إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات Government and Insurance. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Government and Insurance. إظهار كافة الرسائل

2024/12/03

The Industrial Bank and Insurance in the mid Twentieth Century

 

ملاحظة حول حضور التأمين في المصرف الصناعي في منتصف القرن العشرين

 

 مصباح كمال


نشر أصلًا في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين

مصباح كمال*: ملاحظة حول حضور التأمين في المصرف الصناعي في منتصف القرن العشرين – شبكة الاقتصاديين العراقيين

مصباح-كمال-ملاحظة-حول-حضور-التأمين-في-المصرف-الصناعي-في-منتصف-القرن-العشرين.pdf

 

 تقديم

 ليس هناك مسح عام عن حضور التأمين في عمل المصارف العراقية والشركات الصناعية والخدمية قبل 2003 وربما بعدها،[1] وليس معروفًا إن جرى البحث في هذا الموضوع.  وأعني بالحضور هنا مساهمة هذه الكيانات في رأسمال شركات التأمين، أو شراء حماية التأمين لمقراتها وممتلكاتها ومستخدميها، أو فرض شرط التأمين على المتعاملين معها.  ما أثار فضولي بهذا الشأن هو استلامي مؤخرًا[2] لكراس صغير صادر عن المصرف الصناعي قبل خمس وسبعين عامًا يحمل العنوان الآتي:

 

المصرف الصناعي، قانون تأسيس مصرف صناعي رقم 12 لسنة 1940 والإرادة الملكية المرقمة 248 والمؤرخة 26/5/45 ونظامه رقم 41 لسنة 1947 وعقد تأسيسه ونظامه الداخلي (بغداد: مطبعة الحكومة، 1948)

 

وهو ما سنركز عليه في هذا المقال.  فيما يلي سأقتبس ما ورد في هذا الكراس من إشارات للتأمين متبوعًا بتعليقات قصيرة.  من المؤسف أن لا يضم الكراس مقدمة للتعريف بهدف نشره والتعريف بالمصرف الصناعي نفسه.

 

الهدف وراء تأسيس المصرف

 

يعود تاريخ إنشاء المصرف إلى عام 1935 من قبل الحكومة العراقية باسم المصرف الصناعي الزراعي.  بعد خمس سنوات أقدمت الحكومة على فصل النشاط الصناعي كمصرف صناعي مستقل يتولى المساهمة في تطوير قطاع الصناعة العراقي العام والخاص والمختلط.  وهو الآن مسجل كشركة عامة وفق أحكام قانون الشركات العامة رقم 22 لسنة 1997.

 

وهنا ينهض سؤال: هل كانت فكرة تأسيس البنك الصناعي عراقية صرفة أم جاءت بالتنسيق مع المستشارين البريطانيين المبثوثين في العديد من مؤسسات الدولة العراقية لممارسة "السيطرة من خلال النفوذ"؟[3]

 

وكما يرد في المادة الثانية من قانون تأسس مصرف صناعي رقم 12 لسنة 1940 فإن الهدف هو "انهاض صناعة البلاد ومساعدتها ويقوم المصرف بوجه خاص بالأعمال التالية:

 

أ‌-      القيام بمشاريع صناعية على حسابه الخاص مباشرة.

ب‌-  تأليف شركات مساهمة صناعية خاصة أو عامة والاشتراك بأسهمها.

ج-  المساهمة في شركات صناعية موجودة أو تؤلف لهذه الغاية.

د-  التسليف على المواد الأولية المستوردة لحساب أصحاب المصانع وعلى منتوجاتهم المصدرة.

هـ- إقراض أصحاب المصانع والمشاريع الصناعية بقصد تأسيس المصانع أو توسيعها أو تحسينها.

و-  التوسط في استيراد المواد الأولية لحساب أصحاب المصانع وفي تصدير منتوجاتهم.

ز-  تسليف التجار الذين يتعاطون مع مؤسسات المصرف ويشترون ويبيعون موادا أو منتجات لها علاقة بالمشروع لقاء تأمينات وشروط تعين بنظام."

 

بفضل أحكام هذه المادة يستطيع البنك أن يلعب دورًا في توفير التمويل اللازم للنشاط الاقتصادي الخاص والعام والمختلط (الائتمان القصير والطويل الأجل)، مع التأكيد، كما تقضي المادة الثالثة، على أنه "لا يجوز للمصرف أن يقرض أو يساهم في مشاريع صناعية إلا إذا كانت أكثرية رؤوس أموالها عراقية."  وهو ما يؤشر على نزعة وطنية عراقية.  وبهذا الشأن نقرأ ما يفيد أن الحكومة العراقية طلبت عام 1933 من الشركات الأجنبية العاملة في العراق استبدال مستخدميها من الأجانب بمستخدمين عراقيين، قدر المستطاع.[4]

 

مساهمة المصرف الصناعي في رأسمال شركة التأمين الوطنية

 

فيما يخص قطاع التأمين فإن المصرف الصناعي ساهم في رأسمال شركة التأمين الوطنية عام 1950 عند تأسيسها كشركة حكومية وبنسبة 12.5% من رأسمال الشركة إلى جانب مساهمة المصرف الزراعي والمصرف العقاري ومصرف الرافدين.  لا تصنف شركة التأمين الوطنية كشركة صناعية ومع هذا فإن المصرف ربما يكون قد تجاوز هدف القانون (المادة الثانية-ب- تأليف شركات مساهمة صناعية خاصة أو عامة والاشتراك بأسهمها) لأسباب غير معروفة.[5]

 

هل ساهم المصرف في رأسمال شركات تأمين أخرى؟

 

لا نعرف إن كان المصرف الصناعي قد شارك في رأسمال شركات تأمين أخرى.  نعرف بأن بعض المصارف ساهمت في رأسمال شركة إعادة التأمين العراقية لكن المعلومات عن أسماء المساهمين ليست متوفرة في الأدبيات التي أطلعنا عليها.  نقرأ في المادة الرابعة من قانون تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية رقم 21 لسنة 1960 شركة مساهمة ما يلي:

 

1- للجهات التالية ان تساهم في رأسمال الشركة بالنسبة المبينة ازائها:

ا‌- الحكومة والمصالح والمؤسسات والمصـارف الرسمية وشبه الرسمية بستين بالمئة.

ب‌- يطرح اربعون بالمائة من اسهم الشركة للاكتتاب به في اكتتاب عام.  وفي حالة بقاء اسهم غير مكتتب بها فان الجهات المذكورة في الفقرة الاولى تلتزم بالاكتتاب بها بنفس النسبة.  وتطبق نفس النسبة في حالة زيادة رأسمال الشركة.

2- يعتبر معدلا كل نصّ يخالف احكام هذه المادة في قوانين وانظمة تأسيس المؤسسات والمصالح والمصارف وشبه الرسمية وذلك لغرض تطبيق احكام هذا القانون.[6]

 

وقبل عدة عقود كتب أحد الكتاب ما يلي حول هذه المادة:

 

نصت المادة الرابعة من قانون تأسيس هذ الشركة على أن تساهم الحكومة والمصالح والمؤسسات والمصارف الرسمية وشبه الرسمية بنسبة ستين بالمائة من رأس المال ويطرح الباقي للاكتتاب في القطاع الخاص. ... وبعد طرح الأسهم للاكتتاب، لم يكتب من القطاع الخاص سوى 9% فقط ساهم بمعظم هذه النسبة بعض شركات التأمين العاملة في العراق.[7]

 

ليس معروفًا أسماء الأطراف التي شاركت في رأسمال شركة إعادة التأمين العراقية عند تأسيس الشركة (1960).  لقد بحثت في مكتبتي الصغيرة عن التأمين في العراق ولم أستطع الحصول على أسماء الأطراف المساهمة في رأسمال شركة إعادة التأمين العراقية وقت تأسيسها عام 1960.  وبحثت أيضاً في الشبكة العنكبوتية وسألت بعض الزملاء القريبين من الشركة لكنني لم أحصل على ما هو مبتغى.  يؤشر هذا على فقر المعلومات الخاصة بتاريخ التأمين في العراق.

 

نظام المصرف الصناعي رقم 41 لسنة 1947 ومتطلبات التأمين

 

نقرأ في ص 6-7 المادة الحادية عشرة التي تنص على الآتي:

 

إذا قرر المجلس قبول مال منقول أو غير منقول تأمينا لديه وكان ذلك المال معرضا لخطر الحريق فيجب أن يؤمن عليه في إحدى شركات الضمان (السكورتا)[8] التي يعتمد عليها المصرف ويكلف صاحب المال اما بإجراء معاملة التأمين بذاته وعلى نفقته وتحويل مستند التأمين (البوليسة) لأمر المصرف واما بتخويل المصرف اجراء معاملة التأمين على أن يدفع صاحب المال النفقات الضرورية لها.

 

يفهم من هذه المادة أن المصرف قد يطلب تأمينًا (ضمانًا) لما يقدمه من تسليف أو إقراض لأصحاب المشاريع الصناعية.  وقد يكون هذا المال منقولاً (قابلاً للنقل دون فقدان صورته الأصليّة كالمجوهرات الذهبيّة) أو غير منقول (كالأبنية والعقارات، المعدات وأدوات العمل، المعادن قبل أو بعد الاستخراج، المزارع، المخزون).

 

إذا كانت هذه الأموال مُعرّضة لخطر الحريق يجب التأمين عليها من هذا الخطر (لا يرد ذكر لأخطار أخرى كالسرقة أو أخطار الطبيعة كالفيضانات وهي أخطار يمكن أن تتعرض لها المجوهرات).  ويجب إجراء التأمين مع شركة تأمين معتمدة لدى المصرف من قبل صاحب المال وعلى نفقته مع تسمية المصرف كمستفيد من غطاء وثيقة التأمين (وهو المعني بتحويل assignment مستند التأمين (البوليسة/وثيقة التأمين) لأمر المصرف.  أو يتولى المصرف بنفسه إجراء التأمين على أن يتحمل صاحب المال النفقات الضرورية لمعاملة التأمين (مصاريف الكشف على المال، مصاريف تخمين قيمته، وقسط التأمين).  وتؤكد المادة الرابعة عشر من نظام المصرف تحميل المقترض بأعباء "جميع ما يُصرف لإجراء معاملة التأمين والرهن كنفقات الكشف وأجور المخمنين وأجرة خزن المنتوجات وتحرير العقود وتسجيلها وأجور الضمان ..."  ويجري التأكيد على هذا الشرط في المادتين التاليتين (ص 34):

 

المادة السادسة والعشرون – اذا بيعت المنتوجات المصدرة بشرط قبض ثمنها من المشتري عند تسلمها فللمصرف أن يسلف أصحابها مبلغ لا يزيد عن 70 بالمائة من ثمن بيعها في محل تسليمها عند أخذه بوليسة الشحن والتأمين (السيكورتا) محولتين لأمره على أن يدفع صاحب المنتوجات نفقات الشحن والتأمين مقدما.

 

المادة السابعة والعشرون – يستوفي المصرف عمولة عن توسطه في التصدير يتفق عليها مع أصحاب المنتوجات تضاف إليها فائدة المبالغ المسلفة ونفقات الشحن والتأمين والمخابرات البريدية والبرقية والتلفونية عند الحاجة.

 

ونقرا في المادة الثانية عشرة (ص 7):

 

إذا تبين للمصرف أن الأموال المنقولة المرهونة لديه معرضة لخطر التلف ينذر المدين بأن يتخذ التدابير المانعة لوقوع الخطر في مدة لا تتجاوز خمسة أيام وعند عدم إجراء المدين الاحتياطات التي تدرأ الخطر فللمصرف ان يتخذ ما يراه مناسبا من التدابير على نفة المدين وان كان خطر التلف لا يمكن الحيلولة دونه فللمصرف بقرار من المجلس ان يبيع الأموال المرهونة فورا بعد الانذار.

 

الأموال المنقولة المرهونة هنا تضم الأموال المنقولة المقدمة كضمانة للمصرف لأغراض الحصول على التسليف أو الإقراض.  ويتعين على المستلف أو المقترض اتخاذ التدابير المانعة لوقوع خطرَ تلفٍ (ضرر) تتعرض لها الأموال المنقولة خلال مدة لا تتجاوز خمسة أيام.  الاشتراط هنا هو على اتخاذ التدابير المانعة لوقوع الخطر وليس التأمين منه لأنه من المفترض، عادة، أن تكون الأموال المنقولة سليمة وصالحة للاستعمال كي تكون قابلة للتأمين.

 

كيف يتسنى للمصرف معرفة إمكانية تعرّض المال المنقول إلى خطر التلف؟  تنشأ هذه المعرفة، وارتباطًا بالمادة الحادية عشرة، بفضل معاملة إجراء التأمين التي تشمل الكشف الموقعي على الأموال للتعرف على سلامتها من أخطار محتملة يمكن أن تتسب في تضررها (انهيارها).  على سبيل المثل، احتمال التعرض لخطر الفيضان، أو ضعف في الدعامات/الجدران الساندة التي إن ظلت دون تدابير مانعة لتحقق الخطر فغياب التدابير قد يؤدي إلى انهيار البنيان.  أي إن المطلوب هو اتباع إجراءات إدارة الخطر: تشخيص مصدر الخطر، احتمال تحققه وما يترتب عليه من ضرر، واتخاذ الإجراءات المناسبة للحيلولة دون تحقق الخطر أو تحويل آثار الخطر إلى طرف آخر (شركة التأمين) في حال عدم كفاية الإجراءات الوقائية بحد ذاتها.

 

وكما بالنسبة للتأمين من خطر الحريق وعند عدم إتخاذ المدين الاحتياطات التي تدرأ الخطر فللمصرف ان يتخذ ما يراه مناسبًا من التدابير على نفقة المدين.  وإذا كان خطر التلف لا يمكن الحيلولة دونه فللمصرف بقرار من المجلس (مجلس إدارة المصرف الصناعي) ان يبيع الأموال المرهونة فورًا بعد انذار المقترض (وذلك لضمان حصول المصرف على ما يعوضه عن خسارة عدم استرداد القرض من المقترض).

 

آمل أن تثير هذ الورقة القصيرة اهتمام المعنيين بتاريخ التأمين في العراق لبحث موضوع التأمين في المؤسسات المصرفية والصناعية والتجارية وغيرها من الكيانات الاقتصادية وغير الاقتصادية فمثل هذا البحث سيعرفنا على مدى انتشار التأمين في قطاعات الاقتصاد العراقي.

24 كانون الثاني/يناير 2024


[1] من خلال بحث سريع في الشبكة العنكبوتية استهدينا إلى بعض الدراسات الأكاديمية لكنها غير ذي صلة بموضوع مقالنا.  أنظر على سبيل المثل: دینا طالب وعبید خیون الخفاجي، "دور المصرف الصناعي العراقي في تطویر القطاع الصناعي المختلط،" مجلة دراسات محاسبیة و مالیة،  المجلد الثامن، العدد ٢٤، الفصل الثالث، ٢٠١٣.  jpgiafs,+(9)د.عبيد (1).pdf

 

كما أن هناك عدد من بحوث الدبلوم العالي في التأمين، المعهد العالي للدراسات المالية والمحاسبية، جامعة بغداد، وهي أيضًا غير ذي صلة، تدرس مكانة التأمين وإدارة الخطر في بعض المنشآت العامة ومنها:

 

مهدي صالح حميد علي، دور وأهمية التأمين في المنشأة العامة للصناعات الكهربائية (1979)،

عذراء عبد الهادي، تقييم مخاطر أنشطة الشركة العامة للصناعات الجلدية في ظل ظروف السوق المحلية (2016)

أسيل مهدي صالح، تقييم إدارة الخطر في الشركة العامة للصناعات الميكانيكية باعتماد المواصفات (2017)

 

[2] أشكر الدكتور محمود علي كمال على إرسال نسخة مصورة من هذا الكراس وإشارته إلى أنه يضم فقرات لها علاقة بالتأمين.

 

الكراس مصور كملف بي دي إف، أصله كان محفوظًا في مكتبة جامعة برنستون في الولايات المتحدة Princeton University Library

 

يمكن قراءة الكراس بالنقر على هذا الرابط:

https://jpgiafs.uobaghdad.edu.iq/index.php/JAFS/article/download/587/365/744

 

[3] للتعريف بدور المستشارين البريطانيين في الوزارات العراقية وبعض مؤسسات الدولة أنظر:

Joseph Sassoon, Economic Policy in Iraq, 1932-1950 (London: Frank Cass, 1987), pp 21-28.

https://books.google.co.uk/books/about/Economic_Policy_in_Iraq_1932_1950.html?id=W7k9d0nZPqQC&redir_esc=y

نتمنى على الباحثين الشباب دراسة وتقييم دور المستشارين الأجانب الذين عملوا في العراق بعد الغزو والاحتلال الأمريكي (2003).

[4] Joseph Sassoon, op cit, p 25.

[5] مساهمة البنك الصناعي في تأسيس مشاريع صناعية، أو الاشتراك بأسهمها، أو التسليف أو الإقراض موضوع يحتاج إلى بحث تاريخي-اقتصادي هو خارج قدراتنا.

 

[6] مجلس القضاء الأعلى، قاعدة التشريعات العراقية: https://iraqld.e-sjc-services.iq/LoadLawBook.aspx?page=1&SC=&BookID=3586

 

[7] كاظم الشربتي، التأمين نظرية وتطبيق (بغداد: مطبعة الإرشاد، الطبعة الخامسة، 1974.  صدرت الطبعة الأولى عام 1964)، ص 123-124.

 

فيما يلي نص المادة الرابعة من قانون تأسيس شركة إعادة التأمين العراقية رقم 21 لسنة 1960 شركة مساهمة (مجلس القضاء الأعلى، قاعدة التشريعات العراقية):

 

"1- للجهات التالية ان تساهم في رأسمال الشركة بالنسبة المبينة ازائها:

ا‌- الحكومة والمصالح والمؤسسات والمصـارف الرسمية وشبه الرسمية بستين بالمئة.

ب‌- يطرح اربعون بالمائة من اسهم الشركة للاكتتاب به في اكتتاب عام.  وفي حالة بقاء اسهم غير مكتتب بها فان الجهات المذكورة في الفقرة الاولى تلتزم بالاكتتاب بها بنفس النسبة.  وتطبق نفس النسبة في حالة زيادة رأسمال الشركة.

2- يعتبر معدلا كل نصّ يخالف احكام هذه المادة في قوانين وانظمة تأسيس المؤسسات والمصالح والمصارف وشبه الرسمية وذلك لغرض تطبيق احكام هذا القانون."

https://iraqld.e-sjc-services.iq/LoadLawBook.aspx?page=1&SC=&BookID=3586

 

[8] (السكورتا) وتكتب أيضًا (السيكورتاه) بمعنى التأمين، وكانت شائعة الاستعمال قبل 1950.  وهناك قانون يحمل عنوان قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه) العثماني لسنة 1905، ويشكّل جزءًا من تاريخ التشريع في العراق.  أنظر مصباح كمال، أوراق في تاريخ التأمين في العراق: نظرات انتقائية (بغداد: منشورات شركة التأمين الوطنية، 2011)، ص 28-38.

 

كلمة (البوليسة) أو (البوليصة) policy هي الأخرى كانت شائعة، وحتى اليوم فإن بعض الكتاب، وخاصة في لبنان، يميل إلى استخدام (البوليصة) بدلاً من وثيقة التأمين.

2019/03/29

Economic & Insurantial Implication of the Mosul Ferry Disaster


مصباح كمال

نشرت هذه المقالة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:


هذه الورقة هي تتمة لما نشرناه مباشرة بعد وقوع "فاجعة"[1] غرق العبّارة في نهر دجلة[2] وقد استفدنا في كتابتها من كتابات أخرى لنا سنشير إلى بعضها.  نظراً لعدم توفر معلومات وبيانات دقيقة فإننا سنلجأ إلى عرض موضوع هذه الورقة من خلال مقتربات تصورية.


ماذا يحصل عندما تتعرض شركة لخسارة، وهل هناك حاجة للتأمين؟

أثرت مؤخراً في دراسة لي السؤال التالي: ماذا يحصل عندما تتعرض شركة لخسارة كبيرة؟  وجواباً على السؤال كتبت الآتي:

"عندما تتعرض شركة إلى حادث يسبب خسارة مادية أو ضرر، وتتوقف الأعمال نتيجة لمثل هذه الخسارة أو الضرر وتتعرض أيضاً للمسؤولية القانونية قبل الغير، يتوجب على الشركة تصليح أو استبدال الأصول موضوع الخسارة أو الضرر، ودفع فاتورة الأجور وغيرها من المصاريف الثابتة وتعويض الغير (الطرف الثالث) المتضرر نتيجة للحادث.  دعونا من باب الاختصار أن نطلق على هذه الخسائر والأضرار والمسؤوليات "خسارة."

لكي تكون الشركة قادرة على مواصلة عملياتها يجب أن تملك الموارد اللازمة لتغطية الخسارة.  وللقيام بذلك، يمكن للشركة أن تعتمد على:

§       الدخل التشغيلي (ولكن إذا كانت الخسارة كبيرة فإن هذا الدخل لن يكون كافياً).

§    الاقتراض من البنوك (لكن هذا القرض قد لا يكون متاحاً بسهولة باعتبار أن الشركة التي تكبدت خسائر كبيرة لن يكون عميلاً جذاباً أو أن شروط اقراضها مرهقة، وتزيد من الأعباء المالية للشركة).

§    صندوق مالي لمواجهة الطوارئ أو أي صندوق خاص (لكن العديد من الشركات لا تخصص مثل هذه الصناديق لتمويل الخسائر).

للحماية ضد الخسارة سيكون أسهل وأكثر توفيراً على الشركة تخصيص ميزانية سنوية لشراء حماية التأمين ضد الخسارة.  وهكذا، يتم نقل عبء تمويل الخسارة من الشركة إلى شركة التأمين التي ستتولى توفير الحماية المالية."[3]

أردت من هذا العرض المقتبس تأكيد ضرورة وجود برنامج تأميني للتعويض عن آثار الخسائر البشرية والمادية، فهو الأقل كلفة في التعامل معها.


الوسائل المتاحة للتعامل مع الحوادث

للاقتراب من موضوع الآثار الاقتصادية والتأمينية للحوادث الناتجة بفعل قوى الطبيعة أو الفعل البشري نسأل:

عندما تتسبب إحدى شركات القطاع الخاص بحوادث تمتد آثارها على الغير (أطراف ثالثة) من يتحمل الكلفة الاقتصادية لهذه الحوادث؟  فيما يلي نقدم بعض المقاربات.

لو كانت الشركة قد قامت بالتأمين على مسؤولياتها المدنية فإن شركة التأمين تتكفل بتعويض الأطراف الثالثة المتضررة (الأضرار البدنية بما فيها الوفاة والأضرار المادية لممتلكات هذه الأطراف).

في غياب التأمين يمكن إغاثة الأطراف المتضررة من خلال وسائل التضامن الاجتماعي كـ "الفزعة" أو "العونة" التي تتجسد على أرض الواقع كفعل جماعي آني بتأثير من القيم الاجتماعية المتوارثة غير المكتوبة الكامنة في المخيال الجمعي إذ تقوم الجماعة بالتكاتف والتعاضد في مواسم الحصاد مثلاً أو العمل المشترك أمام المصائب والرزايا الطبيعية والبشرية لتقديم الإغاثة للمصابين والمتضررين.  وهو تحرك، سلوك، غير رسمي، وتحرك تلقائي من قبل الناس نحو منطقة الكارثة لتقديم ما يستطيعونه أو المساعدة في تخفيف أعباء العمل (قطاف الزيتون مثلاً).  وقد نقلت الصحافة أخباراً عن المتطوعين في فريق الإنقاذ حال غرق العبّارة.  إن هذا السلوك الجماعي يمثل شكلاً بدائياً لفكرة التأمين: تعاون الجماعة لإغاثة من ألمت بهم مصيبة.  ويكتب أحد الاقتصاديين:

وكتعميم أكثر موثوقية فإن الأزمات تُطلق دائماً تقريباً تدفقاً للدعم من خارج المنطقة المنكوبة، وهي الظاهرة التي أصبحت تعرف بـ "السلوك التآزري “convergence behavior”.[4]

كما يمكن تقديم الإغاثة من خلال المؤسسات الخيرية والإحسانية.  بالنسبة للعراق فإن هذه المؤسسات لم تتطور أو قل لم يسمح لها بالتطور وخاصة في العهد الدكتاتوري (1968-2003)، ذلك لأن النظام كان ذو طابع شمولي يعمل على السيطرة على جميع مناحي الحياة وتوجيهها كما يشاء بحيث انه ضيَّق باستمرار فضاء العمل الجماعي الطوعي المستقل لأنه كان يخشى أن تتحول هذه الفضاءات إلى بؤر قد تؤثر على سيطرته.[5]

في أغلب الحالات، فإن شركات القطاع الخاص لا تتمتع بترف الانقاذ الحكومي عند تعرضها للخسارة.[6]  ومن دون تأمين ليس لها غير الاعتماد فقط على قوة ميزانياتها العمومية (دخلها التشغيلي) أو رصيد الطوارئ إن كان موجوداً، أو اللجوء إلى الاقتراض.  وإذا كانت النقدية والموجودات الأخرى في الميزانية العمومية للشركة ليست كافية لدفع كلفة الخسارة أو الضرر فإن انهيارها يصبح حقيقة واقعة.

ولكن في حالات معينة تبادر الحكومة إلى تمويل كلفة ما تسببت به الشركة الخاصة للأفراد والجماعات من خزينة الدولة بحدود معينة.  يعني هذا أن المصائب التي تأتي من الشركة الخاصة تتحول إلى عبء جديد غير متوقع على ميزانية الدولة، أي أنها تموّل من حصيلة الضرائب، التي كان بالإمكان الاستفادة منها في مشاريع أخرى للدولة.

لننظر، من باب المقارنة، إلى الشركات المملوكة للدولة فهذه عند تعرضها للخسارة يمكن أن تلجأ، كملاذ أخير، إلى الحكومة لإنقاذها رغم أن مئات الملايين من الدولارات التي قد تكون لازمة لجبر الخسارة قد تستقطع من تخصيصات أخرى في ميزانية الحكومة لتمويل الخسارة.  تسريب مثل هذه الموارد المالية سيؤثر على مجالات أخرى من مجالات الإنفاق الحكومي، على سبيل المثال تمويل مشاريع اجتماعية جديدة أو خدمات عامة.  إن تحويل الأموال هذه قد يؤدي إلى ضغوط سياسية على الحكومة خاصة إذا كانت هذه الأموال مخصصة لمشاريع تتمتع بالكثير من الدعم الشعبي.[7]

يمكن إجمال الآثار الاقتصادية المادية للحوادث من نمط حادث غرق العبّارة بالآتي:

أولاً، ضحايا الحادث.  عدا الآثار النفسية المختلفة فإن فقدان رب/ربة الأسرة يعني توقف مصدر الدخل للأسرة.  وفي غياب التعويض المناسب، من قبل شركة التأمين أو الحكومة، فإنه يعني إفقار الأسرة وما يحمله معه من مشكلات لأفراد الأسرة.

ثانياً، صاحب المنشأة.  وقد تتمثل الآثار بتضرر المعدات، وخسارة عدد من المستخدمين، وتوقف المنشأة عن العمل (خسارة الدخل) لحين استرداد النشاط، والتعرض للمساءلة القانونية.

ثالثاً، الاقتصاد الوطني.  إن الآثار السلبية المترتبة على غياب التأمين تحمل معها تكلفة للاقتصاد الوطني، وتأثيراً على النمو الاقتصادي، كما حاولت الكشف عن بعضها.[8]


من سيعوض ضحايا غرق العبّارة؟

في غياب أية معلومات عن تأمين المنشآت والمعدات في المجمع السياحي في جزيرة أم الربيعين بما فيها العبّارة نفترض أن هذا المجمع لم يكن موضوعاً للتأمين مثلما لم يكن موضوعاً للضوابط التنظيمية والرقابية من قبل الهيئات المعنية به بدءاً من إنشائه وانتهاءً بتشغيله.  يعني هذا أن الحكومة هي التي ستتولى تعويض ضحايا غرق العبّارة.  فقد ورد في الأمر الديواني الصادر من المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراق بتاريخ 22 آذار 2019 بند حول "إقرار التعويضات اللازمة."  (لم يحدد الأمر من هم المنتفعين من التعويضات.  من المفترض أن تتكشف التفاصيل فيما بعد).

هل ستقوم الحكومة بممارسة حق الحلول[9] واسترداد قيمة التعويضات التي ستدفعها للمتضررين من مسببي غرق العبّارة؟  هذه مسألة قانونية هي خارج معرفتنا ولكننا نثيرها لنرى إن كانت الحكومة تمتلك الإرادة لممارسة هذا الحق، إن كان قائماً بقوة القانون، أو إي إجراء آخر، خارج نظام التأمين، ضد مسببي حادثة غرق العبّارة.  (سجل الحكومة في مجال مقاضاة الفاسدين في القطاعين العام والخاص ضعيف).


غرق العبّارة والامتثال للقواعد التنظيمية

يأتي وقوع حادثة غرق العبّارة تأكيداً على الخراب العام في البنى التحتية وفي إنشاء وتشغيل معظم منشآت الشركات الخاصة المشتركة في الفساد والمحاصصة والإبقاء عليهما.  لقد أطنب البعض في مدح دور القطاع الخاص دون التوقف عند الممارسات غير السليمة للشركات المنضوية في القطاع ودافع تعظيم الربح على حساب اعتبارات أخرى (حياة الناس ومصالحهم، التأثيرات الخارجية لنشاط هذه الشركات، المسؤولية الاجتماعية وغيرها)، وعدم الامتثال للقواعد الانضباطية regulatory compliance.  هناك حاجة لمراجعة وإعادة تقييم دور رأس المال الخاص من منظور فك ارتباطه بمنظومة الفساد والمحاصصة.  فالبعض من "الرأسماليين" يعكسون الوجه القبيح لرأسمالية المحاسيب[10] crony capitalism من خلال ارتباطهم ليس فقط مع وزراء ومسؤولين حكوميين وقادة طائفيين بل على المليشيات والجماعات المسلحة[11] مما يدفع موضوع الامتثال للضوابط إلى القاع وحتى غض النظر عنها بسبب قوتها.[12]

هناك ميل لدى معظم الشركات الخاصة، الكبيرة والصغيرة، إلى عدم الامتثال للضوابط الخاصة بالسلامة مثلاً (باعتبار أن الامتثال يمثل كلفة لا ترغب بتحملها ويؤثر على الأرباح)، أو محاولة تجنب دفع الضرائب، أو التحايل لتمرير غسيل الأموال ... إلخ.  وهناك مدرسة فكرية تدعو إلى التقليل من الضوابط الرقابية باعتبارها تشل المنافسة بين الشركات وتضعف الابتكار.

إن رأسمالية المحاسيب في العراق قد وفّر لمعظم أصحابها فرصة إضعاف التنظيم/الانضباط لا بل أنها حققت سيطرة تنظيمية regulatory capture أي عكس قواعد الانضباط بحيث أن هيئات الرقابة والإشراف تخضع لتأثير أو هيمنة الشركات التي تخضع لرقابتها، من خلال غض النظر عن بعض المخالفات، أو إفساد القائمين بالرقابة بالمال ومغريات أخرى.  إن هذا الاستيلاء التنظيمي هو مؤشر على فشل الحكومة حيث تتماهى الهيئات المنظمة للنشاط الاقتصادي مع الشركات التي من المفترض أن تنظمها، وهو ما أسفر عنه غرق العبّارة.

ويجد البعض تفسيراً لتدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية ووضع القواعد التنظيمية في "نظرية المصلحة العامة" public interest theory والتي تقول إن التنظيم الحكومي يمكن أن يؤثر على الشركات، وخاصة الشركات الاحتكارية، في التصرف بما يحقق المصلحة العامة.[13]  وبالنسبة للنشاط التأميني، حسب هذه النظرية، فإن التنظيم يستهدف حماية المؤمن لهم من فشل شركات التأمين في مقابلة التزاماتها.[14]


التأمين وسبب غرق العبّارة

عند دراسة مطالبة بالتعويض تلجأ شركة التأمين إلى تحديد سبب الخسارة أو الضرر الذي لحق بالمؤمن له، وفيما إذا كان السبب مستثنى من غطاء وثيقة التأمين، والسبب الذي تبحث عنه هو السبب المباشر وليس غيره لفاعليته في إحداث الخسارة أو الضرر.  مشاهد الفيديو المتداولة لغرق العبّارة تشير إلى أن سبب الحادث هو تحميل العبّارة فوق طاقتها الاستيعابية.  وقد يكشف التحقيق الرسمي ما يؤكد هذا السبب ويضيف إليه أسباباً أخرى مترابطة بها، إضافة إلى الأسباب البعيدة غير المباشرة.

وقد لخصت رابطة الأكاديميين العراقيين في المملكة المتحدة في "بيان تضامني مع أهلنا" في الموصل بتاريخ 26 آذار 2019 (واقتبس منها كمثال) سبب كارثة غرق العبّارة بالاستهانة بالأنظمة:

نود ان نؤكد على إن كارثة غرق العبارة، حصلت بسبب عدم احترام المواطنين والاستهانة بأرواحهم وعدم التزام القائمين على الجزيرة السياحية بنظم السلامة والصحة التي يجب ان تراعى في جميع المرافق العامة والسياحية. ونشخص في هذا المجال إن الجهات المسؤولة عن هذه الكارثة الوطنية، هي الجهات التي تدير هذا المرفأ السياحي، والحكومة المحلية لمدينة الموصل لتهاونها في مراقبة إجراءات السلامة والصحة والأمان، إضافة لمسؤولية الحكومة المركزية، وكل حسب مستوى مسؤوليته.

وهو موقف تشترك فيه منظمات أخرى وبعض الأحزاب السياسية وهي تتساءل عن أسباب وقوع حادث مأساوي في منشأة تستقبل المدنيين وتديرها شركة خاصة.  هناك اعتقاد يكاد أن يكون عاماً، ربما سيتأكد بعد انتهاء التحقيق ونشر نتائجه، أن المسؤولية المباشرة لحادث الغرق تقع على صاحب العبّارة، المسكون بدافع تحقيق الربح العالي، والذي سمح بتحميلها بأكثر من طاقتها التصميمية.  وتتحمل الجهات الخاصة المسؤولة عن الإشراف على جزيرة أم الربيعين وإدارتها قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الحادث.  مثلما تتحمل الجهات الحكومية، الاتحادية والمحلية، المسؤولية بإهمالها للموصل، وفساد إدارة شؤونها، والتلاعب بتخصيصات إعادة الإعمار على قلتها، وضعف أجهزة الطوارئ لديها في التعامل مع الحادثة كافتقار الشرطة المحلية إلى الآليات والمعدات لإنقاذ الضحايا.

لقد كان واضحاً من مشاهدة فيديو غرق العبّارة مدى غياب إدارة الخطر (تشخيص مصادر الخطر، وتقييم ـاثيرها، وأتخاد الإجراءات للسيطرة عليها، والتفكير بشراء حماية التأمين).  وهو، كما يؤكد أحد الكتاب، مجرد مثال على ما هو عام إذ أن

الاهمال وافتقاد معايير السلامة والأمان يطال الطرقات العامة والجسور والسدود والمحرمات البيئية والأنهار ومؤسسات الخدمة العامة ووسائل النقل والترفيه واجهزة الانضغاط الخاصة بالتدفئة والتبريد ووسائل الأمان من الحرائق ومؤسسات الفحص الغذائي والدوائي ومشاريع مياه الإسالة والسقي وشبكات الكهرباء ومعايير السلامة المدنية في مشاريع الإنشاء ومنظومات المجاري واجهزة الاتصالات وأعمال الزراعة والتسميد العشوائي وآليات السيطرة على الأسلحة خارج إطار الدولة والاستخدام العشوائي لوسائل التكنلوجيا الحديثة وغياب الرقابة الاستيرادية على كافة متطلبات السوق وأعمال البيطرة والماكياج والتجميل والمتنزهات والفنادق وصولا الى المزابل العشوائية المتراكمة بين بيوت السكن.[15]

لم يكتف الكاتب بعرض هذا الواقع المزري لمجرد الانتقاد بل من أجل تجاوزه ولهذا فقد دعا في نهاية مقاله إلى

ضرورة اعادة الحياة الى المركز الوطني للسلامة المهنية واجهزة التقييس والسيطرة النوعية واجهزة الرقابة البيئية والاقتصادية ومراكز الدفاع المدني وتنشيطها ودعمها او دمجها جميعا في مركز او مجلس اعلى يسمى المجلس الأعلى للسلامة الوطنية يكون معنيا بالتفتيش والرقابة الاستباقية على كل ماله علاقة بسلامة الوطنين وفِي كافة مؤسسات الدولة دون استثناء مع منحه سلطة قاض بتشريعات قضائية تخص سلامة الأفراد وقوة ردع أمنية مناسبة.

حتى وقت كتابة هذه الورقة لم يصدر موقف من جمعية التأمين العراقية تجاه الحادث، وبيان دور التأمين في الحماية من آثار الحوادث، والمساهمة في تطوير إدارة خطر المجمعات السياحية.  فالمعروف أن شركة التأمين قبل أن تكتتب بخطر ما (كطلب التأمين على مجمع سياحي أو عباّرة ... إلخ) فإنها تقوم بدراسة المعلومات التي يقدمها طالب التأمين، وربما تلجأ إلى الكشف الميداني على محل التأمين وعلى ضوء هذه الدراسة/الكشف تقدم عرضاً بأسعار التأمين وشروط/اشتراطات القبول بطلب التأمين.  والمعروف أيضاً، أن شركة التأمين التي تضم مكتتبين أكفاء قد تُلزم طالب التأمين الامتثال لجملة من الاشتراطات كأن يتمتع مشغّلو محل التأمين بالمؤهلات الخاصة بالمهنة، أو التقييد بقواعد السلامة الخاصة في تشغيل محل التأمين وتوفير المعدات المناسبة وغيرها.  وهي بذلك تساهم في تحسين محل التأمين وخاصة عند ربط القبول بالتأمين بقيام طالب التأمين/المؤمن له بتنفيذ توصيات تحسين الخطر خلال فترة التأمين التي تشترطها شركة التأمين.


تطوير التأمين من المسؤولية

لقد كان موضوع التأمين من المسؤولية يشغل حيزاً صغيراً في كتاباتي ومنها دراسة بعنوان "التأمين في المنهاج الحكومي: قراءة أولية"[16]  تناولت فيها البرنامج الحكومي الصادر سنة 2014، الذي تضمَّن الجانب التأميني منه على ثلاثة بنود، واحدة منها انصب على مشروع التأمين الإلزامي للمسؤولية عن المنتجات والمسؤولية المهنية:

§       اعتماد نظام التأمين الصحي للمواطنين كافة وتطبيق نظام طبيب الاسرة.
§    جعل التأمين على المُنْتَجْ والمسؤولية المهنية فيما يتعلق بالسلع والخدمات المنتجة اجبارياً وذلك لحماية حقوق المستهلك.
§    توفير مظلة فاعلة من التأمين الزراعي تحمي المزارعين من الخسائر الناجمة عن الكوارث الطبيعية.

وقد مرَّ أزيد من أربع سنوات على هذا البرنامج ولم يجد أياً من بنود التأمين طريقه إلى التنفيذ.

ثم كتبت دراسة أخرى بعنوان "التمهيد لغطاء إعادة تأمين المسؤولية المدنية" خصيصاً لجمعية التأمين العراقية (3 نيسان 2016)، وهي الأخرى لم تلقَ ما تستحقه من اهتمام دونكم ترجمة ما فيه من أفكار من قبل شركة إعادة التأمين العراقية أو أي من شركات التأمين العراقية العامة والخاصة.[17]

ربما لم يتطور التأمين من المسؤولية المدنية في العراق خارج المسؤولية التي يغطيها التأمين الإلزامي من حوادث السيارات بسبب فقر الثقافة الحقوقية لدى الناس ومنها حقوق الإنسان.  هذا موضوع بحاجة إلى استقصاء سوسيولوجي.  ويمكن وضع الموضوع في إطار أوسع يجمع ضعف انتشار التأمين في العراق بشكل عام مع فقر ثقافة التدبر للمستقبل.  وقد كتبت في مكان آخر[18] أن الربط بينهما يستدعي تطور الفردانية individuation بحيث يكون الإنسان مسؤولاً عن نفسه وأفعاله ومستقلاً في التفكير خارج الانماط القيمية التقليدية المتوارثة.  لكن مجتمعنا لا يزال محكوماً بقيم مصنوعة في السماء وأخرى متجذرة في البنية العشائرية.  وبهذا تكون جاذبية التأمين ضعيفة ما لم تتدخل الدولة لفرض شراء التأمين على الأفراد والشركات والمؤسسات الحكومية.  هذا ما يشهد عليه تطور فروع معينة للتأمين في العراق ودول أخرى كالتأمين على المسؤولية المدنية الناشئة عن السيارات، أو ضمان الموظفين، أو التأمين الهندسي على العقود الإنشائية والتي تشمل التأمين من المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطراف الثالثة.

لقد آن الأوان لبدء نقاش موسع تمهيداً لتشريع إلزامية التأمين من المسؤولية على كل شركة أو هيئة عامة أو خاصة تؤثر نشاطاتها على الناس.

27 آذار 2019



[1] لقد وضعت "الفاجعة" بين قويسين صغيرين لأنها لم تكن حتمية؛ لقد كانت من صنع البشر الفاسدين والغارقين في الجهل وغير المؤهلين في إدارة نشاط يحمل معه احتمال التأثير على حياة مستخدميه (المستهلكين).  لقد كانت هذه "الفاجعة" صورة مصغرة لما يعيشه العراق، هي "وقائع موت معلن" كما كتبت لإحدى الزميلات في المجال التأميني، وهي من نمط الحوادث الموقوتة التي تتهيأ للوقوع في أي وقت بسبب غياب الاهتمام بالإنسان ومتطلبات السلامة.

[2] مصباح كمال، "العيد الحزين وغياب إدارة الخطر والتأمين: تعليق على حادث غرق عبّرة في جزيرة أم الربيعين السياحية،" Misbah Kamal-Ferry Disaster

[3] مصباح كمال، "تأمين مصافي النفط العراقية: دعوة للمناقشة،" نشرت في عدة مواقع ومنها مجلة التأمين العراقي: https://misbahkamal.blogspot.com/2019/03/insuring-iraqi-refineries.html

[4] جاك هيرشلايفر، "الكوارث والانتعاش الاقتصادي،" فصل مترجم في كتاب قيد الطبع بعنوان مقالات ومراجعات حول الخطر والتأمين، ترجمة وإعداد مصباح كمال.

[5] نظام العمل الشعبي في العهد الديكتاتوري لا يصنّف ضمن أشكال العمل الجماعي الطوعي فقد كان مفروضاً من فوق وليس نابعاً من قاع المجتمع المدني، كما حصل بعد 2003 إذ التأمت جهود شبابية طوعية في بعض النشاطات ذات النفع العام.

[6] شهدت اقتصادات العديد من البلدان الرأسمالية أثناء الأزمة المالية العالمية، 2007-2008، تدخل الدولة لإنقاذ مؤسسات مالية كبيرة خاصة كانت على شفا الانهيار التام ومن بينها شركات تأمين في الولايات المتحدة الأمريكية.

[7] وهذا يعني أن هناك تشابهاً بين الشركات الخاصة والشركات العامة عندما يكون التأمين غائباً لتمويل الخسائر التي قد تتعرض لها.

[8] مصباح كمال، "هل هناك تكلفة للاقتصاد عندما يكون التأمين غائباً؟  ملاحظات أولية،" فصل من كتاب قيد الإعداد بعنوان مقالات غير مألوفة حول التأمين.

[9] تضم بعض وثائق التأمين شرط الحلول الذي يرد بصيغ مختلفة ومنها ما ينص على حق المؤمِن (شركة التأمين) في مباشرة الدعوى باسم المؤمن له (الدائن حسب أحكام القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951) ضد الطرف المتسبب في الخسارة والتي يكون المؤمن مسؤولاً عن التعويض عنها.

يجد القارئ المهتم الكثير من التحليل والمقارنة في تطبيق هذا الشرط في وثائق التأمين الإلزامي ووثائق التأمين الاختياري في كتاب بهاء بهيج شكري، التأمين من المسؤولية في النظرية والتطبيق (عمّان: دار الثقافة، 2010)، ص 540 وما يليها.

[10] للتعريف برأسمالية المحاسيب راجع الموسوعة الحرة:

[11] أوردت بعض الصحف العراقية معلومات تحدثت عن انتماء مدير الجزيرة السياحية التي غرقت فيها العبّارة لجماعة مسلحة متنفذة تعمل في نينوى.

[12] إن ما يدل على الحضور القوي للمليشيات، ومنها فرق الحشد الشعبي في الموصل، دعوة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة في أمره الديواني لجميع القوى السياسية والمراكز الإعلامية: "اللجوء الى منطق القانون والتهدئة وعدم الانجرار الى أجواء التصعيد وتبادل الاتهامات بما يضر بمصالح أهالي نينوى والعراق."

ترجع خلفية هذا البند في الأمر الديواني إلى الاحتقان الطائفي في الموصل، ودور الميليشيات التي من المفترض أن تكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة وهي ليست كذلك وإلا لما كان للاحتقان الطائفي من وجود، ولا التجاوز على الأملاك، ولا غض النظر عن القواعد التنظيمية في إدارة وتشغيل المنشأة السياحية.  لقد كان على المرجع الديني علي السيستاني أن يكمل دعوته للجهاد الكفائي الذي أصدره في 13 حزيران 2014 بالطلب ممن شارك فيه بالعودة إلى عمله وبيته وأهله بعد تقديمه للشكر لهم.

[13] Richard A. Posner, Theories of Economic Regulation, Working Paper No. 41, Center for Economic Analysis of Human Behavior and Social Institutions National Bureau of Economic Research. Inc, New York, 1974.  https://www.nber.org/papers/w0041.pdf
كانت الأطروحة التي تقدم بها البروفيسور بوسنر هي أن التنظيم الحكومي لا يتعلق بالمصلحة العامة على الإطلاق، بل هو عملية تسعى من خلالها مجموعات المصالح إلى تعزيز مصلحتها الخاصة وبمرور الوقت، تصبح الوكالات التنظيمية خاضعة لسيطرة الصناعات الخاضعة للتنظيم.

[14] Peter Zweifel and Roland Eisen, Insurance Economics (Heidelberg: Springer, 2012), p 323-324.
[15] مقتطف من مقال للمهندس إبراهيم البهرزي، منشور في موقعه في الفيسبوك بتاريخ 22 آذار 2019.

[16] مصباح كمال، التأمين في التفكير الحكومي وغير الحكومي، 2003-2015 (مكتبة التأمين العراقي، 2015)، فصل "التأمين في المنهاج الحكومي: قراءة أولية،" ص 136-152.  الكتاب متوفر في المكتبة الاقتصادية لشبكة الاقتصاديين العراقيين:

[18] فاروق يونس، "حوار مع مصباح كمال حول بعض قضايا التأمين في العراق."  شبكة الاقتصاديين العراقيين: