إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2019/04/03

Ibn Khaldoun and Origins of Insurance in the Arab World

إطلالة على ابن خلدون وجذور التأمين في العالم العربي



مصباح كمال


نشرت هذه المقالة أصلاً في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 404-405، آذار 2019.


لم يعرف فقهاء الإسلام الأوائل التأمين كمؤسسة نظامية، اجتماعية أو تجارية، تقوم بتجميع المساهمات/الأموال من مجموعة من الأفراد، ووضع هذه الأموال في صندوق يستخدم للتعويض من آثار الأضرار والخسائر الطبيعية والبشرية الذي يلحق بعدد قليل من الأفراد، مستفيدةً بالقيام بهذه الوظيفة من قانون الأعداد الكبيرة والاحتمالات.  ولهذا لا يرد في كتاباتهم ذكر للتأمين، ولكننا لا نعدم أن نجد إشارات إلى ما له علاقة بالتأمين وأعني به الخطر/المخاطرة والموقف منه، وكذلك بعض الممارسات قبل وبعد الإسلام والتي تضم شيئاً من عناصر التأمين كالديّة.[1]

أشكال أولية للتأمين في التراث العربي

يذكر الشيخ عبد الله العلايلي في إباحة التأمين على المَتاع والحياة:

حماية الطريق بالإذْمام، أي "الادْخال في الذمة"؛ هل تستحق مُقابلاً أم لا؟  كانت محلاً لخلافٍ كبير، ومن قال بالاستحقاق احتج بما أسماه قُدامى العرب "تَلَاءً"؛ وهو سهم يكتبُ المُجير عليه، أو يَسِمُه بسِمَته، فيَتَنقَّل حامِلُه آمناً من مكان إلى آخر.[2]

وجاء في القرآن، سورة قريش:

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)

حيث كان رجال قريش قبل الإسلام يقومون برحلتين للتجارة في كل عام.  ففي الصيف يتّجهون إلى الشام لاعتدال مناخها، وفي الشتاء يتجهون إلى اليمن لأنها دافئة.  وكانت الرحلتان تنطويان على شكلٍ أولي للتأمين يقوم على التكافل في التعويض عن الخسائر أثناء الرحلة.  فمن نَفَقَ له جملٌ أو تَلَفَ له مَتاعٌ استحق تعويضاً من التجار المشاركين في الرحلة كلٌ حسب نسبةٍ مما حققه من أرباح أو بنسبةٍ من رأسماله الموظف في الرحلة.[3]

فقد ذكر سعدي أبو جيب ما نصَّ عليه فقهاء الحنفية بشأن ضمان خطر الطريق والتأمين:

لو قال رجلٌ لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن كان محفوفاً وأخذَ مالكَ فأنا ضامنٌ، فسَلَكَه وأُخذَ ماله يُضمِن القائل.[4]

أي أن القائل يُعوّض الشخص الآخر لخسارة أمواله، وهو بمثابة اتفاق خاص بين شخصين يمكن تصنيفه ضمن الأشكال الأولية غير المنظمة للتأمين لكنه لا يرقى إلى نشاط تأميني منظم، جماعي أو تجاري.  صحيح أن هناك طرفين "متعاقدين" شفاهاً (القائل والرجل المخاطب، مُؤمِن ومؤمَن له) وأن هناك "مجازفة" (خطر تأميني ينطوي على احتمال التحقق من عدمه) وتحويل لعبء المجازفة (عبء الخطر) إلى القائل (المؤمِن)، إلا أن العِوَض/المُقابل (قسط التأمين) وتجميع هذه الأقساط في صندوق مالي لتعويض الخسارة مفقودان، كما أن الضمان ليس مبنياً على تقييم للاحتمالات كالذي تقوم به شركات التأمين.  أي أن الاتفاق لا يعدو غير تقديم حماية من شخص إلى شخص آخر ربما لسبب أخلاقي.  ومثل هذا النمط من التأمين كان موجوداً في مجتمعات أخرى، وكانت تشكّلُ في أوروبا بدايات التحول نحو إجراء التأمين بعقد مكتوب في القرن الرابع عشر.

إن هذا الاتفاق، كغيره، لا يُشكّل صيغة تأمينية قائمة على نظرية للاحتمالات، واتفاق مُنظَّم بين طرفين متعاقدين، قابل للتنفيذ بقوة القانون، مقابل مبلغ (قسط تأمين) لتعويض الطرف المتضرر في نفسه أو أمواله بسبب خطر أو أخطار محددة، وكل ذلك ضمن إطار تنظيمي مؤسسي، أو شبه مؤسسي، لإدارة عملية توزيع عبء الخسارة المالية على عدد كبير من أعضاء الجماعة المشتركة في مشروع الحماية من الأخطار الخارجية التي قد تصيبهم.

أشكال أولية لإدارة الخطر في التراث العربي

ويشهد تاريخ العرب وجود أشكال أولية، تؤشر على بدايات إدارة الخطر.  إن إدارة الخطر، رغم حداثتها كموضوع مستقل، فإنها موجودة، وبأشكال مختلفة، كممارسة للتحوط من آثار ما يمكن أن يحصل مستقبلاً للناس وأموالهم من خسائر وأضرار.  نقرأ التالي في كتاب:

"من قديمٍ كانت جزيرة العرب طريقاً عظيماً للتجارة، فطوراً تنقل غلاتها إلى ممالك أخرى كالشام ومصر، وأهم هذه الغلات البخور الذي يكثر في الجنوب في ظفار؛ وطوراً تنقل غلات بعض الممالك إلى البعض الآخر، ذلك لأن طريق البحر لم يكن طريقاً آمناً، فالتجأ التجار إلى البر يسلكونه، ولكن طريق البر نفسه كان طويلاً وكان خطراً، لذلك أحاطوه بشيء من العناية، كأن تخرج التجارة في قوافل، وأن تسير القوافل في أزمنة محددة وفي طريق محدودة."[5]  [التأكيد من عندي]

ولنا في قصة النبي يوسف ومشورته لفرعون مصر عن خطر سنوات المجاعة مثلاً جيداً عن إدارة هذا الخطر.  وبهذا الشأن نقرأ التالي في القرآن (سورة يوسف: 43-49)

"قَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.  قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ.  وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ.  يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.  قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ.  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ.  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ."

إن التفكير في المستقبل وما قد يحمله من آثار واستنباط الوسائل المناسبة للتعامل مع تصوّر الآثار نشاط بشري يتخذ أشكالاً عديدة.

وقد ورد شيء عن الخطر في المقدمة لابن خلدون، لكنه لم يكن فقيهاً بالمعنى الاصطلاحي.  في أحد فصول المقدمة يتحدث ابن خلدون عن تفاوت الأرباح في العمل التجاري نتيجة لتفاوت الأخطار التي تتعرض له:

كذلك نقل السلع من البلد البعيد المسافة أو في شدة الخطر في الطرقات، يكون أكثر فائدة للتجار، وأعظم أرباحاً، وأكفلُ بحوالة الأسواق، لأن السلعة المنقولة حينئذ تكون قليلة مُعوِزة دون [لبعد] مكانها أو شدة الغَرَر [تعرض النفس للهلاك، الخطر] في طريقها، فيقلُّ حاملوها، ويعزُّ وجودها؛ وإذا قلَّت وعزَّت غلت أثمانها.  وأما إذا كان البلدُ قريبَ المسافةِ، والطريق سابلٌ [مسلوك] بالأمن، فإنه حينئذ يكثر ناقلوها، فتكثر وترخص أثمانها.[6]

لو كان ابن خلدون على معرفة بالتأمين لكان قد أضاف أن أسعار السلع والأرباح تتأثر بكلفة الشحن والتأمين (ودور طول مسافة نقل السلع وواسطة النقل: برية، أو نهرية أو بحرية)، كما فعل آدم سميث في كتابه ثروة الأمم.[7]  والمعروف أن ابن خلدون قد سبق آدم سميث في العديد من نظرياته وآرائه في تقسيم العمل، ونظرية العمل للقيمة، والعرض والطلب، والضرائب، ودور النقود، والتجارة الخارجية ودور الدولة الاقتصادي، إلخ[8] لكن التأمين، في صيغته البدائية أو التجارية، لم يكن حاضراً في جهازه الفكري.

دعوى ممارسة التأمين في الأندلس، وعدم معرفة ابن خلدون بالتأمين

يورد سعدي أبو جيب في هامش من كتابه شيئاً عن ممارسة التأمين في الأندلس:

يذكر الأستاذ محمد نور غفاري في مقاله عن "التأمين ونظرة الإسلام إليه"، المنشور في مجلة رابطة العالم الإسلامي عدد صفر 1399هـ (كانون الثاني سنة 1979م) "أن التأمين قد بدأ به المسلمون في الأندلس كنظام للتعاون والتبادل"، وينقل ذلك عن تاريخ أليس ي. إسكات، وأن صورته الأولى هي التأمين التجاري."  ويقول الكاتب بعد ذلك "ثم عم هذا النظام في عهد بني عثمان كما ذكر الفقيه ابن عابدين."[9]

لم نستطع الاطلاع على هذا المقال لنتعرف على المصادر التي اعتمد عليها كاتبه، وقد علّقنا في مكان آخر أن "دولة الأندلس دامت من 711 إلى 1492 وكانت تتمتع بعلاقات تجارية مع بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، ربما كان التبادل التجاري بينها موضوعاً لأشكال من الحماية التأمينية في صيغها الأولى خاصة وأنه كانت هناك علاقات تجارية متميزة بين البندقية وإسطنبول التي كان لها دورها في شمال أفريقيا.  ولعل الكشف عنها يضيف الجديد لتأريخ التأمين مثلما قد يكشف عن موقف إسلامي أولي تجاه التأمين."[10]

القول إن "التأمين قد بدأ به المسلمون في الأندلس كنظام للتعاون والتبادل" يحتاج إلى دليل تأريخي خاصة وأنه يتضمن دعوى الريادة في هذا المجال.  إذا كان التأمين معروفاً في الأندلس فإن ابن خلدون (1332-1406) كان سينتبه إليه خاصة وأنه كان مُلمّاً بفنون التجارة والصناعة وأفرد لها فصولاً في مقدمته مثلما كتب عن نشاطات أخرى بتفصيل الباحث العارف، فقد كان ذو فكر موسوعي، ومدقق لتأريخ الماضي وشاهد على نشاطات عصره.

لا يرد في الكتب التي تؤرخ لبدايات التأمين، كعقد مستقل أو مرتبط بقرض، ما يشير إلى دور للمسلمين في الأندلس.  وتخبرنا كتب تأريخ التأمين إن أول وثيقة تأمين بحري يعود إلى 23 تشرين الأول 1347 لتغطية رحلة من جنوا إلى مَيُورَقَة.[11]

غياب مؤسسة التأمين في العالم العربي

لم يعرف العالم العربي التأمين التجاري، الرأسمالي، إلا في العصور المتأخرة، وكان موضوعاً للجدل تحريماً وتحليلاً.  وحسب ما قال سعدي أبو جيب فإن "أحداً من الفقهاء لم يتعرض إليه قبل الفقيه الحنفي ابن عابدين، الذي أفتى بعدم جوازه."[12]

لقد ظلت مؤسسة التأمين غائبة أو غريبة عن العالم العربي لحين إدخالها إليها من خلال التوسع الإمبريالي الأوروبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.[13]

وعند مراجعة المعجم الاقتصادي الإسلامي[14] لم أجد فيه ذكراً للتأمين، أو الأمن أو الأمان.  لكن المعجم يضم مواد عن الأَرش، والأعيان، والخطر، والاقتصاد، وكلها تتعلق بجوانب من التأمين.  فالأَرش، مثلاً، هو "بدل ما دون النفس من الأطراف، وقد يُطلق على بدل النفس وحكومة العدل"[15] أي أنه يتعلق فيما يعرف في زماننا بالتأمين من الحوادث الشخصية بما فيها الوفاة والتعويض عنها.  لو كان التأمين حاضراً في الكتابات الفقهية الإسلامية وغيرها لكنا وجدنا مادة عنه في المعجم، فقد ذكر مؤلف المعجم في تصديره أنه لاحظ

منذ عهد بعيد أن في كتب الفقه الإسلامي، وغيرها من الكتب، كثيراً من المصطلحات الخاصة بالمكاييل، والموازين، والمقاييس، والبيوع، والمعاملات، والأمور الاقتصادية المختلفة، وهذه المصطلحات ترد في مواطنها مبهمة غير محددة، وقد تختلف معانيها ومقاديرها بحسب تعدد الأمكنة والأزمنة واختلاف الناس."[16]

إن أول من تعرَّض لموضوع التأمين من الفقهاء، كما يقول أبو جيب، هو ابن عابدين (1784-1836).  وقد أبرزنا مساهمته بتحريم النشاط التأميني في دراسة سابقة، ونقلنا عنه التالي:

وَبِمَا قَرَرْنَاهُ يَظْهَرُ جَوَابُ مَا كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهُ فِي زَمَانِنَا: وَهُوَ أَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ التُّجَّارَ إذَا اسْتَأْجَرُوا مَرْكَبًا مِنْ حَرْبِيٍّ يَدْفَعُونَ لَهُ أُجْرَتَهُ، وَيَدْفَعُونَ أَيْضًا مَالاً مَعْلُومًا لِرَجُلٍ حَرْبِيٍّ مُقِيمٍ فِي بِلادِهِ، يُسَمَّى ذَلِكَ الْمَالُ: سَوْكَرَةً [قسط التأمين] عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا هَلَكَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي فِي الْمَرْكَبِ بِحَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ نَهْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَذَلِكَ الرَّجُلُ ضَامِنٌ لَهُ بِمُقَابَلَةِ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَلَهُ وَكِيلٌ عَنْهُ مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِنَا يُقِيمُ فِي بلادِ السَّوَاحِلِ الإسْلامِيَّةِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ يَقْبِضُ مِنْ التُّجَّارِ مَالَ السَّوْكَرَةِ وَإِذَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِمْ فِي الْبَحْرِ شَيْءٌ يُؤَدِّي ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنِ  لِلتُّجَّارِ بَدَلَهُ تَمَامًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي: أَنَّهُ لا يَحِلُّ لِلتَّاجِرِ أَخْذُ بَدَلِ الْهَالِكِ مِنْ مَالِهِ لأنَّ هَذَا الْتِزَامٌ مَا لا يَلْزَمُ.[17]

وقد كتبتُ في نفس الدراسة وتحت عنوان ثانوي، العقود الرضائية، تعليقاً على فتوى ابن عابدين.  فمن رأي أن الفتوى تضمُّ "موقفاً تجاه الفصل بين ما يتوافق عليه الناس من عقود برضاهم واختيارهم بلا غش وتغرير وبين الأمور التعبدية.  وهذا الفصل يؤسس توجهاً صريحاً نحو علمنة الحياة الاقتصادية عند الناس.  فحتى موقف ابن عابدين الرافض للسوكرة (التأمين) في بلاد الإسلام وتحليله في التعامل مع دار الحرب يؤشر على بدايات للقبول بالتأمين لأنه يرفع الحرج عن التاجر المسلم في التعامل مع التجار الأجانب ودخوله معهم في عقود تجارية من بينها عقود التأمين البحري.  موقف ابن عابدين هذا هو شكلٌ أولي مُقيّد للتعامل مع معطيات الواقع المعاش.  وهذا يُدلل على أن متطلبات الواقع أقوى من محظورات الشريعة."

غياب عقد التأمين في التراث الإسلامي

لا يرد في كتب الفقه والحديث إشارة إلى التأمين لأن هذا النشاط الاقتصادي لم يكن معروفاً في العالم العربي قبل القرن التاسع عشر.  تصفّح أي من هذا الكتب، صحيح البخاري مثلاً، ستجد عنده كتاب المغازي، والغسل، والحيض، والصلاة، والزكاة، والبيوع، والكفالة، والإجارة، والحرث والمزارعة، والاستقراض، والشركة، والرهن، والهبة والشروط، إلخ لكنك لن تعثر على كتاب التأمين أو ما يقرب منه.  وقل مثل ذلك عن غيره من كتب الفقه والحديث.

لذلك، نزعم أن الفقه الإسلامي لم يعرف عقد التأمين، في مفهومه الحديث وتنظيمه، وما يرد في التراث من إشارات، قبل الإسلام وبعده، ما هي إلا مجرد إشارات تكلَّست في بيئتها التاريخية ولم تخضع إلى تطوير لتتحول إلى مؤسسة منظمة للتعامل مع عدم اليقين وإدارة الخطر، الطبيعي والبشري، المصاحب لحياة الناس ونشاطهم الاقتصادي كأفراد وشركات.  لو كان التأمين حاضراً بصيغته التعاقدية في الفقه الإسلامي لما انصبَّ رأي ابن عابدين على رفضه في (دار الإسلام)، ولما قامت مدرسة "إسلامية" ترفض التأمين.

لقد ظلّ النموذج الأوروبي لمؤسسة التأمين هو السائد في العالم العربي، حتى ان مؤسسي أول شركة تأمين إسلامية في السودان، بنك فيصل الإسلامي عام 1979، وهي شركة التأمين الإسلامية المحدودة، وغيرها من شركات التأمين الإسلامي أو التكافلي، استوحوا هذا النموذج، في صيغته التبادلية، من النموذج الغربي رغم إضفاء تسميات جديدة على بعض المصطلحات كإطلاق تعبير التبرع على قسط التأمين، والاستفادة من بعض العقود الشرعية كعقد الكفالة وعقد الإجارة في تنظيم شركة التأمين.

وقد كتبتُ في سياق آخر له علاقة بالموروث الديني المستخدم لأغراض الاشتغال في التجارة بأن الاعتماد على النص القرآني يتطلب انتقاءاً دقيقاً للكشف عن الأشكال الأولية للتأمين أو قُل عناصر أولية ذات علاقة بنظام التأمين، في حين أن التقاليد القبلية قبل الإسلام أكثر ثراءً من هذه الناحية.[18]  فالنص القرآني يُحيل المرء أحياناً إلى التواكلية، كما جاء في سورة البقرة: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات [الضرر والخسارة بالمعنى التأميني] وبشّر الصابرين (الآية 155) الذين إذا أصابتهم مصيبة [حادث أو كارثة بالمعنى التأميني] قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون." (156).  أي لا رجوع إلى مؤسسة أخرى (كيانات التأمين المختلفة في زماننا) لتتولى توفير درجة من راحة البال ضد عدم التيقن ابتداءً والتعويض الكلي أو الجزئي عن خسائر الأفراد والجماعات بعد وقوعها.  وعلى أي حال، فإن القرآن "حمّال أوجه" كما نُقل عن علي بن أبي طالب.

إن الاعتماد على اقتباسات من النصوص الدينية ليس كافياً للاستدلال بأن نظام التأمين كان موضوعاً في السماء،[19] وأنه كان مطبقاً على العلاقات بين الناس وعلى أموالهم في الماضي، فالتأمين المنظم كالذي تقوم به الشركات لم يكن معروفاً لا بل أن مفهوم الشركات المساهمة القائمة على تحديد المسؤولية لم يكن معروفاً في الاقتصادات الإسلامية.

مع هذا فإن اكتشاف الأشكال البدائية لبعض عناصر التأمين، وكذلك إدارة الخطر، في تاريخ العالم العربي يُفيد في تعميق الثقافة التأمينية المعاصرة، مثلما هو مفيدٌ في التأكيد على أن مصادر المعرفة والممارسات القديمة هي التي وفّرت التراكم الضروري لابتكار التأمين في شكله الحديث.  وهذا ما انتبه له العديد من الباحثين في دراستهم لشريعة حمورابي، ونظام الدية قبل الإسلام وبعده وغيرها.

28 تشرين الأول 2018




[1] اعتمدت في كتابة هذه الورقة على دراسات سابقة لي منشورة.
[2] الشيخ عبد الله العلايلي، أين الخطأ؟ (بيروت: دار الجديد، 1992، ط1 دار العلم للملايين، 1978)، ص 101.
[3] اعتمدنا في كتابة هذه الفقرة على " نشأة التأمين في مصر" المنشور في موقع الهيئة العامة للرقابة المالية، مصر:
[4] سعدي أبو جيب، التأمين بين الحظر والإباحة، (دمشق: دار الفكر، 1983)، ص 58.
[5] أحمد أمين، فجر الإسلام، بيروت: دار الكتاب العربي، ط 11، 1975، ص 11
[6] مقدمة ابن خلدون، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش (دمشق: دار البلخي، 2004)، ص 86.  وأيضاً في:
ابن خلدون، المقدمة (بيروت: دار العلم للجميع، د.ت.) ص 396.
[7] تناولنا هذا الموضوع في فصل حول آدم سميث والتأمين في كتاب لنا قيد التأليف حول حضور التأمين في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي (2018).
[8] للتعرّف على مكانة ابن خلدون في تاريخ الفكر الاقتصادي راجع، على سبيل المثل:
"Ibn Khaldun, Father of Economics," from Arab Civilization, (joint editorship with George N. Atiyeh), State University of New York Press, 1988. Pp. xii, 365.
James R. Bartkus and M. Kabir Hassan, “Ibn Khaldun and Adam Smith: Contributions to Theory of Division of Labor and Modern Economic Thought,” http://muslimheritage.com/article/ibn-khaldun-and-adam-smith-contributions-theory-division-labor-and-modern-economic-thought
د. إبراهيم محمد البطاينة، د. أمجد عبد المهدي، "آراء ومواقف ابن خلدون في المسائل الاقتصادية،"
وينقل العديد من الكتاب رأي جوزيف شومبيتر، اعتماداً على كتابه History of Economic Analysis, 1954 أن ابن خلدون هو الذي وضع أسس العديد من الأفكار الأصلية في مختلف مجالات الفكر الاقتصادي وأنه سبق آدم سميث.
[9] سعدي أبو جيب، التأمين بين الحظر والإباحة (دمشق: دار الفكر، 1983)، ص 11.
[10] مصباح كمال، "التأمين كمؤسسة علمانية: نظرة تاريخية موجزة،" الثقافة الجديدة، العدد المزدوج 378-379، تشرين الثاني 2015، ص 104-114.  ونشرت كذلك في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.
[11] للتعرف على الخلفية والتفاصيل راجع:
Harold E. Raynes, A History of British Insurance (London: Sir Isaac Pitman & Sons Ltd, 2nd ed 1964. 1st ed 1948), pp 7-9.
[12] أبو جيب، مصدر سابق، ص 12.
[13] H James (editor), P Borscheid, D Gugerli, T Straumann, The Value of Risk, Oxford: University Press, 2013, pp 50-52.
[14] أحمد الشرباصي، المعجم الاقتصادي الإسلامي (بيروت: دار الجيل، 1981).
[15] الشرباصي، نفس المصدر، ص 25.
[16] الشرباصي، نفس المصدر، ص 7-8.
[17] كمال، "التأمين كمؤسسة علمانية: نظرة تاريخية موجزة،"، مصدر سابق.
[18] رينات بَكّين، "الأشكال الأولية للتأمين في المجتمع الإسلامي: مؤسسة الدية والزكاة كمثال،" ترجمة مصباح كمال، التأمين العربي، العدد 108، مارس (آذار) 2011، ص14-21.
[19] د. عيسى عبده، التأمين: الأصيل والبديل (الكويت، بيروت: دار البحوث العلمية، 1972).

2019/03/29

Economic & Insurantial Implication of the Mosul Ferry Disaster


مصباح كمال

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:


هذه الورقة هي تتمة لما نشرناه مباشرة بعد وقوع "فاجعة"[1] غرق العبّارة في نهر دجلة[2] وقد استفدنا في كتابتها من كتابات أخرى لنا سنشير إلى بعضها.  نظراً لعدم توفر معلومات وبيانات دقيقة فإننا سنلجأ إلى عرض موضوع هذه الورقة من خلال مقتربات تصورية.


ماذا يحصل عندما تتعرض شركة لخسارة، وهل هناك حاجة للتأمين؟

أثرت مؤخراً في دراسة لي السؤال التالي: ماذا يحصل عندما تتعرض شركة لخسارة كبيرة؟  وجواباً على السؤال كتبت الآتي:

"عندما تتعرض شركة إلى حادث يسبب خسارة مادية أو ضرر، وتتوقف الأعمال نتيجة لمثل هذه الخسارة أو الضرر وتتعرض أيضاً للمسؤولية القانونية قبل الغير، يتوجب على الشركة تصليح أو استبدال الأصول موضوع الخسارة أو الضرر، ودفع فاتورة الأجور وغيرها من المصاريف الثابتة وتعويض الغير (الطرف الثالث) المتضرر نتيجة للحادث.  دعونا من باب الاختصار أن نطلق على هذه الخسائر والأضرار والمسؤوليات "خسارة."

لكي تكون الشركة قادرة على مواصلة عملياتها يجب أن تملك الموارد اللازمة لتغطية الخسارة.  وللقيام بذلك، يمكن للشركة أن تعتمد على:

§       الدخل التشغيلي (ولكن إذا كانت الخسارة كبيرة فإن هذا الدخل لن يكون كافياً).

§    الاقتراض من البنوك (لكن هذا القرض قد لا يكون متاحاً بسهولة باعتبار أن الشركة التي تكبدت خسائر كبيرة لن يكون عميلاً جذاباً أو أن شروط اقراضها مرهقة، وتزيد من الأعباء المالية للشركة).

§    صندوق مالي لمواجهة الطوارئ أو أي صندوق خاص (لكن العديد من الشركات لا تخصص مثل هذه الصناديق لتمويل الخسائر).

للحماية ضد الخسارة سيكون أسهل وأكثر توفيراً على الشركة تخصيص ميزانية سنوية لشراء حماية التأمين ضد الخسارة.  وهكذا، يتم نقل عبء تمويل الخسارة من الشركة إلى شركة التأمين التي ستتولى توفير الحماية المالية."[3]

أردت من هذا العرض المقتبس تأكيد ضرورة وجود برنامج تأميني للتعويض عن آثار الخسائر البشرية والمادية، فهو الأقل كلفة في التعامل معها.


الوسائل المتاحة للتعامل مع الحوادث

للاقتراب من موضوع الآثار الاقتصادية والتأمينية للحوادث الناتجة بفعل قوى الطبيعة أو الفعل البشري نسأل:

عندما تتسبب إحدى شركات القطاع الخاص بحوادث تمتد آثارها على الغير (أطراف ثالثة) من يتحمل الكلفة الاقتصادية لهذه الحوادث؟  فيما يلي نقدم بعض المقاربات.

لو كانت الشركة قد قامت بالتأمين على مسؤولياتها المدنية فإن شركة التأمين تتكفل بتعويض الأطراف الثالثة المتضررة (الأضرار البدنية بما فيها الوفاة والأضرار المادية لممتلكات هذه الأطراف).

في غياب التأمين يمكن إغاثة الأطراف المتضررة من خلال وسائل التضامن الاجتماعي كـ "الفزعة" أو "العونة" التي تتجسد على أرض الواقع كفعل جماعي آني بتأثير من القيم الاجتماعية المتوارثة غير المكتوبة الكامنة في المخيال الجمعي إذ تقوم الجماعة بالتكاتف والتعاضد في مواسم الحصاد مثلاً أو العمل المشترك أمام المصائب والرزايا الطبيعية والبشرية لتقديم الإغاثة للمصابين والمتضررين.  وهو تحرك، سلوك، غير رسمي، وتحرك تلقائي من قبل الناس نحو منطقة الكارثة لتقديم ما يستطيعونه أو المساعدة في تخفيف أعباء العمل (قطاف الزيتون مثلاً).  وقد نقلت الصحافة أخباراً عن المتطوعين في فريق الإنقاذ حال غرق العبّارة.  إن هذا السلوك الجماعي يمثل شكلاً بدائياً لفكرة التأمين: تعاون الجماعة لإغاثة من ألمت بهم مصيبة.  ويكتب أحد الاقتصاديين:

وكتعميم أكثر موثوقية فإن الأزمات تُطلق دائماً تقريباً تدفقاً للدعم من خارج المنطقة المنكوبة، وهي الظاهرة التي أصبحت تعرف بـ "السلوك التآزري “convergence behavior”.[4]

كما يمكن تقديم الإغاثة من خلال المؤسسات الخيرية والإحسانية.  بالنسبة للعراق فإن هذه المؤسسات لم تتطور أو قل لم يسمح لها بالتطور وخاصة في العهد الدكتاتوري (1968-2003)، ذلك لأن النظام كان ذو طابع شمولي يعمل على السيطرة على جميع مناحي الحياة وتوجيهها كما يشاء بحيث انه ضيَّق باستمرار فضاء العمل الجماعي الطوعي المستقل لأنه كان يخشى أن تتحول هذه الفضاءات إلى بؤر قد تؤثر على سيطرته.[5]

في أغلب الحالات، فإن شركات القطاع الخاص لا تتمتع بترف الانقاذ الحكومي عند تعرضها للخسارة.[6]  ومن دون تأمين ليس لها غير الاعتماد فقط على قوة ميزانياتها العمومية (دخلها التشغيلي) أو رصيد الطوارئ إن كان موجوداً، أو اللجوء إلى الاقتراض.  وإذا كانت النقدية والموجودات الأخرى في الميزانية العمومية للشركة ليست كافية لدفع كلفة الخسارة أو الضرر فإن انهيارها يصبح حقيقة واقعة.

ولكن في حالات معينة تبادر الحكومة إلى تمويل كلفة ما تسببت به الشركة الخاصة للأفراد والجماعات من خزينة الدولة بحدود معينة.  يعني هذا أن المصائب التي تأتي من الشركة الخاصة تتحول إلى عبء جديد غير متوقع على ميزانية الدولة، أي أنها تموّل من حصيلة الضرائب، التي كان بالإمكان الاستفادة منها في مشاريع أخرى للدولة.

لننظر، من باب المقارنة، إلى الشركات المملوكة للدولة فهذه عند تعرضها للخسارة يمكن أن تلجأ، كملاذ أخير، إلى الحكومة لإنقاذها رغم أن مئات الملايين من الدولارات التي قد تكون لازمة لجبر الخسارة قد تستقطع من تخصيصات أخرى في ميزانية الحكومة لتمويل الخسارة.  تسريب مثل هذه الموارد المالية سيؤثر على مجالات أخرى من مجالات الإنفاق الحكومي، على سبيل المثال تمويل مشاريع اجتماعية جديدة أو خدمات عامة.  إن تحويل الأموال هذه قد يؤدي إلى ضغوط سياسية على الحكومة خاصة إذا كانت هذه الأموال مخصصة لمشاريع تتمتع بالكثير من الدعم الشعبي.[7]

يمكن إجمال الآثار الاقتصادية المادية للحوادث من نمط حادث غرق العبّارة بالآتي:

أولاً، ضحايا الحادث.  عدا الآثار النفسية المختلفة فإن فقدان رب/ربة الأسرة يعني توقف مصدر الدخل للأسرة.  وفي غياب التعويض المناسب، من قبل شركة التأمين أو الحكومة، فإنه يعني إفقار الأسرة وما يحمله معه من مشكلات لأفراد الأسرة.

ثانياً، صاحب المنشأة.  وقد تتمثل الآثار بتضرر المعدات، وخسارة عدد من المستخدمين، وتوقف المنشأة عن العمل (خسارة الدخل) لحين استرداد النشاط، والتعرض للمساءلة القانونية.

ثالثاً، الاقتصاد الوطني.  إن الآثار السلبية المترتبة على غياب التأمين تحمل معها تكلفة للاقتصاد الوطني، وتأثيراً على النمو الاقتصادي، كما حاولت الكشف عن بعضها.[8]


من سيعوض ضحايا غرق العبّارة؟

في غياب أية معلومات عن تأمين المنشآت والمعدات في المجمع السياحي في جزيرة أم الربيعين بما فيها العبّارة نفترض أن هذا المجمع لم يكن موضوعاً للتأمين مثلما لم يكن موضوعاً للضوابط التنظيمية والرقابية من قبل الهيئات المعنية به بدءاً من إنشائه وانتهاءً بتشغيله.  يعني هذا أن الحكومة هي التي ستتولى تعويض ضحايا غرق العبّارة.  فقد ورد في الأمر الديواني الصادر من المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراق بتاريخ 22 آذار 2019 بند حول "إقرار التعويضات اللازمة."  (لم يحدد الأمر من هم المنتفعين من التعويضات.  من المفترض أن تتكشف التفاصيل فيما بعد).

هل ستقوم الحكومة بممارسة حق الحلول[9] واسترداد قيمة التعويضات التي ستدفعها للمتضررين من مسببي غرق العبّارة؟  هذه مسألة قانونية هي خارج معرفتنا ولكننا نثيرها لنرى إن كانت الحكومة تمتلك الإرادة لممارسة هذا الحق، إن كان قائماً بقوة القانون، أو إي إجراء آخر، خارج نظام التأمين، ضد مسببي حادثة غرق العبّارة.  (سجل الحكومة في مجال مقاضاة الفاسدين في القطاعين العام والخاص ضعيف).


غرق العبّارة والامتثال للقواعد التنظيمية

يأتي وقوع حادثة غرق العبّارة تأكيداً على الخراب العام في البنى التحتية وفي إنشاء وتشغيل معظم منشآت الشركات الخاصة المشتركة في الفساد والمحاصصة والإبقاء عليهما.  لقد أطنب البعض في مدح دور القطاع الخاص دون التوقف عند الممارسات غير السليمة للشركات المنضوية في القطاع ودافع تعظيم الربح على حساب اعتبارات أخرى (حياة الناس ومصالحهم، التأثيرات الخارجية لنشاط هذه الشركات، المسؤولية الاجتماعية وغيرها)، وعدم الامتثال للقواعد الانضباطية regulatory compliance.  هناك حاجة لمراجعة وإعادة تقييم دور رأس المال الخاص من منظور فك ارتباطه بمنظومة الفساد والمحاصصة.  فالبعض من "الرأسماليين" يعكسون الوجه القبيح لرأسمالية المحاسيب[10] crony capitalism من خلال ارتباطهم ليس فقط مع وزراء ومسؤولين حكوميين وقادة طائفيين بل على المليشيات والجماعات المسلحة[11] مما يدفع موضوع الامتثال للضوابط إلى القاع وحتى غض النظر عنها بسبب قوتها.[12]

هناك ميل لدى معظم الشركات الخاصة، الكبيرة والصغيرة، إلى عدم الامتثال للضوابط الخاصة بالسلامة مثلاً (باعتبار أن الامتثال يمثل كلفة لا ترغب بتحملها ويؤثر على الأرباح)، أو محاولة تجنب دفع الضرائب، أو التحايل لتمرير غسيل الأموال ... إلخ.  وهناك مدرسة فكرية تدعو إلى التقليل من الضوابط الرقابية باعتبارها تشل المنافسة بين الشركات وتضعف الابتكار.

إن رأسمالية المحاسيب في العراق قد وفّر لمعظم أصحابها فرصة إضعاف التنظيم/الانضباط لا بل أنها حققت سيطرة تنظيمية regulatory capture أي عكس قواعد الانضباط بحيث أن هيئات الرقابة والإشراف تخضع لتأثير أو هيمنة الشركات التي تخضع لرقابتها، من خلال غض النظر عن بعض المخالفات، أو إفساد القائمين بالرقابة بالمال ومغريات أخرى.  إن هذا الاستيلاء التنظيمي هو مؤشر على فشل الحكومة حيث تتماهى الهيئات المنظمة للنشاط الاقتصادي مع الشركات التي من المفترض أن تنظمها، وهو ما أسفر عنه غرق العبّارة.

ويجد البعض تفسيراً لتدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية ووضع القواعد التنظيمية في "نظرية المصلحة العامة" public interest theory والتي تقول إن التنظيم الحكومي يمكن أن يؤثر على الشركات، وخاصة الشركات الاحتكارية، في التصرف بما يحقق المصلحة العامة.[13]  وبالنسبة للنشاط التأميني، حسب هذه النظرية، فإن التنظيم يستهدف حماية المؤمن لهم من فشل شركات التأمين في مقابلة التزاماتها.[14]


التأمين وسبب غرق العبّارة

عند دراسة مطالبة بالتعويض تلجأ شركة التأمين إلى تحديد سبب الخسارة أو الضرر الذي لحق بالمؤمن له، وفيما إذا كان السبب مستثنى من غطاء وثيقة التأمين، والسبب الذي تبحث عنه هو السبب المباشر وليس غيره لفاعليته في إحداث الخسارة أو الضرر.  مشاهد الفيديو المتداولة لغرق العبّارة تشير إلى أن سبب الحادث هو تحميل العبّارة فوق طاقتها الاستيعابية.  وقد يكشف التحقيق الرسمي ما يؤكد هذا السبب ويضيف إليه أسباباً أخرى مترابطة بها، إضافة إلى الأسباب البعيدة غير المباشرة.

وقد لخصت رابطة الأكاديميين العراقيين في المملكة المتحدة في "بيان تضامني مع أهلنا" في الموصل بتاريخ 26 آذار 2019 (واقتبس منها كمثال) سبب كارثة غرق العبّارة بالاستهانة بالأنظمة:

نود ان نؤكد على إن كارثة غرق العبارة، حصلت بسبب عدم احترام المواطنين والاستهانة بأرواحهم وعدم التزام القائمين على الجزيرة السياحية بنظم السلامة والصحة التي يجب ان تراعى في جميع المرافق العامة والسياحية. ونشخص في هذا المجال إن الجهات المسؤولة عن هذه الكارثة الوطنية، هي الجهات التي تدير هذا المرفأ السياحي، والحكومة المحلية لمدينة الموصل لتهاونها في مراقبة إجراءات السلامة والصحة والأمان، إضافة لمسؤولية الحكومة المركزية، وكل حسب مستوى مسؤوليته.

وهو موقف تشترك فيه منظمات أخرى وبعض الأحزاب السياسية وهي تتساءل عن أسباب وقوع حادث مأساوي في منشأة تستقبل المدنيين وتديرها شركة خاصة.  هناك اعتقاد يكاد أن يكون عاماً، ربما سيتأكد بعد انتهاء التحقيق ونشر نتائجه، أن المسؤولية المباشرة لحادث الغرق تقع على صاحب العبّارة، المسكون بدافع تحقيق الربح العالي، والذي سمح بتحميلها بأكثر من طاقتها التصميمية.  وتتحمل الجهات الخاصة المسؤولة عن الإشراف على جزيرة أم الربيعين وإدارتها قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الحادث.  مثلما تتحمل الجهات الحكومية، الاتحادية والمحلية، المسؤولية بإهمالها للموصل، وفساد إدارة شؤونها، والتلاعب بتخصيصات إعادة الإعمار على قلتها، وضعف أجهزة الطوارئ لديها في التعامل مع الحادثة كافتقار الشرطة المحلية إلى الآليات والمعدات لإنقاذ الضحايا.

لقد كان واضحاً من مشاهدة فيديو غرق العبّارة مدى غياب إدارة الخطر (تشخيص مصادر الخطر، وتقييم ـاثيرها، وأتخاد الإجراءات للسيطرة عليها، والتفكير بشراء حماية التأمين).  وهو، كما يؤكد أحد الكتاب، مجرد مثال على ما هو عام إذ أن

الاهمال وافتقاد معايير السلامة والأمان يطال الطرقات العامة والجسور والسدود والمحرمات البيئية والأنهار ومؤسسات الخدمة العامة ووسائل النقل والترفيه واجهزة الانضغاط الخاصة بالتدفئة والتبريد ووسائل الأمان من الحرائق ومؤسسات الفحص الغذائي والدوائي ومشاريع مياه الإسالة والسقي وشبكات الكهرباء ومعايير السلامة المدنية في مشاريع الإنشاء ومنظومات المجاري واجهزة الاتصالات وأعمال الزراعة والتسميد العشوائي وآليات السيطرة على الأسلحة خارج إطار الدولة والاستخدام العشوائي لوسائل التكنلوجيا الحديثة وغياب الرقابة الاستيرادية على كافة متطلبات السوق وأعمال البيطرة والماكياج والتجميل والمتنزهات والفنادق وصولا الى المزابل العشوائية المتراكمة بين بيوت السكن.[15]

لم يكتف الكاتب بعرض هذا الواقع المزري لمجرد الانتقاد بل من أجل تجاوزه ولهذا فقد دعا في نهاية مقاله إلى

ضرورة اعادة الحياة الى المركز الوطني للسلامة المهنية واجهزة التقييس والسيطرة النوعية واجهزة الرقابة البيئية والاقتصادية ومراكز الدفاع المدني وتنشيطها ودعمها او دمجها جميعا في مركز او مجلس اعلى يسمى المجلس الأعلى للسلامة الوطنية يكون معنيا بالتفتيش والرقابة الاستباقية على كل ماله علاقة بسلامة الوطنين وفِي كافة مؤسسات الدولة دون استثناء مع منحه سلطة قاض بتشريعات قضائية تخص سلامة الأفراد وقوة ردع أمنية مناسبة.

حتى وقت كتابة هذه الورقة لم يصدر موقف من جمعية التأمين العراقية تجاه الحادث، وبيان دور التأمين في الحماية من آثار الحوادث، والمساهمة في تطوير إدارة خطر المجمعات السياحية.  فالمعروف أن شركة التأمين قبل أن تكتتب بخطر ما (كطلب التأمين على مجمع سياحي أو عباّرة ... إلخ) فإنها تقوم بدراسة المعلومات التي يقدمها طالب التأمين، وربما تلجأ إلى الكشف الميداني على محل التأمين وعلى ضوء هذه الدراسة/الكشف تقدم عرضاً بأسعار التأمين وشروط/اشتراطات القبول بطلب التأمين.  والمعروف أيضاً، أن شركة التأمين التي تضم مكتتبين أكفاء قد تُلزم طالب التأمين الامتثال لجملة من الاشتراطات كأن يتمتع مشغّلو محل التأمين بالمؤهلات الخاصة بالمهنة، أو التقييد بقواعد السلامة الخاصة في تشغيل محل التأمين وتوفير المعدات المناسبة وغيرها.  وهي بذلك تساهم في تحسين محل التأمين وخاصة عند ربط القبول بالتأمين بقيام طالب التأمين/المؤمن له بتنفيذ توصيات تحسين الخطر خلال فترة التأمين التي تشترطها شركة التأمين.


تطوير التأمين من المسؤولية

لقد كان موضوع التأمين من المسؤولية يشغل حيزاً صغيراً في كتاباتي ومنها دراسة بعنوان "التأمين في المنهاج الحكومي: قراءة أولية"[16]  تناولت فيها البرنامج الحكومي الصادر سنة 2014، الذي تضمَّن الجانب التأميني منه على ثلاثة بنود، واحدة منها انصب على مشروع التأمين الإلزامي للمسؤولية عن المنتجات والمسؤولية المهنية:

§       اعتماد نظام التأمين الصحي للمواطنين كافة وتطبيق نظام طبيب الاسرة.
§    جعل التأمين على المُنْتَجْ والمسؤولية المهنية فيما يتعلق بالسلع والخدمات المنتجة اجبارياً وذلك لحماية حقوق المستهلك.
§    توفير مظلة فاعلة من التأمين الزراعي تحمي المزارعين من الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية.

وقد مرَّ أزيد من أربع سنوات على هذا البرنامج ولم يجد أياً من بنود التأمين طريقه إلى التنفيذ.

ثم كتبت دراسة أخرى بعنوان "التمهيد لغطاء إعادة تأمين المسؤولية المدنية" خصيصاً لجمعية التأمين العراقية (3 نيسان 2016)، وهي الأخرى لم تلقَ ما تستحقه من اهتمام دونكم ترجمة ما فيه من أفكار من قبل شركة إعادة التأمين العراقية أو أي من شركات التأمين العراقية العامة والخاصة.[17]

ربما لم يتطور التأمين من المسؤولية المدنية في العراق خارج المسؤولية التي يغطيها التأمين الإلزامي من حوادث السيارات بسبب فقر الثقافة الحقوقية لدى الناس ومنها حقوق الإنسان.  هذا موضوع بحاجة إلى استقصاء سوسيولوجي.  ويمكن وضع الموضوع في إطار أوسع يجمع ضعف انتشار التأمين في العراق بشكل عام مع فقر ثقافة التدبر للمستقبل.  وقد كتبت في مكان آخر[18] أن الربط بينهما يستدعي تطور الفردانية individuation بحيث يكون الإنسان مسؤولاً عن نفسه وأفعاله ومستقلاً في التفكير خارج الانماط القيمية التقليدية المتوارثة.  لكن مجتمعنا لا يزال محكوماً بقيم مصنوعة في السماء وأخرى متجذرة في البنية العشائرية.  وبهذا تكون جاذبية التأمين ضعيفة ما لم تتدخل الدولة لفرض شراء التأمين على الأفراد والشركات والمؤسسات الحكومية.  هذا ما يشهد عليه تطور فروع معينة للتأمين في العراق ودول أخرى كالتأمين على المسؤولية المدنية الناشئة عن السيارات، أو ضمان الموظفين، أو التأمين الهندسي على العقود الإنشائية والتي تشمل التأمين من المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطراف الثالثة.

لقد آن الأوان لبدء نقاش موسع تمهيداً لتشريع إلزامية التأمين من المسؤولية على كل شركة أو هيئة عامة أو خاصة تؤثر نشاطاتها على الناس.

27 آذار 2019



[1] لقد وضعت "الفاجعة" بين قويسين صغيرين لأنها لم تكن حتمية؛ لقد كانت من صنع البشر الفاسدين والغارقين في الجهل وغير المؤهلين في إدارة نشاط يحمل معه احتمال التأثير على حياة مستخدميه (المستهلكين).  لقد كانت هذه "الفاجعة" صورة مصغرة لما يعيشه العراق، هي "وقائع موت معلن" كما كتبت لإحدى الزميلات في المجال التأميني، وهي من نمط الحوادث الموقوتة التي تتهيأ للوقوع في أي وقت بسبب غياب الاهتمام بالإنسان ومتطلبات السلامة.

[2] مصباح كمال، "العيد الحزين وغياب إدارة الخطر والتأمين: تعليق على حادث غرق عبّرة في جزيرة أم الربيعين السياحية،" Misbah Kamal-Ferry Disaster

[3] مصباح كمال، "تأمين مصافي النفط العراقية: دعوة للمناقشة،" نشرت في عدة مواقع ومنها مجلة التأمين العراقي: https://misbahkamal.blogspot.com/2019/03/insuring-iraqi-refineries.html

[4] جاك هيرشلايفر، "الكوارث والانتعاش الاقتصادي،" فصل مترجم في كتاب قيد الطبع بعنوان مقالات ومراجعات حول الخطر والتأمين، ترجمة وإعداد مصباح كمال.

[5] نظام العمل الشعبي في العهد الديكتاتوري لا يصنّف ضمن أشكال العمل الجماعي الطوعي فقد كان مفروضاً من فوق وليس نابعاً من قاع المجتمع المدني، كما حصل بعد 2003 إذ التأمت جهود شبابية طوعية في بعض النشاطات ذات النفع العام.

[6] شهدت اقتصادات العديد من البلدان الرأسمالية أثناء الأزمة المالية العالمية، 2007-2008، تدخل الدولة لإنقاذ مؤسسات مالية كبيرة خاصة كانت على شفا الانهيار التام ومن بينها شركات تأمين في الولايات المتحدة الأمريكية.

[7] وهذا يعني أن هناك تشابهاً بين الشركات الخاصة والشركات العامة عندما يكون التأمين غائباً لتمويل الخسائر التي قد تتعرض لها.

[8] مصباح كمال، "هل هناك تكلفة للاقتصاد عندما يكون التأمين غائباً؟  ملاحظات أولية،" فصل من كتاب قيد الإعداد بعنوان مقالات غير مألوفة حول التأمين.

[9] تضم بعض وثائق التأمين شرط الحلول الذي يرد بصيغ مختلفة ومنها ما ينص على حق المؤمِن (شركة التأمين) في مباشرة الدعوى باسم المؤمن له (الدائن حسب أحكام القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951) ضد الطرف المتسبب في الخسارة والتي يكون المؤمن مسؤولاً عن التعويض عنها.

يجد القارئ المهتم الكثير من التحليل والمقارنة في تطبيق هذا الشرط في وثائق التأمين الإلزامي ووثائق التأمين الاختياري في كتاب بهاء بهيج شكري، التأمين من المسؤولية في النظرية والتطبيق (عمّان: دار الثقافة، 2010)، ص 540 وما يليها.

[10] للتعريف برأسمالية المحاسيب راجع الموسوعة الحرة:

[11] أوردت بعض الصحف العراقية معلومات تحدثت عن انتماء مدير الجزيرة السياحية التي غرقت فيها العبّارة لجماعة مسلحة متنفذة تعمل في نينوى.

[12] إن ما يدل على الحضور القوي للمليشيات، ومنها فرق الحشد الشعبي في الموصل، دعوة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة في أمره الديواني لجميع القوى السياسية والمراكز الإعلامية: "اللجوء الى منطق القانون والتهدئة وعدم الانجرار الى أجواء التصعيد وتبادل الاتهامات بما يضر بمصالح أهالي نينوى والعراق."

ترجع خلفية هذا البند في الأمر الديواني إلى الاحتقان الطائفي في الموصل، ودور الميليشيات التي من المفترض أن تكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة وهي ليست كذلك وإلا لما كان للاحتقان الطائفي من وجود، ولا التجاوز على الأملاك، ولا غض النظر عن القواعد التنظيمية في إدارة وتشغيل المنشأة السياحية.  لقد كان على المرجع الديني علي السيستاني أن يكمل دعوته للجهاد الكفائي الذي أصدره في 13 حزيران 2014 بالطلب ممن شارك فيه بالعودة إلى عمله وبيته وأهله بعد تقديمه للشكر لهم.

[13] Richard A. Posner, Theories of Economic Regulation, Working Paper No. 41, Center for Economic Analysis of Human Behavior and Social Institutions National Bureau of Economic Research. Inc, New York, 1974.  https://www.nber.org/papers/w0041.pdf
كانت الأطروحة التي تقدم بها البروفيسور بوسنر هي أن التنظيم الحكومي لا يتعلق بالمصلحة العامة على الإطلاق، بل هو عملية تسعى من خلالها مجموعات المصالح إلى تعزيز مصلحتها الخاصة وبمرور الوقت، تصبح الوكالات التنظيمية خاضعة لسيطرة الصناعات الخاضعة للتنظيم.

[14] Peter Zweifel and Roland Eisen, Insurance Economics (Heidelberg: Springer, 2012), p 323-324.
[15] مقتطف من مقال للمهندس إبراهيم البهرزي، منشور في موقعه في الفيسبوك بتاريخ 22 آذار 2019.

[16] مصباح كمال، التأمين في التفكير الحكومي وغير الحكومي، 2003-2015 (مكتبة التأمين العراقي، 2015)، فصل "التأمين في المنهاج الحكومي: قراءة أولية،" ص 136-152.  الكتاب متوفر في المكتبة الاقتصادية لشبكة الاقتصاديين العراقيين:

[18] فاروق يونس، "حوار مع مصباح كمال حول بعض قضايا التأمين في العراق."  شبكة الاقتصاديين العراقيين: