارث الطبيعية. ومثل هذه الاحتمالات هي أيضاً ما تعتمده شركات التأمين، التجارية والعامة والتعاونية، على الحياة والممتلكات والمسؤوليات القانونية والتعاقدية. وهي أيضاً ما تعتمده الشركات الكبيرة عندما تقوم بالتأمين الذاتي على ممتلكاتها من خلال تكوين صندوق للتأمين ضد الطوارئ. وهذه الممارسة اتخذت شكلاً مؤسسياً متطوراً صار يعرف منذ خمسينات القرن العشرين باسم شركة التأمين المقبوضة captive insurance company.



قوله إن مقدار الاستقطاعات من الناتج الاجتماعي الإجمالي لا يمكن تحديده في مطلق الحالات على أساس العدالة ربما يؤشر على استبعاد ماركس للمعايير الأخلاقية في مجال التأمين.


معروف أن ماركس كان مهتماً بالرياضيات فقد خلّفَ ما يقرب من ألف صفحة من مسودات خاصة بدراسته لجوانب من الرياضيات. [5]  يعنى هذا أنه كان يكتب من موقف العارف بأهمية حساب الاحتمالات الذي ينتظم آلية التأمين.


السؤال الذي ينهض هنا هو: هل أن استقطاع أموال "للاحتياط أو للتأمين ضد الطوارئ، والكوارث الطبيعية، الخ.. " يكون على نطاق الشركة الواحدة، وهو بهذا الشكل نوع من أنواع التأمين الذاتي، أو على المستوى الوطني – أي من منظور بنية الدولة الحديثة من خلال تخصيصات الميزانية أو تكوين صناديق طوارئ لمواجهة آثار الكوارث. هذا على مستوى المؤسسات الإنتاجية الصناعية والخدمية. كيف هو الحال بالنسبة للأفراد؟ هل أن الفرد يقوم بالتأمين الذاتي (من خلال تخصيص احتياطي من دخله) أو أن الدولة تقوم بجبر الضرر والخسارة المادية التي تلحق به وبأسرته كما هو الحال بالنسبة لإصابات العمل أو إعانة البطالة وغيرها من المنافع المرتبطة بإدارة ما صار يعرف بدولة الرفاهية. هذا الجانب لم يشغل حيزاً في تفكير ماركس فنظرته ضمن المفهوم الموسع لإعادة الإنتاج اقتصرت على توفير الحدود الدنيا للإبقاء على العمال كقوة عمل وإعادة إنتاجهم وعائلاتهم كوسائل إنتاجية قادرة على العمل وعلى إنتاج فائض القيمة. وسيمر بعض الوقت قبل أن تظهر التشريعات الخاصة بالضمان الاجتماعي.



إن طبيعة النظام الاقتصادي تحدد كيفية تمويل مثل هذه الصناديق لتعويض الأفراد والمؤسسات من نتائج الكوارث الطبيعية كالفيضان والزلازل والأعاصير.



الاحتياطي المستقطع من الناتج الاجتماعي الإجمالي (لصندوق التأمين) لمقابلة آثار الحوادث والكوارث والمساهمة في تصليح وصيانة وسائل الإنتاج المادية، من وجهة نظر ماركس، يمكن أن يدار من قبل "شركات تأمين منفصلة" أو من داخل المؤسسة الإنتاجية. تكوين مثل هذا الاحتياطي يتجاوز طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي ـ كما سيرد فيما بعد – إذ أن الخطر، بأشكاله المختلفة، ملازم للاجتماع البشري ولا يقتصر على التنظيم الرأسمالي.



تمويل صندوق التأمين



"لو أخذنا بعين الاعتبار إعادة الإنتاج في حالتها الطبيعية، فإن جزءا فقط من العمل المضاف حديثا للإنتاج يستخدم في الإنتاج، وبالتالي في إعادة إنتاج رأس المال الثابت. وهذا هو بالتحديد الجزء الذي يحل محل رأس المال الثابت المستخدم في إنتاج مواد الاستهلاك، وأجزاء كبيرة من العائدات. .... رأس المال الثابت هذا، منظوراً إليه من وجهة نظر موضوعية، يتعرض لحوادث معينة، ومخاطر في عملية إعادة الإنتاج. (وعلاوة على ذلك، واعتباره من وجهة نظر القيمة، فإنه [رأس المال الثابت] قد يستهلك من خلال تغيير في الطاقة الإنتاجية للعمل، لكن هذا لا يشير إلا إلى الرأسمالي الفرد). وبناء على ذلك فإن جزءاً من الأرباح، من فائض القيمة وفائض المنتجات، والذي يمثل فقط العمل الجديد المضاف، بقدر ما يخص قيمتها، هو بمثابة صندوق التأمين. في هذه الحالة لا يهم، ما إذا كان هذا الصندوق يدار من قبل شركات تأمين منفصلة أم لا. هذا هو الجزء الوحيد من الإيرادات التي تستهلك كموضوع للاستهلاك بعينه ولا يخدم بالضرورة كصندوق للتراكم. وما إذا كان يخدم في الواقع في التراكم، أو يغطي مجرد نقص في إعادة الإنتاج، يتوقف على الحادث. وهذا أيضا هو الجزء الوحيد من فائض القيمة وفائض المنتج، وبالتالي من فائض العمل، والذي سيستمر في الوجود، خارج ذلك الجزء الذي يخدم التراكم والتوسع في عملية إعادة الإنتاج، حتى بعد إلغاء النظام الرأسمالي."

(رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث. عملية الإنتاج الرأسمالي ككل، الجزء السابع، الفصل التاسع والأربعون. مساهمة في تحليل عملية الإنتاج. VII.XLIX.36)

في شرحه لمخطط إعادة إنتاج مكونات رأس المال الاجتماعي الإجمالي aggregate social product وهي ليست مجرد إعادة إنتاج لمقدار القيمة بل هي في ذات الوقت إعادة إنتاج مادية، يُقسّم ماركس الإنتاج الاجتماعي إلى قسمين. القسم الأول يضم إنتاج وسائل الإنتاج والقسم الثاني يضم إنتاج وسائل الاستهلاك.


ويقسم ماركس إعادة الإنتاج إلى نوعين: إعادة الإنتاج البسيط وإعادة الإنتاج الموسع. في النوع الأول يستهلك إجمالي فائض القيمة بشكل غير منتج – إي إنه ينفق لشراء السلع الاستهلاكية. أما إعادة الإنتاج الموسع فإنها تعني أن جزءاً من إجمالي فائض القيمة يستخدم في شراء رأسمال إضافي، ثابت ومتغير، بهدف زيادة حجم الإنتاج. [في الحالة الأولى يظل الاقتصاد في مكانه في حين يحقق الاقتصاد في الحالة الثانية نمواً بفضل إعادة استثمار جزء من فائض القيمة.[6]


وفقا لماركس، فإن إعادة الإنتاج الاقتصادي في النظام الرأسمالي مشروطة بتراكم رأس المال. فإذا فشل العمال في إنتاج المزيد من رأس المال، من فائض القيمة، فإن إعادة الإنتاج الاقتصادي تبدأ بالانهيار. ولذلك فإن إعادة الإنتاج هي بالضرورة إعادة إنتاج موسع وتحتاج إلى نمو مستمر للسوق. وهكذا فإن النمو الاقتصادي ليس مجرد رغبة لدى الرأسمالي ولكن ضرورة مطلقة أيضا في النظام الرأسمالي، وليس فقط بسبب النمو السكاني ولكن لأسباب اقتصادية تجارية (التراكم والتركز) ولتعظيم أرباح الرأسمالي.[7]

يقول ماركس إن "رأس المال الثابت هذا، منظوراً إليه من وجهة نظر موضوعية، يتعرض لحوادث معينة، ومخاطر في عملية إعادة الإنتاج." رأس المال الثابت يتعرض "لحوادث معينة" في عملية الإنتاج الأساسية، أثناء تكوين رأس المال العيني الثابت، وليس فقط في عملية إعادة الإنتاج. في الواقع إن الحوادث يمكن أن تقع في مختلف المراحل الإنتاجية بضمنها النقل والخزن والمناولة. هذه المقولة هي ذاتها التي ذكرها ماركس في نقد برنامج غوتا. لكن ماركس هنا ليس معنياً بذلك بل بما تتركه الحوادث من آثار سلبية على عملية التراكم الرأسمالي، عملية إعادة الإنتاج. والحماية التأمينية، كما هو الحال في الاقتصاد الرأسمالي القائم، تدخل كعنصر غير مباشر في الإنتاج من خلال توفير أرصدة نقدية، بمثابة تعويض، للخسائر المادية والمالية التي تتعرض لها وسائل الإنتاج.


ماذا يعني إن "جزءاً من الأرباح، من فائض القيمة وفائض المنتجات، والذي يمثل فقط العمل الجديد المضاف، بقدر ما يخص قيمتها، هو بمثابة صندوق التأمين. في هذه الحالة لا يهم، ما إذا كان هذا الصندوق يدار من قبل شركات تأمين منفصلة أم لا. هذا هو الجزء الوحيد من الإيرادات التي تستهلك كموضوع للاستهلاك بعينه ولا يخدم بالضرورة كصندوق للتراكم."

ما يتضمنه هذا القول هو أن الرأسمالي له الخيار أن يقوم بتكوين صندوق للتأمين، يمول من "الأرباح، من فائض القيمة" لتوفير التعويض لرأس المال الثابت الذي يتعرض للحوادث ويستوجب التصليح أو الاستبدال؛ أو يستخدم مخصصات هذا الصندوق لشراء الحماية التأمينية من شركة تأمين مستقلة.

صندوق التأمين الذي يذكره ماركس هو المعادل لآلية التأمين الذاتي، أو في صورته العصرية هو شركة التأمين المقبوضة. تأسيس شركات التأمين المقبوضة لها أسباب عديدة منها تدوير الأرباح داخل المؤسسة وهي تشكل أحد عناصر التكامل ألعامودي للمؤسسة الرأسمالية.

ولا يرى ماركس في صندوق التأمين ما يساهم في التراكم بل يعتبره إنفاقاً استهلاكياً صرفاً. وهو من هذا المنظور يدخل في خانة العناصر "غير المنتجة" في حين أن ضمان إعادة الإنتاج، لضمان الإبقاء على ما هو قائم من رأسمال عيني ثابت بعد تعرضه للحوادث، يحتاج إلى تمويل وصندوق التأمين يقوم بتوفير التمويل.[8]  والكلفة المالية للتأمين، في صورته التجارية (شراء الحماية التأمينية من خارج الشركة) أو في وضع رصيد مخصص للحوادث (التأمين الذاتي)، يمكن أن تحتسب مسبقاً. قد لا تكون الأرصدة الداخلية المخصصة لمقابلة كلفة تصليح آثار الحوادث والكوارث الطبيعية كافية وعندها يضطر الرأسمالي إلى تمويل كلفة تصليح أو استبدال رأس المال المتضرر من فائض القيمة (وقد لا يكون هذا كافياً لأنه لم يتحقق كما هو متوقع بسبب الحوادث والكوارث). لو كانت الحماية التأمينية، في صورتها التجارية أو المقبوضة، متوفرة للرأسمالي لكان عندها قد قام بتصليح الأضرار دو إخلال كبير بسيولته النقدية وحافظ على مستوى أرباحه.



ونعرف أن التطور التاريخي للنشاط التأميني يُدل على دوره في الحفاظ على الثروات الرأسمالية وفي توفير أرصدة قابلة للاستثمار في الأصول المادية الثابتة وفي الأوراق المالية وضمن ضوابط للحفاظ عل حقوق المؤمن لهم.



وجهة نظر ماركس هو أن صندوق التأمين يمول من الأرباح الناشئة من قيمة العمل الجديد المضاف. وهو يعتبر ما يخصص لصندوق التأمين من الأرباح، من فائض القيمة، استهلاكاً صرفاً ولو أنه يكيّف هذا التخصيص بالقول بأنه "لا يخدم بالضرورة كصندوق للتراكم." يعني هذا أن رؤيته للتأمين ضيقة تنحصر في عملية المساهمة في جبر واستبدال رأس المال الثابت (المكائن والعدد والآلات) عند تعرضها لطوارئ ولحوادث معينة ولكوارث طبيعية. مثل هذا التقييم ينطبق على المؤسسة الواحدة التي تخصص صندوقاً للتأمين وآخر للإندثار/الاستهلاك: "ما نستعيض به عن وسائل الإنتاج المستهلكة – كما يقول ماركس - وآخر "لتوسيع الإنتاج."



ونعرف أن لصناديق التأمين دوراً اقتصادياً أوسع يتمثل ليس بمجرد المحافظة على الثروات المادية الوطنية من خلال التعويض عن الأضرار والخسائر التي تلحق بها، وإنما المساهمة من خلال تراكم أقساط التأمين، الفائضة عن مواجهة مصاريف إدارتها ومقابلة الالتزامات التعاقدية أو تلك المفروضة بقوة القانون، في تكوين أرصدة قابلة للاستثمار في أصول مادية جديدة أو أوراق مالية أو في تقديم القروض.



دور صندوق التأمين في جبر الضرر



"في الواقع، يتم تقسيم فائض القيمة التي أوجدها الرأسمالي إلى إيرادات ورأس المال، وهذا يعني تقسيمه إلى مواد للاستهلاك ووسائل إضافية للإنتاج. لكن رأس المال الثابت القديم، والمحول من العام الماضي (خارج الجزء الذي أصابه الضرر وتدمر لذلك الحد، وباختصار، رأس المال الثابت القديم الذي ليس من الضروري إعادة إنتاجه، وبقدر ما كان هناك أي انقطاع في عملية إعادة الإنتاج، فالتأمين يغطي ذلك)، بقدر ما يتعلق بقيمته، لا يعاد إنتاجه من العمل الجديد المضاف."

(رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول. VII.XLIX.37

يظهر لنا هنا أن ماركس يحصر وظيفة التأمين (الممول داخلياً من إيرادات المنشأة أو التأمين الذي أشتراه الرأسمالي من شركة تأمين) في تغطية (تعويض) ذلك الجزء من رأس المال (العيني) الثابت الذي "أصابه الضرر وتدمر لذلك الحد." وهنا حقاً لا يدخل التعويض التأميني في عملية إعادة الإنتاج إذ أن وظيفة التأمين هي إرجاع الممتلكات، رأس المال الثابت، إلى الوضع الذي كانت عليه قبل تعرضها للحوادث. ولأن التأمين، في جوهره، هو مشروع تعاوني فإن الحماية التأمينية لا يمكن ولا يجب أن تكون موضوعاً للربح لأن في ذلك إجحاف بحقوق جمهور المؤمن لهم.



درجة الخطورة، أسعار التأمين وأسعار السلع



"هذه المفاهيم تنفع كأساس لحسابات الرأسمالي، على سبيل المثال افتراض أن رأس المال الذي يتم استخدامه ببطء أكثر من غيره، وذلك لأن السلع تتطلب وقتا أطول لإنتاجها، أو لأنه يجب أن تباع في أسواق نائية وينبغي لذلك فرض الربح المفقود بهذه الطريقة وتعويضه عن طريق رفع السعر. وهناك فكرة أخرى هي أن رؤوس الأموال المستثمرة في نشاطات تتعرض لخطر كبير، على سبيل المثال في مجال النقل البحري، ينبغي تعويضها عن طريق زيادة في الأسعار. وحالما يتطور الإنتاج الرأسمالي، وأعمال التأمين، يتعادل الخطر بالنسبة لجميع مجالات الإنتاج (انظر كوربيت)، إلا أن رؤوس الأموال المستثمرة في الشركات الأكثر خطورة تضطر لدفع أسعار أعلى للتأمين واستعادتها [أسعار التأمين العالية] في أسعار سلعها. جميع هذه من الناحية العملية تعادل القول إن كل ظرف من الظروف (وكلها تعتبر ضرورية بالتساوي في حدود معينة)، مما يجعل خطاً إنتاجيا واحداً مربحاً، وآخر أقل ربحاً، تحسب أساساً مشروعاً للحصول على تعويض، دون أن تتطلب العمل المتجدد دائماً للمنافسة للبرهنة على تبرير مثل هذه المطالبات. الرأسمالي ينسي ببساطة، أو بالأحرى لا يرى، لأن المنافسة لا تظهرها له، أن جميع هذه المطالبات بالتعويض المقدمة بشكل متبادل من قبل أصحاب رأس المال في حساب أسعار السلع من خطوط إنتاجية مختلفة تكرر، بطريقة أخرى، الفكرة القائلة بأن من حق جميع الرأسماليين، بما يتناسب مع حجم رؤوس أموالهم، لحصص متساوية من النهب المشترك، إجمالي فائض القيمة. فهم بدلا من ذلك تحت انطباع رؤية أن الأرباح في جيوبهم تختلف عن فائض القيمة التي استولوا عليه، وأن تلك الأسباب للتعويض لا تعادل مشاركتهم في إجمالي فائض القيمة، ولكن بالأحرى أنهم هم الذين يخلقون الربح ذاته، والمفترض أن [هذا الربح] ينشأ من الإضافة لسعر سلعهم، والتي يقدمون مبررات مختلفة بشأنها."
(رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث. عملية الإنتاج الرأسمالي ككل. II.XII.16)

تحويل عبء الزيادة في أسعار التأمين على "رؤوس الأموال المستثمرة في الشركات الأكثر خطورة" إلى المستهلك (سواء كان فرداً أو شركة) ظاهرة اقتصادية معروفة. يعنى هذا أن الرأسمالي يلجأ إلى زيادة أسعار منتجاته للتعويض عن أقساط التأمين، العالية، التي يدفعها لقاء حدة الخطورة في رأس المال. وهو إذ يقوم بذلك فمن أجل المحافظة على هامش ربحه باعتباره الخالق للربح في حين أن مصدر هذا الربح بالنسبة لماركس هو فائض القيمة. يدفعنا هذا إلى القول إن ماركس كان يفرق بين درجات الخطورة في تعرض رؤوس الأموال للمخاطر الطبيعية والحوادث الأخرى المرتبطة بعملية الإنتاج. فأسعار التأمين تعكس حدة الخطر في المال المؤمن عليه أو المسؤوليات المؤمن عليها. وهذه قاعدة تقوم على مبدأ الموازنة بين حدة الخطورة وبين ما تفرزه من أضرار والرصيد التأميني اللازم للتعويض عن هذه الأضرار كي لا تعمل على إفناء شركة التأمين أو استنفاذ صندوق التأمين لدى المؤسسة الإنتاجية – وهذا بغض النظر عن طبيعة النظام الاقتصادي.



المتوسطات الحسابية/الاحتمالات في التأمين على الحياة وفي تقدير القيمة الاستعمالية للمكائن



"ينفق عمر أداة من أدوات العمل، في تكرار عدد أكبر أو أقل من عمليات مماثلة. ويمكن مقارنة عمرها مع حياة الإنسان. فكل 24 ساعة يقرب الإنسان من قبره: ولكن كم هي عدد الأيام التي ما زال [الإنسان] يحتاجها للسفر على هذا الطريق، أمرٌ لا يستطيع إنسان أن يحدده بدقة من خلال النظر فقط في وجهه. ومع ذلك فإن هذه الصعوبة لا تمنع مكاتب التأمين على الحياة من وضع استنتاجات دقيقة جداً وفي نفس الوقت مربحة جدا من خلال نظرية المتوسطات theory of averages. وهذا هو الحال مع أدوات العمل. فمن المعروف بالتجربة متوسط مدة استمرار ماكنة من نوع ما في الاشتغال. لنفترض أن القيمة الاستعمالية لها في عملية العمل تستغرق ستة أيام فقط. وعليه، في المتوسط، فإنها تفقد كل يوم سدس قيمتها الاستعمالية، وبالتالي تتخلى [الماكنة] عن سدس قيمتها لما ينتج يوميا. البلى الذي تتعرض له أدوات العمل، وخسارة قيمتها الاستعمالية اليومية، والكمية المقابلة من القيمة التي تفقدها لصالح المنتج تحتسب وفق ذلك."
رأس المال : نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، عملية الإنتاج الرأسمالي الجزء الثالث، الفصل الثامن، رأس المال الثابت ورأس المال المتغير. III.VIII.11)

كما ذكرنا أعلاه فإن ماركس كان مواكباً لاستعمالات نظرية الاحتمالات وقانون الأعداد الكبيرة والمتوسطات. واهتمامه هذا يفسر المقارنة التي يعقدها بين حياة الإنسان وحياة الماكنة. وها هو هنا يشرح لنا تطبيقاً لنظرية المتوسطات فيما يخص عمر الآلات والمكائن المستخدمة في الإنتاج.



والتعليل الذي يقدمه ينتظم أحد أنواع التأمين، تأمين عطب المكائن. فشركة التأمين تفرق بين المكائن الجديدة والمكائن المستعملة، وتضع شروطاً محددة فيما يخص البلى والاندثار/الاستهلاك نتيجة الاستعمال، أو عدم الاستعمال، باعتباره من الظواهر الملازمة للاستعمال، وبالتالي يحدد العمر التشغيلي للمكائن. وهذا العمر يتأثر بنمط التشغيل (عدد ساعات التشغيل، وزيادة التشغيل فوق القدرة التصميمية) ومستوى ونوع الصيانة التي تخضع لها المكائن. والغالب أن الاندثار لا يكون موضوعاً للتأمين – أي لا يتم التعويض عنه لأنه يفتقد أحد العناصر المهمة في التأمين وهو الصفة الاحتمالية لوقوع الحادث المسبب للضرر. فكل ما هو مؤكد الوقوع أو يمكن التنبؤ بوقوعه أو نعرف أنه سيحصل، شئنا أم أبينا، كالبلى الذي يحصل تدريجياً فهو حتمي، لا يتساوق مع معيار التأمينية insurability أو الاستئمانية.[9]



وبالطبع فإن ماركس هنا ليس معنياً بالتأمين على المكائن بل تناقص القيمة الاستعمالية لها منظوراً إليها كرأسمال مادي ثابت. ولكن في مكان آخر ربط ماركس بين تضرر رأس المال الثابت، ومنه المكائن، وتمويل الضرر اللاحق بها خلال عملية الإنتاج بالقول:



"رأس المال الثابت القديم، والمحول من العام الماضي (خارج الجزء الذي أصابه الضرر وتدمر لذلك الحد، وباختصار، رأس المال الثابت القديم الذي ليس من الضروري إعادة إنتاجه، وبقدر ما كان هناك أي انقطاع في عملية إعادة الإنتاج، فالتأمين يغطي ذلك."


لسنا من المتخصصين في الاقتصاد الماركسي ولذلك فإن عرضنا ربما يعوزه الدقة أو الفهم الصحيح لمقولات ماركس، وعليه ننبه على ضرورة قراءة ما كتبناه بدرجة من الحذر القائم على الشك. وندعو المعنيين للمساهمة في نقد وإثراء الموضوع. ونأمل أن يقوم غيرنا بالكشف عن استعمالات التأمين في الكتابات الاقتصادية الكلاسيكية، وكذلك في الكتابات الاقتصادية العربية وحتى في كتابات عربية أخرى.



مصباح كمال

لندن تموز/يوليو 2010

misbahkamal@btinternet.com


الهوامش

[1] يمكن قراءة النص الأصلي باستخدام هذا الرابط:

http://political-economy.com/adam-smith-insurance/

[2] بديع أحمد السيفي المحامي، الوسيع في التأمين وإعادة التأمين علماً وقانوناً وعملاً، ج 1 (بغداد: د.ن.، 2006) ص 181، 182

[3] اعتمدنا على الموقع الإلكتروني التالي في اقتفاء استخدام التأمين في كتاب رأس المال، ثلاثة أجزاء:

http://www.econlib.org/cgi-bin/searchbooks.pl?searchtype=BookSearch&pgct=1&sortby=R&searchfield=F&grp=AllMarx&id=68&query=insurance+&andor=and#pagelisting

[4] اقتبسنا هذه الترجمة من الموقع الإلكتروني: http://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1875-cg/index.htm والترجمة غير موفقة في توصيل المعنى. ويمكن قراءة النص الإنجليزي باستخدام هذا الرابط: http://www.marxists.org/archive/marx/works/1875/gotha/ch01.htm

[5] The Mathematical Manuscripts of Karl Marx, New Park Publications, 280pp. Reviewed by Andy Blunden;
Source: Labour Review (WRP), June 1983.


[6] A Dictionary of Marxist Thought, Ed by Tom Bottomore (Oxford: Basil Blackwell Ltd, 2nd ed 1991), p471-472.

[7] هناك الكثير من الارتباك في المناقشات حول إعادة الإنتاج الاقتصادي ويعزى ذلك إلى حقيقة أن علماء الاقتصاد يساوون أو يجمعون بين الإنتاج المادي (الموسع) للسلع والخدمات اللازمة لبقاء البشرية وإعادة الإنتاج (الموسع) لرأس المال. من وجهة نظر ماركس، هناك أربعة جوانب رئيسة لإعادة الإنتاج الاقتصادي:

إنتاج منتجات قابلة لإعادة الإنتاج للحفاظ على مخزون الموجودات في المجتمع أو الإضافة لهذا المخزون.

الإبقاء على وإعادة إنتاج الناس القادرين على العمل وعائلاتهم.

إعادة إنتاج والإبقاء على وضمان تطبيق العلاقات الاجتماعية ولا سيما علاقات الإنتاج التي تميز الهرم الاجتماعي/التراتب الطبقي، وحقوق الملكية.

الإبقاء على وإعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية.

إعادة الإنتاج الاقتصادي ملازم لجميع الأنظمة مع بعض الاختلاف عند التحول من نمط إنتاجي معين إلى آخر.

هذه المعلومات مقتبسة من الإنترنيت.

[8] يفترض أن صندوق التأمين يضم أرصدة كافية للتعويض عن خسارة كبيرة تلحق برأس المال الثابت (وفي زماننا خسارة الأرباح أيضاً التي هي موضوع للتأمين التجاري) أو أن الحماية التأمينية التي يشتريها الرأسمالي من شركة التأمين، مقابل قسط للتأمين، واسعة بما يكفي لتمويل خسارة واحدة كبيرة أو عدة خسائر خلال السنة.

[9] انظر: جيفري كلارك، "وجهة نظر تاريخية عن التأمينية" مدونة مجلة التأمين العراقي، 3/6/2010

http://misbahkamal.blogspot.com/2010/06/historical-viewpoint-on-insurability.html

2011/01/08

Lawyers & Insurance in Iraq: a neglected chapter in the history of Iraqi insurance


المحامون والتأمين في العراق

فصل مهمل في تاريخ قطاع التأمين العراقي


مصباح كمال

تسنى لي مؤخراً قراءة بحث عن كلية الحقوق في بغداد تاريخها ودورها في بناء الدولة العراقية الحديثة بقلم عبد الجليل الأسدي[1] وجدت فيه فائدة كبيرة، فبفضله أتعرف لأول مرة على تاريخ كلية الحقوق بهذا الشكل التفصيلي. وفيه حاول الباحث أن يرسم ملامح لدور الكلية في بناء الدولة العراقية من خلال خريجي الكلية الذين غمرهم بسخائه في التقييم دون التعرض لميولهم الفكرية والسياسية وأصولهم الطبقية. وأوضح مقصده بالقول:


إن خريجي كلية الحقوق كانوا مؤثرين أكثر من غيرهم من العسكريين أو رجال الدين أو شيوخ القبائل وخاصة ممن ترأسوا الوزارة هذا كله بفضل ثقافتهم العالية التي حصلوا عليها من خلال ما تلقوه من دراسة في الكلية وكذلك ما ووفره لهم مؤهلهم العالي الذي يشكل عمله غليه الثمن في ذلك الوقت وحتى في الوقت الحاضر من الحصول على وضائف إداريه عاليه كوضيفة متصرف (محافظ) أو وظائف قضائية مرموقة أكسبتهم ميزه عن غيرهم الذين يصل بعضهم للمناصب عن طريق صفقات سياسيه وحزبيه أو حتى محاصصه طائفيه توصلهم للبرلمان ومن ثم للوزارة هذا من جانب السلطة التنفيذية إذا لا جدال في من قبض على سلطة القضاء ومن أسهم في تأسيسها وتطويرها أما السلطة التشريعية فان الحال لا يختلف كثيرا إذ برز تأثير خريجي الكلية في الحياة النيابية أكثر من غيرهم وبفضلهم نهض العراق نهضة تشريعيه عملاقه ملئت الفراغ العميق الذي تركه العثمانيون فقد أسهمت الكلية إخراج العديدة من التشريعات التي عرفها العراق لأول مره أو إبدال تلك الباليه منها من تركة الدوله العثمانية سواء كانت تلك التشريعات قوانين أو انظمه كالقانون المدني العراقي رقم (40 لسنة 1951) وقوانين العقوبات وقوانين التجارة والقوانين الاجرائيه وحتى الدساتير فقد أسهمت الكلية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق اشتراك أساتذتها وخريجوها في وضع أول دستور للعراق في سنة 1925. [الاقتباس كما هو منقول من النص الأصلي المنشور. تلاحظ القارئة والقارئ ان النص فيه أخطاء طباعية]

تتبع الباحث تاريخ كلية الحقوق (كلية القانون فيما بعد) منذ العهد العثماني في ثمانينات القرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، واعتبر سنة 1908 التاريخ الحقيقي لقيام معهد حقوقي في العراق. ورغم تركيزه على دور خريجي كلية الحقوق فإنه أشار إلى أدوار أخرى للحقوقيين العراقيين كما يظهر ذلك في الاقتباس أعلاه. لكنه لم يُشر إلى دور الحقوقيين العراقيين في وضع قوانين التأمين، وهو بيت القصيد لملاحظاتنا التالية.


ومن رأينا أن هذا البحث مقدمة جيدة لدراسة موسعة تأخذ في الحسبان آليات مساهمة الحقوقيين في دعم السلطة القائمة أو الوقوف مع المعارضين لها، وكذلك نظرتهم إلى الدولة العراقية ومؤسساتها، والتعارض والتناقض الذي يشتغل المحامون في ظله فيما يتعلق بالحفاظ على النظام السياسي والاقتصادي القائم من خلال تطبيق القوانين السائدة، أو من خلال صياغة قوانين جديدة بتوجيه من الطبقة الحاكمة لحماية مصالح السلطة أو لتنظيم العلاقات الاقتصادية وغيرها من الضوابط بين طبقات المجتمع. وهكذا فإن مثل هذه الدراسة، ومن مقترب نقدي تاريخي، يمكن أن ترسم ملامح الدولة العراقية التي ساهم خريجو كلية الحقوق في بنائها في الماضي البعيد والقريب. وهنا يثار سؤال: ترى أية دولة ساهموا في بنائها، وكيف أثروا على تكوينها؟ نتمنى على الكاتب أن يستأنف نظره في الموضوع ليتعمق في البحث عن الصلة بين القانون وبناء الدولة العراقية وخاصة التحول من نظام إلى آخر ودور الحقوقيين والمؤسسات القانونية ومجموعة الأفكار (الإيديولوجيا) التي تنتظمها. [2]



لسنا هنا بصدد عرض محتويات هذا البحث أو التعليق عليه فالغرض من ملاحظاتنا القصيرة هو الإشارة إلى غياب ذكر التأمين في جانبه القانوني. والباحث معذور لإهماله قوانين التأمين بسبب الإطار المحدد الذي أختاره لدراسته – ما سماه بدور كلية الحقوق في بناء الدولة العراقية الحديثة.


وقد توقفنا أثناء قراءة البحث عند اسمين معروفين لجلينا، ذكرهما الكاتب، لعبا دوراً في إدارة النشاط التأميني في العراق، أوردهما في سياق لا علاقة له بالتأمين وقوانينه.


ففي إشادته بدور أساتذة الكلية ذكر بأنهم قاموا "بتأسيس جمعية القانون المقارن في 1/4/1966 وذلك تماشيا مع الاهتمام العالمي بهذا الفرع من العلوم علم الدراسات القانونية المقارنة التي عرفها العام الغربي كأحد العلوم القانونية الحديثة وتأسست لأجل هذا الجانب الجمعيات وعقدت المؤتمرات العالمية وكان الهدف من الجمعية ان تخدم الفكر القانوني ليس في العراق وحده بل في الوطن العربي والعالم اجمع وخاصة ان أسلافنا من فقهاء الشريعة الإسلامية من السباقين في حقل الفقه الموازن الذي أطلقوا عليه علم الخلاف وأصدرت الجمعية في العام 1967 مجلة القانون المقارن."


وأتى على ذكر أسماء الأعضاء المؤسسين للجمعية:

"الدكتور صلاح الدين الناهي والأستاذ محمد طه البشير والأستاذ ضياء شيت خطاب والدكتور علي حسين الخلف والدكتور محمد علي أل ياسين والدكتور صالح محسوب والدكتور مصطفى رجب والدكتور هاشم الحافظ والدكتور شاب توما منصور والدكتور حميد السعدي والدكتور سعدون العامري والدكتور احمد علي الخطيب والدكتور أكرم ياملكي والدكتور سلطان الشاوي."
د. مصطفى الرجب من مؤسسي شركة إعادة التأمين العراقية، وكان رئيساً لمجلس إدارتها ومديرها العام لسنوات عديدة، ولعب مع جمع من زملائه (البعض منهم ما زال يعمل، ومنذ سنوات، في أسواق أخرى والبعض الآخر ترك دنيانا) الدور الأساس في إبراز مكانة الشركة كواحدة من شركات إعادة التأمين المهمة في العالم العربي وفي العالم الثالث من خلال نشر عملياتها في بلدان هذين العالمين وتعظيم الاحتفاظ بالأقساط على نمط شركات إعادة التأمين في الأسواق الأوروبية. ومثل الشركة والسوق العراقي في محافل التأمين العربية والدولية باقتدار. وكانت شركة إعادة التأمين العراقية أول من أسس مكتباً للاتصال في سوق لندن للتأمين سنة 1964 استمر يعمل حتى غزو العراق للكويت في آب 1990. ولم تعرف سوق لندن قبله مكاتب من هذا النوع رغم بساطة المهمات التي كان يقوم به إذ أنه لم يسجل كمكتب اكتتابي.


ويُشهد له بناء كوادر الشركة من خلال حسن انتقاء الموظفين وتدريبهم في الداخل والخارج، وتنمية الحرفية لدى العاملين وحتى الاهتمام بمظهرهم الخارجي.[3] وقد أدار شركة إعادة التأمين العربية في بيروت لعدة سنوات قبل أن ينتقل إلى دولة الإمارات العربية لإدارة شركة تأمين إماراتية تقاعد منها ليعمل مستشاراً في التأمين وإعادة التأمين. ويحمل د. رجب شهادة دكتوراه في القانون من جامعة سويسرية، ويتحدث بثلاث لغات.


وأتى الباحث أيضاً على ذكر اسم "عطا عبد الوهاب، السكرتير الخاص بالملك فيصل الثاني، تخرج في العام الدراسي 1943-1944." وكان قد عمل بعد تخرجه في سلك القضاء والسلك الدبلوماسي (المكتب الدائم للأمم المتحدة في نيويورك) وبعدها انتقل إلى الديوان الملكي (1957) ليكون سكرتيراً خاصاً للملك فيصل الثاني وللأمير عبد الإله لغاية تموز 1958 حيث فصل من وظيفته. وعلى إثر ذلك أتجه إلى العمل في قطاع التأمين وعمل أيضاً مع إحدى شركات التأمين البريطانية في لندن. استدعي أواخر سنة 1969 لتأسيس شركة تأمين في الكويت. وهي السنة التي تعرض فيها إلى الخطف والاعتقال في الكويت من قبل حكومة البعث تعرض بعدها إلى التعذيب والسجن بتهم مختلقة (منها أنه عمل في الستينات في قطاع التأمين مع متهم بالجاسوسية، لطفي العبيدي). وبقي مسجوناً حتى إطلاق سراحه سنة 1982، وقد سجّل تفاصيل كل ذلك في كتابه سلالة الطين. [4].


أردنا من هذه الوقفة السريعة الإشارة إلى دور حقيقي متميز وواسع للحقوقيين في قطاع التأمين في العراق وخارجه. فقد تمثل حضورهم (ومن بينهم سيدات احترفن القانون والتأمين) في إدارة شركات التأمين، وفي العمل في الأقسام القانونية لشركات التأمين. وبفضلهم كانت الإشكالات التعاقدية، والمطالبات بالتعويض، والتقاضي، و تنظيم عقود التأمين المتخصصة، والتحكيم في قضايا تأمينية، وخدمة الزبائن وخاصة الشركات الأجنبية تحضى بعناية مهنية احترافية مستندة على الأسس القانونية.


كان للمحامين مساهماتهم في تأليف كتب قيّمة عن التأمين مستفيدين في وضعها من تضلعهم بالمصادر القانونية التأمينية العربية والإنجليزية. ولنا أن نذكر هنا المحامي بديع أحمد السيفي والمحامي بهاء بهيج شكري كمثالين مع الاعتذار ممن لا نقدر على استذكارهم. فقد نشر السيفي مؤلفين مرجعيين هما:


التأمين علماً وعملاً

الوسيع في التأمين وإعادة التأمين علماً وقانوناً وعملاً


وله أيضاً محاضرات مطبوعة ومنها:

تأمين النقل بضائع وتعويضاته في العلم والتطبيق

التأمين من الحريق

التحكيم في عقود المقاولات

الجوانب القانونية في التأمين على الحياة

خبراء التسوية ودورهم في إعداد كشف التعويض

دراسات في التأمين

قانون التأمين البحري 1906 والمبادئ الرئيسية في التأمين البحري

محاضرات في تأمين المسؤولية والتأمين الإلزامي من حوادث السيارات علماً وعملاً

النظرية العامة للتأمين في العلم والتطبيق

النظرية والتطبيق للتأمين على الحياة

ونشر شكري جملة من المؤلفات:

إعادة التأمين بين النظرية والتطبيق

التأمين البحري في التشريع والتطبيق

التأمين في التطبيق والقانون والقضاء

التأمين من المسؤولية في النظرية والتطبيق

النظرية العامة للتأمين [5]


وكان للحقوقيين أيضاً دور في تثقيف الشباب من ممارسي التأمين من خلال المحاضرات والتدريس في المعاهد المهنية والمؤسسات الأكاديمية، ودورات التدريب، أو من خلال وسيلة خاصة كتلك التي كانت تعرف باسم "ندوة الخميس" في شركة التأمين الوطنية والتي كان السيفي يعدها ويديرها. في هذه الندوات كان الحقوقيون وغيرهم من موظفات وموظفي الشركة يلتقون لعرض وتحليل واجتراح حلول لمختلق القضايا التأمينية.


مجرد عرض الأسماء المعروفة والمتداولة لا يغني بالطبع عن البحث والتقييم النقدي للمساهمة، حقيقية أو موهومة، لهذه الأسماء في بناء قطاع التأمين. لكن عرض الأسماء قد يفتح الباب لشحذ الذاكرة وللتعرف الأولي على أصحابها والربط، بعد الاستقصاء، بينها وبين إصدار قانون تأميني معين، أو مشاركة في حل قضية تأمينية عويصة أمام المحاكم أو مع معيدي التأمين. نعرف بأن ديوان التدوين القانوني في ستينات القرن الماضي كان يشذب المسودات ويقوم بصياغة النص النهائي للقوانين.


ويمكن من خلال التعرف على أسماء الحقوقيين الين شاركوا في صياغة القوانين التأمينية الربط بينهم وبين واقع قطاع التأمين، ضمن النظام الاقتصادي السائد، والسياسات التي كانت تستهدف تعديل النظام أو تجاوزه. ولنا في قانون قانون شركات ووكلاء التامين رقم (49) لسنة 1960 مثالاً على ذلك. فقد جاء في ملحق القانون عن الأسباب الموجبة ما يفيد التوجه الاقتصادي الجديد نحو تعريق مؤسسات التأمين:

"دأبـت حكــومة الثورة منذ تسلم زمام الحكم على بناء السـياسـة الاقتصـادية للجمهورية العراقية على أساس تحقيق استقلال العراق الاقتصادي في مختلف مجالاته واضعة نصب عينيها تطوير الاقتصاد الوطني عن طريق تشجيع رأس المال الخاص وإتاحة الفرص الواسعة أمامه ليساهم في الفعاليات الاقتصادية وكان بديهياً أن تتناول هذه السياسة تنظيم أعمال التأمين التي أصبح تنظيمها من العوامل الضرورية التي يقوم عليها ازدهار التجارة.

إن القوانين التي تحكم شركات التأمين وهي الجانب الشكلي من أعمال التأمين موزعة في العراق على عدة قوانين وهي قانون شركات التأمين رقم 74 لسنة 1936 وتعديلاته وقانون شركات الضمان (السيكورتاه) الصادر في العهد العثماني و قانون الشركات التجارية رقم 31 لسنة 1957 ونظام إجازات وكلاء التأمين رقم 25 لسنة 1936.

إن تعدد هذه القوانين وقدمها وتشتت أحكامها وافتقارها إلى وحدة الهدف حمل وزارة التجارة على تهيئة لائحة قانونية جديدة لشركات التأمين تحلّ محلّ القوانين المشار إليها بعد أن قامت لجن موسعة بدراسته بوضع أسس هذا القانون وقامت لجنة أخرى بدراسة التقنين نفسه ثم عرض على جميع ممثلي شركات التأمين العاملة في العراق لإبداء الرأي فيه.

إن هذا القانون يستهدف تشجيع استثمار رأس المال الوطني في حقل التأمين والسعي تدريجياً لإحلاله محل رأس المال الأجنبي على أن يلاحظ خلال ذلك كفاءة خدمات التأمين المتوفرة في البلاد بالنسبة لحاجة السوق إليها وفي هذا الهدف تتصل لائحة شركات التأمين الجديدة مع قانون تأسيس شركة إعادة التأمين رقم 21 لسنة 1960 ويعتبر القانونان متكاملين في السعي لتعريف ميدان التأمين وفتحه أمام رأس المال الوطني.

إن اللائحة الجديدة قد نصّت على حصر أعمال التأمين بالشركات المساهمة التي لا يقل رأسمالها عن مئة ألف دينار إن كانت عراقية ومائة وخمسين ألف دينار إذا كانت أجنبية واشترطت أن يكون 60% من رأس مال شركات التأمين المؤسسة في العراق عراقياً دائماً كما زيدت وديعة التأمين التي تودعها هذه الشركات وأجيز بموافقة وزير التجارة استثمار هذه المبالغ في الأسهم والسندات العراقية الصناعية وغيرها وحصرت وكالات التأمين بالعراقيين الأفراد وبالشركات العراقية التي لا تقلّ نسبة ما يمتلكه العراقيين من أسهمها عن ستين بالمائة من رأس المال."

ترى هل بالإمكان تحديد أسماء أعضاء اللجان ممن قاموا بصياغة مسودات قوانين التأمين المختلفة ومنها هذا القانون وبعده قانون تأميم بعض الشركات والمنشآت رقم 99 لسنة 1964؟ موضوع العلاقة بين القوانين والاقتصاد وتأثير التدخل السياسي يحتاج إلى بحث مستقل من قبل المتخصصين.


ولنا أن نضيف أن تخصص المحامين في التعامل مع مختلف جوانب النشاط التأميني لم ينشأ أثناء الدراسة الجامعية وإنما بفضل الممارسة العملية وبالتحديد في شركات التأمين، ونخص بالذكر منها شركة التأمين الوطنية التي كانت الشركة الكبرى في العراق منذ العقد الذي تلا تأسيسها وبقيت محتفظة بمكانتها في السوق مع إعادة تنظيم قطاع التأمين بدءاً من عام 1960 (تعريق ودمج الشركات) ومن ثم بعد تأميم شركات التأمين (1964) كانت الشركة المهيمنة بالتقاسم مع الشركة العراقية للتأمين التي تخصصت بالتأمين على الحياة. [6] ويرد في بالنا بعض الأسماء التي عملت في الوطنية، مع الاعتذار لمن لا يرد اسمه ولعل زملاؤنا في العراق يستطيعون إكمال القائمة والتعريف بهم وتصحيح معلوماتنا عنهم أيضا:


بديع أحمد السيفي، بصري محمد صالح، جبار الخزرجي، رفعت الفارسي، سهير حسين جميل، فؤاد شمقار، منذر عباس الأسود، نوري الخزاعي. وبالطبع كانت شركة التأمين العراقية وكذلك شركة إعادة التأمين العراقية تضم عدداً من الحقوقيين تغيب أسماؤهم من ذاكرتنا. وما زال البعض منهم مستمراً في العمل مع بعض شركات التأمين الخاصة في العراق.

[بعد توزيع مسودة هذه الورقة على جمع من الزملاء ذكر لنا الزميل محمد الكبيسي في حديث هاتفي (12 كانون الثاني 2011) أن آخر مدير للدائرة القانونية في شركة التأمين العراقية كان محمد عسكر داود، صاحب خبرة في متابعة قضايا التعويض أمام المحاكم مُمثلاً للشركة]


عند مقارنة المحامين بالاقتصاديين العراقيين، كفئتين اجتماعيتين من أصحاب المعرفة والعلم المتخصص، نلاحظ غياب دور حقيقي مباشر للاقتصاديين في تطوير قطاع التأمين، كنشاط اقتصادي في المجال المالي وفي مجال حماية الثروات المادية وضمان ديمومة الإنتاج. ولم يقم أي اقتصادي عراقي، حسب علمنا، بالكتابة عن النشاط التأميني في حين أن أقرانهم من المحاميين كتبوا ونشروا العديد من الدراسات القانونية عن التأمين. ويبقى التأمين مهملاً في فكر الاقتصاديين ولا ترد سوى إشارات يتيمة للتأمين في كتاباتهم.[7]


هل هناك من له رغبة في تطوير هذه الملاحظات الأولية وإفادة القراء في إبراز دور الحقوقيين في قطاعنا. العبء هنا يقع على عاتق المحامين أنفسهم ممن عملوا في قطاع التأمين العراقي فهم الأدرى بظروف تعيينهم، ومهامهم الوظيفية، وصراعاتهم مع الإدارات، واشتباكهم القانوني أمام المحاكم وغيرها من جوانب العمل والمؤثرات الداخلية والخارجية عليهم.


مصباح كمال

لندن 6 كانون الثاني 2011 (تم تعديل المقالة بتاريخ 20 كانون الأول 2011)

misbahkamal@btinternet.com

________________________________________


الهوامش

[1] يمكن قراءة البحث في موقع الحوار المتمدن باستخدام هذا الرابط:

[2] من البدهي أن التغييرات القانونية والمفاهيم المرتبطة بها لا تنشأ من فراغ. تطبيق هذه البديهة على العلاقة بين القانون وبناء الدولة العراقية قد يكشف الكثير عن ما هو مستور في تاريخ التغيرات الاجتماعية في العراق. أنظر كمثال لهذا المنهج:

Michael E. Tiger & Madeleine R. Levy, Law & the Rise of Capitalism (New York: Monthly Review Press, 1977)
[3] نتمنى أن يقوم د. الرجب، وكذلك مجايله أ. عبد الباقي رضا، بكتابة مذكراته لأنها ستشكل مصدراً لدراسة تاريخ التأمين في العراق وتطوره. ومن المحزن إننا لا نقرأ عن تجربة من قاموا ببناء صناعة التأمين في العراق في فترة نهوضها. ولم يتبرع أحد من زملاء الرجب أو رضا ممن عملوا معهما أو تتلمذوا عليهما بالكتابة عنهما. وبهذا الشأن ذكرنا في دراسة لنا أن "أدب السيرة آخذ في الانتشار في العراق وقام أكاديميون بالبحث في سيرة العديد من السياسيين العراقيين لكن الاهتمام بالسيرة لم يتوسع ليشمل دراسة اقتصاديين وقانونيين دونكم من عمل في قطاع التأمين. وكنا قد اقترحنا على أحد زملاءنا كتابة ما يشبه السيرة العملية لبعض العناصر التي لعبت دوراً في الارتقاء بصناعة التأمين من خلال مواقف معينة أو رسم سياسات عملت في التطبيق على دعم الصناعة وسياسات أخرى كانت آثارها سلبية. قد نتحرج في الكتابة بهذا الشأن لكن وسيلتنا في التغلب على الحرج هي اتخاذ موقف أكاديمي موضوعي صارم عند الحديث عن الأشخاص في إطار البيئة التي كانوا يعملون فيها."
مصباح كمال، "مقاربة لتاريخ التأمين في العراق: ملاحظات أولية" الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 328، 2008، ص67-76. نشرت الدراسة أيضاً في مجلة التأمين العراقي:

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/04/328-2008-67-76.html
[4] المعلومات التي ذكرناها عن عطا عبد الوهاب مستلة من مواقع إلكترونية متفرقة. حسب المعلومات المتوفرة لنا، لم ينشر عطا عبد الوهاب كتاباً عن التأمين لكنه ألف وترجم العديد من الكتب. ومن ترجماته: في الثورة لهَنا آرندِت، صناعة الإنشاءات العربية لأنطوان زحلان، العراق: نشأة الدولة 1921-1958 لغسان عطية.

[5] ليس هناك حسب علمنا ببلوغرافيا عن المطبوعات التأمينية الصادرة في العراق. وقد اقترحنا سنة 2009 على السيدة سعــــــاد محمد محمــــــــد سعيد، مسؤولة مكتبة شركة التأمين الوطنية في بغداد، تأسيس أرشيف خاص بمستندات شركة التأمين الوطنية لكنها استصعبت الأمر نظراً للتلف الذي لحق بالمستندات.

أنظر: سعاد محمد محمد سعيد "مكتبة شركة التامين الوطنية: لمحة سريعة" مجلة التأمين العراقي: http://misbahkamal.blogspot.com/2009/06/1972.html
الببلوغرافيا والأرشفة وتجميع المستندات ذات الطابع التاريخي كلها تدخل ضمن مشروع توفير مواد للبحث في تاريخ نشاط التأمين في العراق. وقد خاطبنا ثلاثة من زملائنا (سعدون الربيعي، منذر الأسود ومحمد الكبيسي) في حزيران 2010 بشأن تكوين "أرشيف يمكن أن يكون فيما بعد موضوعاً لمعرض متخصص عن التأمين في العراق، وكذلك مدخلاً لتشجيع البحث والكتابة عن تاريخ التأمين في العراق." واستفسرت منهم إن كانت لديهم " مستندات ذات طابع تاريخي عن التأمين في العراق: أول وثيقة تأمين (حريق، بحري، حياة، هندسي وغيرها) صدرت في العراق، تظهيرة (ملحق) تأمين، شهادة تسجيل أول شركة تأمين وأول وكالة تأمين، وصل مخالصة، استمارة طلب تأمين، صور عن حرائق كبيرة لمحلات مهمة في بغداد وغيرها من مدن العراق، صور عن سيارات الإطفاء، صور مؤسسي شركات التأمين الفردية أو الجماعية، أول كتاب عن التأمين صدر في العراق، مواد دعائية لشركات التأمين .. الخ." وقد قام الزميل الأسود بتجميع بعض المواد، وقد يمضي وقت طويل دون أن نستطيع إكمال متطلبات هذا المشروع.
[6] يتمنى المرء أن يقوم أحد الباحثين بكتابة تاريخ شركة التأمين الوطنية، باعتبارها أول شركة تأمين عراقية مملوكة للدولة (تأسست سنة 1950) باعتماد المنهج النقدي الذي يعتمده المؤرخون الأكاديميون، وهو الأقرب إلى التاريخ الاقتصادي وليس منهج ذكر التواريخ والاحتفاء بالإنجازات.
وقد ذكرنا في دراسة لنا "...أن الكتابة عن التأمين مستمرة من خلال النشر في المجلات التأمينية المتخصصة، على قلة هذه المجلات وضعف إخراجها وتحريرها، وفي العديد من الندوات التي تقام في مختلف البلاد العربية ومنها ندوات الاتحاد العام العربي للتأمين. كما أن بعض الجامعات والمعاهد تقوم بتدريس مادة التأمين. المشكلة الأساسية، في تقديرنا، تكاد أن تنحصر في الفقر في البحث التاريخي والأكاديمي. لم تقم الشركات القائمة، حسب علمنا، بتكليف باحث للكتابة عن تاريخها، ولم يقم أركان صناعة التأمين المخضرمين بتدوين سيرهم الذاتية أو مذكراتهم. ولا تزال مكتبة التأمين العربية تفتقر إلى ببلوغرافيا بالمؤلفات العربية في التأمين (كتب، مقالات، نصوص محاضرات وغيرها). وهي تفتقر أيضاً إلى المجموعات الإحصائية، للشركة الواحدة أو أحد الأسواق، التي تغطي فترات طويلة والتي تعين الباحث الناشئ. ولا نقرأ ما يرصد أو ينظّر للدور الاقتصادي، الاستثماري للأرصدة التأمينية. وما يكتب عن بعض أوجه النشاط التأميني لا يحيل القارئ إلى المصادر والمراجع وهي ضرورية لخلق حالة من الوعي المشترك بها وتسهيل البحث."

أنظر: مصباح كمال: "حول تحديث البحث عن التأمين وتاريخه في العالم العربي"، التأمين العربي، مجلة الاتحاد العم العربي للتأمين، العدد 99، 2008، ص 32.

[7] كتبنا غير مرة عن كون التأمين الحلقة الأضعف في الكتابات الاقتصادية العراقية. أنظر، على سبيل المثال، مصباح كمال، "التأمين: موضوع مهمل في الكتابات الاقتصادية العراقية"، الثقافة الجديدة، العدد 336، 2010، ص36-49. نشرت أيضاً في مجلة التأمين العراقي، 12 تموز 2010:

http://misbahkamal.blogspot.com/2010/07/336-2010-36-49.html



Private Insurance Companies Contributing to the ad hoc Committee on Developing of the Banking & Insurance Sectors of the Council of Ministers' Consultants Commission





شركات التأمين الخاصة

تشارك في اجتماعات هيئة المستشارين لتطوير القطاع المصرفي والتأميني



 

سعدون الربيعي



استنادا" إلى الأمر الديواني المرقم 19 لسنة 2010 الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء – هيئة المستشارين الخاص بتشكيل فريق عمل استراتيجية القطاع الخاص والحوار الاجتماعي، انبثقت لجنة فرعية لقطاع المصارف والتامين شاركت فيها كممثل عن شركات التامين الخاصة وحضر اجتماعاتها كوادر متقدمة من الوزارات المعنية والبنك المركزي والشركة العراقية لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وشركة الكفالات المصرفية واتحاد رجال الأعمال واتحاد الصناعات العراقية ورابطة المصارف الأهلية العراقية.

عقدت هذه اللجنة عدة اجتماعات خلال عام 2010 كان آخرها في 30/8/2010 تدارست فيها خطوات تطوير ودعم القطاع الخاص ومنح القروض لتأهيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بمبالغ تتراوح من خمسة آلاف دولار إلى 250 ألف دولار وبفائدة ميسرة وحسب حجم المشاريع وطاقتها الإنتاجية.

وخلال هذه الاجتماعات كنت أؤكد على دور وأهمية شركات التامين العامة والخاصة بالتنسيق مع المصارف الأهلية المعتمدة حاليا" في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وضرورة التامين على حياة المقترضين بمبلغ القرض الممنوح ( قروض قصيرة الأجل ومتوسطة الأجل – وطويلة الأجل – الإنتاجية والتجارية ) بهدف ضمان استرداد مبالغ القروض الممنوحة. واستثمرت مشاركتي في هذه اللجنة لعرض ما يعانيه قطاع التامين من تجاهل بعض المسؤولين في الدولة وتهميش دوره الفاعل في عملية التنمية الاقتصادية، وإغفال ما نكتبه للجهة القطاعية المختصة ( وزارة المالية - ديوان التامين ) عن المشاكل والمعوقات التي يعاني منها قطاع التامين العراقي والتهاون بالرد الايجابي على مقترحات شركات التأمين الخاصة التي بلغ عددها (23) شركة تأمين خاصة وعرضت مقترحات عديدة في اللجنة الفرعية لقطاع المصارف والتأمين التي تشرف عليها وتتابع نشاطها – هيئة المستشارين – الأمانة العامة لمجلس الوزراء ويمكن تلخيصها بالاتي:



1- تعديل بعض مواد قانون تنظيم أعمال التامين رقم 10 لسنة 2005 وتوضيح السلبيات لبعض مواد هذا القانون ومنها المادة ( 81) والتي تنص على الآتي:



المادة (81) أولا"- لأي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الحق في الاختيار بشراء منتجات التأمين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تأمين ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

ثانيا" -لا يجوز إجبار شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص على شراء منتجات أو خدمات التأمين من مؤمن أو معيد تأمين أو وكيل أو وسيط أو مقدم خدمات تأمين محدد، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

(يتضح من نص المادة (81) أنها وفرت الغطاء القانوني للشركات الأجنبية ومعيدي التامين لإجراء التامين لأصول ومصالح عراقية وهي في دولها وغير حاصلة على إجازة ديوان التأمين ولا تخضع، كما تخضع شركات التأمين العراقية الخاصة، للكثير من الرسوم والضرائب) ومتى ما اشترطت الدولة، عند تعديل القانون، في إجراء التأمين على الأصول والمصالح العراقية والأموال لدى شركات التأمين العراقية فإن هذا الإجراء سيوفر للدولة وللاقتصاد الوطني مبالغ طائلة يمكن توظيفها بما يعزز ويسهم في عملية التنمية والنهوض بها خدمة للمصالح الوطنية.



2- تأهيل ديوان التامين وضرورة ان يأخذ دوره كجهة رقابية على قطاع التامين وتطويره – وتعزيز هيكله التنظيمي بكوادر تأمينية لها من الخبرة الفنية والإدارية والمالية ما يجسد أهداف الديوان.



3- تطوير العلاقة والتنسيق مع المصارف العامة والخاصة في تقديم خدمات التامين وإتباع الأساليب العلمية والرسائل الالكترونية في تسويق منتجات التامين. ومنها التغطية التأمينية لفتح الاعتمادات للاستيرادات المتنوعة من خلال شركات التامين العراقية – ونعني بها التامين البحري والبري والجوي لما تتمتع به شركات التأمين من خبرات وكوادر فنية وملاءة مالية تمكنها من توفير الحماية التأمينية.



4- ضرورة ان تتجه المصارف الخاصة وشركات التأمين الخاصة إلى تنويع الاستثمارات وتوزيعها على عدد كبير من القطاعات ومنها تجربة عدد من المصارف الأهلية بإنشاء شركة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وشركة أخرى للكفالات المصرفية التي توفر الفرص أمام تلك المشاريع للوصول إلى مصادر التمويل الائتمانية ( المصارف ) من خلال إقراض تلك المشاريع (وهذا ما يعزز دور شركات التامين الخاصة في توفير الحماية وضمان استرداد مبالغ القروض الممنوحة وتأمين الموجودات ومكائن المشاريع المستفيدة من تلك القروض).

5- مشاركة المصارف في رؤوس أموال شركات التامين الخاصة لما لها من علاقة مالية في توظيف أموالها في المصارف من خلال فتح الحسابات الجارية، التوفير، الودائع الثابتة، الأسهم ... الخ )



6- دعم القطاع المصرفي والتأميني، ليأخذ دوره في تعزيز عملية التنمية من خلال رصد مبالغ مناسبة في موازنة عام 2011 لمنح القروض للمشاريع الاقتصادية وبفوائد ميسرة وتوفير الضمانات التي تتناسب ومبلغ القرض والمخاطر ( وهذا ما ورد في محضر توصيات اللجنة الفرعية لقطاع المصارف والتامين)



7- العمل على تطبيق المواد ( 25 ، 26 ، 27 ) كما ورد نصها في الدستور العراقي وكما مدون أدناه:



المادة ( 25 ) تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية وبما يضمن استثمار كامل موارده، وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته.

المادة (26) تكفل الدولة تشجيع الاستثمارات في القطاعات المختلفة وينظم ذلك بقانون.

المادة (27) أولا":- للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن.

ثانيا" تنظم بقانون، الأحكام الخاصة بحفظ أملاك الدولة وإدارتها وشروط التصرف فيها، والحدود التي لا يجوز فيها النزول عن شيء من هذه الأموال.



(ما ورد في المادة (27) ثانيا":- نرى عند إعداد القانون – الأحكام الخاصة - ضرورة إلزام الوزارات والمؤسسات والدوائر والمحافظات بأجراء التأمين على الممتلكات وأملاك الدولة لدى شركات التامين العراقية المجازة قانونا").



8- تعزيز المشاركة الرقابية وفق المعايير المصرفية التي ينظمها البنك المركزي العراقي ومعايير الملاءة المالية التي يصدرها ديوان التامين بتعليمات ومنها تحديد رأس المال كما ورد في التعليمات رقم 14 لسنة 2009 وزارة المالية – ديوان التامين – المادة 2 لا يقل المبلغ الأدنى للضمان عما يأتي

أولا" – ( 1500000000 ) مليار وخمسمائة مليون دينار للمؤمن المجاز لممارسة أعمال التامين العام.

ثانيا" – (2000000000) مليارا دينار للمؤمن المجاز لممارسة أعمال التامين على الحياة.

ثالثا" – (3000000000) ثلاثة مليارات دينار للمؤمن المجاز لممارسة أعمال إعادة التامين حصرا"

رابعا"– (2000000000) مليارا دينار للمؤمن المجاز لممارسة أعمال التأمينات العامة والتامين على الحياة من المشمولين بالاستثناء المنصوص عليه في البند ( أولا" ) من المادة (16) من قانون تنظيم أعمال التأمين الصادر بالأمر رقم (10) لسنة 2005.

9- مشاركة شركات التامين الخاصة في تأمين الأخطار المرتبطة بصفقات العقود والتراخيص النفطية والاستيراد وعقود إعادة الإعمار وعدم حصرها في شركات التامين العامة.



10- دعوة المصارف والبنوك للاستفادة من الأغطية التأمينية المناسبة خاصة القروض الممنوحة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وقروض أقيام السيارات وموجودات المصارف التي توفرها شركات التامين الخاصة.



11- دعم الدولة وتشجيعها للمزارعين والجمعيات الفلاحية والاتحادات ودعوة المصارف لتسهيل عملية منح القروض وبفوائد ميسرة تتبناها الشركة العراقية لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وشركة الكفالات المصرفية والتركيز على الإقراض لدى المصارف الأهلية الأعضاء في رابطة المصارف العراقية وضرورة أجراء التأمين على موجودات ومخازن المشاريع الصناعية والزراعية بغية توفير الضمان لاسترداد مبالغ القروض وتشجيع أصحاب المشاريع القائمة والجديدة في الحصول على الأغطية التأمينية المناسبة وتوفير الحماية لديمومة العملية الإنتاجية واستمرارها وتأسيس مشاريع جديدة تمتص الكثير من العاطلين عن العمل من كلا الجنسين. كما أكدت على ضرورة تشجيع وحدات الإقراض المصرفي وتعاونها مع قطاع التامين ( وخاصة القطاع الخاص )



12- دعم القطاع الخاص المصرفي والتأميني وتنشيطه وتفعيل دور شركات التامين الخاصة ودعمها للقيام بتقديم الخدمات التأمينية لمختلف المشاريع وتشجيع المستثمرين على أجراء التأمين لتقليل المخاطر وتلافي وقوعها.



13- الحاجة إلى قرار سياسي وإصدار تشريعات قانونية أو تعليمات لدعم القطاع الخاص المصرفي والتأميني وتطويره لتحقيق المقترحات على ارض الواقع وهذا ما يتطلب وجود سياسة لقطاع التأمين وتشريعات مناسبة.



14- إعادة النظر في الرسوم المفروضة على المصارف وشركات التامين الخاصة والتي تنعكس آثارها السلبية على نتائج أعمالها السنوية في الوقت الذي يتطلع فيه القطاعين المصرفي والتأميني إلى الدعم والمساندة باتجاه تقليل النفقات وزيادة الكفاءة المالية بهدف الإيفاء بالتزاماتها تجاه المؤمن لهم وزبائن المصارف الأهلية.



15- مقترح بإلزام الدوائر والمؤسسات والمحافظات وحكومة إقليم كردستان بإجراء التامين على أصولها وأموالها باعتبارها جزء من الثروة الوطنية تستحق توفير الحماية والضمان لها بما في ذلك التأمين الصحي على موظفيها والتامين ضد خطر العمليات الإرهابية وغيرها من الوثائق المناسبة للأفراد والمشاريع التنموية.

ان المقترحات المعروضة وخاصة التأمينية منها بعضها منشور في دراسات وكتابات تستحق الثناء والتقدير. وحصيلة الاجتماعات العديدة التي عقدتها اللجنة الفرعية لتطوير القطاع المصرفي والتأميني خرجت بتوصيات تم رفعها إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء – لجنة دعم وإصلاح القطاع الخاص ومن ضمنها توصيتين خاصة بقطاع التامين هما:



التوصية الأولى:

ان القطاع المصرفي وقطاع التامين من أهم القطاعات التي تتصل بأية جهود لدعم وإصلاح القطاع الخاص وان القطاع الخاص بحاجة إلى تنظيم وحصر وتوفير قاعدة معلومات وافية عنه للمباشرة بعملية الدعم والإصلاح.



التوصية الثانية:

حيث ان قطاع التامين العراقي يرتبط بوسائل التنمية الاقتصادية من جميع نواحيها كونه يسهم في عملية تطوير وسائل منع الحوادث والحد منها ويرسخ ثقافة الوعي التأميني والوقائي ويسهل عملية تعويض الخسائر لتجنب فقدان إنتاجيتها وأموالها وتعطيل العملية الإنتاجية. كما ان شركات التأمين العراقية لديها الإمكانية في تغطية كافة الأخطار للمشاريع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة تدعو اللجنة إلى دعم شركات التأمين الوطنية (( الحكومية والأهلية )) وتوفير المناخ المناسب لعملها وتنفيذ مقترحاتها التي تضمنتها توصيات المؤتمر الأول المنعقد في 29/6/2009 مع ضرورة إصدار التعليمات بتجنب التامين لدى شركات التامين الأجنبية إلا في أضيق الحدود.



آملين ان تحضى هذه المقترحات بالدراسة لتأخذ طريقها إلى التنفيذ والتي تحتاج إلى جهود جماعية سياسية وتشريعات تسهم في تطور القطاع المصرفي والتأميني لما لهما من دور كبير في تفعيل وتنشيط الاقتصاد العراقي.



سعدون مشكل الربيعي

المدير المفوض

الشركة الأهلية للتامين

عضو مجلس إدارة جمعية التامين العراقية



بغداد كانون الثاني 2011



المصادر

للتوسع في متابعة بعض المقترحات التي عرضناها هنا يمكن للقارئة وللقارئ الرجوع إلى مقالات منشورة في مجلة التأمين العراقي ونشير إلى بعض منها:

سعدون الربيعي، "قطاع التامين في العراق – وآفاق تطور شركات التأمين الخاصة" مجلة التأمين العراقي، 2 حزيران 2010.

http://misbahkamal.blogspot.com/2010/06/74-1936-10-2005-21-22-1997.html

محمد الكبيسي، "دعوة لتعديل قانون تنظيم أعمال التامين لسنة 2005" مجلة التأمين العراقي، 9 كانون الأول 2008. http://misbahkamal.blogspot.com/2008/12/2005-2004.html

مصباح كمال، "السياسات الاقتصادية في العراق الخيارات البديلة: قطاع التأمين نموذجاً"، مجلة التأمين العراقي، 30 كانون الأول 2009.

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/12/2009.html

مصباح كمال، "على هامش مسألة اعتماد سياسة للتأمين وإعادة التأمين في العراق" مجلة التأمين العراقي، 23 تموز 2010

http://misbahkamal.blogspot.com/2010/07/httpmisbahkamal.html

مصباح كمال، "التامين في كردستان العراق بين حكومة الإقليم والدولة الفدرالية" مجلة التأمين العراقي، آذار 2008. http://misbahkamal.blogspot.com/2008/03/blog-post.html


2011/01/04

Critical Understanding of Insurance Regulation in Iraq


نحو فهم  نقدي لتاريخ الرقابة على التأمين في العراق


سعدون مشكل الربيعي

ان الدراسة التي نشرها زميلنا مصباح كمال (الرقابة على التأمين في العراق: من قانون السيكورتاه إلى ديوان التأمين) تشكل أهمية كبيرة لا يستغنى عنها لما لها من دور في توضيح مسار فهم الرقابة على النشاط التأميني في العراق.

وكان سرده لتاريخ الرقابة منذ الحكم العثماني على العراق وما تلاه من تطورات وإخفاقات، بالاستناد على أرقام القوانين الصادرة حسب تسلسلها التاريخي، ودور المؤسسة العامة للتامين في الرقابة على النشاط التأميني، يليه قانون تنظيم أعمال التامين لسنة 2005 بمثابة تحديد لمراحل مهمة في هذا التاريخ. وتشكل مرحلتي المؤسسة وديوان التأمين، الذي تأسس بموجب قانون 2005، في رأينا، ضعفاً وإخفاقاً في تنفيذ أهدافها.

والحقيقة، لا المؤسسة العامة للتامين ولا ديوان التامين قد مارسا عملياً وفنياً وقانونياً تطبيق الأهداف المسطرة في مواد القوانين المنظمة لوظائفها الرقابية. ولم ترتقي المؤسستان إلى المستوى التنظيمي والإداري والمالي والقانوني لهيئات التامين المشرفة على النشاط التأميني في الدول العربية المجاورة مثل المملكة الأردنية الهاشمية، الجمهورية العربية السورية، جمهورية مصر العربية، دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من الدول العربية.

كما ان الاتحاد العام العربي للتامين لم يخطط لتنظيم الأساليب الرقابية وتوحيدها في الدول العربية وكأن الأمر لا يعنيه في ارتقاء صناعة التامين العربية وتطويرها. ولم نقرأ أو نلاحظ اهتمام الاتحاد بسوق التامين العراقي ووجود 23 شركة تأمين خاصة فيه. وكان من المناسب الإشارة إلى نشاطها ودورها المستقبلي الواعد في العهد الجديد، وتنظيم دعوات لممثلي هذه الشركات وحضورهم في المؤتمرات وورش العمل والندوات للاطلاع على نشاط شركات التامين العربية والاستفادة من خبراتها ومواكبة التطورات الحديثة.

ان هذه الدراسة القيمة تعتبر كمرجع يغني الباحثين والدارسين ويساعدهم في الرجوع إلى مصادر كثيرة. أكبر تواضعكم المعرفي والأمين في الإشارة إلى بعض ما كتبناه عن قطاع التأمين العراقي.

ان نشر هذه الدراسة يساعد الديوان وموظفيه وبقية كوادر وموظفي قطاع التامين في العراق في تقييم التطور القانوني المنظم لنشاط التأمين، ويؤشر على أهمية دراسة تاريخ التأمين العراقي من منظور علمي موضوعي. وأنا أشرك الكاتب في دعواته المستمرة للغوص عميقاً في دراسة نشاط التأمين.

نتمنى على زميلنا الاستمرار في الكشف عن جوانب من تاريخ النشاط التأميني في العراق والتي لم تلق عناية من العاملين في قطاع التأمين.


سعدون مشكل الربيعي
بغداد كانون الثاني 2011