إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2013/02/08

Notes on Misbah Kamal's Paper: Kamil Al-Adhadh & Insurance

ملاحظات توضيحية حول مقال الزميل مصباح كمال بعنوان: "د. كامل العضاض والتأمين"
 
 
د. كامل العضاض
 
 
أولا، اشكر الزميل مصباح على جهوده في استعراض مؤلفنا عن الأزمة المالية العالمية،أبعادها وآثارها.  لقد كان أمينا في استخراج نصوص من الكتاب، كنا قد ذكرنا فيها شركات التأمين أو قطاع التأمين، ليس بصورة مستقلة ومحددة، إنما بصورة مدموجة مع القطاع المالي أو النشاط المصرفي.  ولعل في ذلك نوع من التعميم الذي لم ينصف شركات تأمين أو، في الأقل، في تمييز دورها في تصعيد الأزمة المالية في الولايات المتحدة، خلال المدة 2006- 2010.  إلا اننا سنبين بأن دور شركات التأمين في الأزمة المالية في الولايات المتحدة كان مختلفا من حيث الدرجة وليس النوع، أي أقل شأنا من دور القطاع المالي والمصرفي.
 
ثانيا، سنركز في ملاحظاتنا على عدد من أهم النقاط التي أثارها الزميل مصباح، حسب تتابعها في مقاله هو، ما عدا النقطة التي يستخلص فيها بأن الدكتور العضاض قد وقع في تناقض ما بين وجهة نظر سابقة أبداها، تتعلق بدور قطاع التأمين في تحقيق توازن في النشاطات الاقتصادية وفي حجم الناتج المحلي الإجمالي، وما يذكره الآن من دور سلبي أو تصعيدي للأزمة المالية لشركات التأمين في الولايات المتحدة!  سنتناول هذه النقطة، وانعتها، ربما، بسوء الفهم، إذ ليس هناك، في رأينا، تناقض، إنما ملاحظتنا هي ان ثمة وجود لانحراف بالوظيفة التأمينية لدى العديد من شركات التأمين في الولايات المتحدة.  وها قد اضافت الآن الأزمة دروسا لكثير من شركات التأمين، للتركيز على الوظائف التأمينية، والتخلي عن وظائف الاستثمار التضاربي المصرفي البحت.
 
من المعروف بأن وظائف شركات التأمين، وهي على أنواع، تتلخص في التأمين ضد مخاطر تقع على الأفراد والممتلكات وضد المخاطر المحتملة التي قد تتعرض لها استثمارات الأفراد والشركات، على وفق نموذج يقوم على دراسة الاحتمالية، أو ما يشبه درجة التيقن من احتمالية حدوث تلك المخاطر.  فشركات التأمين على الحياة تقدم للمؤمن لهم خدمة التأمين على حياتهم، مقابل أقساط يدفعونها بانتظام لهذه الشركات، وعند انتهاء حياة المؤمن له، تُدفع تعويضات لورثته أو لعائلته، أو عند انتهاء مدة التأمين، دون حصول وفاة، قد تُدفع مبالغ، للمؤمن له، بصفتها ادخاراته المتجمعة.  نلاحظ، في هذه الحالة، أن شركات التأمين على الحياة تلعب دور الحافظ للادخارات الشخصية، وتوظّفها توظيفا بعيد الأمد في مجال الاستثمارات العينية، عموما، لأنها أكثر يقينية وثباتا من الاستثمارات المالية أو الاستثمارات في شراء أسهم وسندات شركات إنتاجية و/أو خدمية.  من هنا يبدو واضحا إن شركات التأمين على الحياة تلعب دورا توازنيا، أي أن الدخول التي تُوّجه، عادة، للاستهلاك، تذهب نسبٌ منها للاستثمار طويل الأجل، وبهذا تعيد للناتج المحلي الإجمالي عوائدا مضافة، متحققة من توظيف أقساط التأمين على الحياة، من اجل تمويل التراكم الرأسمالي، مما سيزيد من حجم وقيمة الناتج المحلي الإجمالي.  أما شركات التأمين على غير الحياة، فتقدم خدمات التأمين ضد الحوادث المحتملة لممتلكات الأفراد أو لبضائعهم المشحونة عرض البحار أو بطرائق أخرى، وهنا أيضا تُدفع رسوم التأمين، مرة واحدة، او احيانا على دفعات قريبة، حسب التسهيلات التي تقدمها الشركات للمؤمن لهم، على أن تقوم هذه الشركات بدفع التعويضات الى المؤمن لهم في حالة حصول الأضرار المؤمن ضدها.
 
وفي كل الحالات، فمن وجهة نظر المحاسبة القومية، وهي العلم الذي يوفر الأدوات لقياس نتائج النشاطات الاقتصادية، السلعية والخدمية، ومن ضمن الأخيرة، خدمات قطاع التأمين، تُقاس القيمة المضافة لقطاع التأمين، بإيجاز، كالآتي:
 
أقساط التأمين المستلمة ناقصا أقساط التأمين المدفوعة ويساوي صافي الأقساط، ويُضاف لها صافي أقساط إعادة التأمين.  ويُجمع الناتج الأخير مع تكاليف الإنتاج ومع الفوائد وعوائد الملكية، فنحصل على إجمالي قيمة الإنتاج على المستوى القومي.  وللحصول على إجمالي القيمة المضافة تُستبعد قيمة مستلزمات الإنتاج، وللوصول الى صافي القيمة المضافة، تُستبعد قيمة الاندحارات.
 
وهكذا، نلاحظ بأن دور شركات التأمين بأنواعها هو المساهمة في توليد الدخل القومي، وفي لعب دور يحقق التوازن ما بين الاستهلاك والإنتاج، فالتعويضات المدفوعة عن الأضرار التي تحصل للبضائع والممتلكات، تعني الحفاظ على سير العملية الإنتاجية، مقابل رسوم أو أجور تعتبر من المنظور الاقتصادي الكلي بسيطة ومقبولة لتغطية الأخطار المحتملة.  وهذا هو الدور التوازني الذي نعنيه والذي يلعبه، عادة، قطاع التأمين في الاقتصاد الوطني.  ولكن إذا ما غامر هذا القطاع، أو أهم وأكبر شركاته، في المضاربة بالأقساط التأمينية المدفوعة له، فإنه يرتكب خطيئة زيادة المخاطر التي ستشل وظيفته التعويضية او قد تؤدي الى تآكل رأس مال تلك الشركات التأمينية المضاربة.  وهذا ما حصل بدرجة ما لعدد من أهم وأكبر شركات التأمين الأمريكية، ولو بدرجة أقل مما حصل في القطاع المصرفي، خلال الأزمة المالية في الولايات المتحدة خلال المدة 2006-2009.
 
ونوجز الآن أهم تعليقات الزميل مصباح بشأن ما كتبنا عن دور شركات التأمين الأمريكية في الأزمة المالية العالمية التي لا تزال تحوم بظلالها على العالم، وخصوصا الرأسمالي منه.
 
ينقل الزميل مصباح مقاطعا أو نصوصا من صفحات عديدة من الكتاب لبيان النقاط التي يختلف فيها بالرأي معنا.  ويستخدم هذه النصوص في محاولة لإثبات إنها تنسب لقطاع التأمين الأمريكي دورا في تصعيد الأزمة المالية التي ابتدأت في تلك البلاد منذ عام 2006 بينما يبدو في رأيه أن شركات التأمين الأمريكية، بسبب طبيعة وظائفها التأمينية، ربما لعبت دور المخفف أو المهدئ للأزمة المالية.  وتتلخص نقاط الرد أو النقد الستة التي أفاء بها الزميل مصباح، استنادا الى ستة نصوص، ملخصة هنا بشدة، وليس كما استلها من الكتاب، بالآتي:
 
فحسب النص الأول، ان الإسراف في النشاط التأميني الى جانب الإسراف في توفير الائتمان المصرفي أدى الى خلق اقتصاد ورقي وهمي، بعيدا عن الإنتاج العيني أو السلعي الحقيقي.  نرجو أن نوضح هنا بأن الزميل مصباح ربما أساء فهم هذا النص الذي اختصرناه، توخيا لتجنب الإسهاب، إذ ليس المقصود هنا بالإسراف هو الإسراف في إصدار وثائق التأمين، كما تصور هو، فنحن لم نذكر ذلك إطلاقا، إنما نقصد به زيادة ميل شركات التأمين لبناء حافظات مالية تقوم على شراء وبيع الأسهم والسندات، والتعرض الى أخطار المضاربة في سوق مالية غاية في السيولة والشدة التضاربية.  وهذا مما أدى الى زعزعة الرصانة المالية لبعض شركات التأمين ووضع أهمها على حافة الإفلاس!  لننظر في واحد من أهم التقارير التشخيصية للأزمة المالية الذي أعده السيد  سبستيان شيك لصالح منظمة الأو أي سي دي،OECD، في عام 2009

[1] سنجد الخلاصة الآتية: صحيح أن العديد من شركات التأمين لم يتعرض للوقوع في قلب الأزمة، تماما، ولكن معظمها تأثر بحدة بسبب الحافظات المالية التي تبنتها، وذلك في ظروف محمومه بالمضاربة وبإعادة تسعير الأسهم والسندات.  وهناك، حسب السيد شيك، شركات تأمين تُعتبر مؤسسات مالية على الرغم من وجود غالبية للنشاط التأميني في أعمالها.  أما شركات التأمين التي تقدم ضمانات مالية للقروض والاستثمارات في الأوراق المالية، فهذه عانت بصورة أشد في انخفاض قيم موجوداتها، وتعرضت الى إفلاس وشيك.
 
ان عددا مهما، وفقا لتقرير السيد شيك، من شركات التأمين تعرض الى أخطار ائتمان وسيولة سوقية جسيمة، وهذا شمل شركات التأمين على الحياة وغير الحياة وشركات التأمين التي تقدم الضمانات المالية.  وبسبب حجم القروض والاستثمارات المالية الهائل لشركات التأمين، فهي ساهمت بتصعيد الأزمة المالية، كما تضررت أقيام أسهمها وتدنت سيولتها وتآكلت رؤوس أموال بعض أهمها، مثل شركة التأمين الكبرى، أي آي جي، AIG، مما أستدعى قيام الحكومة الأمريكية بإسعافها عن طريق ضخ مليارات الدولارات!  ويقدر مجموع  ما ضخ من الأموال من قبل الحكومة الأمريكية لتجنب إفلاس شركات التأمين، وخصوصا الكبرى بحوالي 261 مليار دولار، منها 40% لشركة ال AIG وحدها. (انظر المصدر المشار إليه آنفا).
 
وعلى وفق النص الثاني الذي استخدمه الزميل مصباح، فقد تضمن إشارة الى أن الدول الرأسمالية الكبرى تهيمن اليوم على التجارة الدولية، بما فيها خدمات التأمين.  وهنا نجد ان الزميل مصباح لا ينفي ذلك، بل يستطرد في إيضاح جوانب من الهيمنة، كما هي الحال مع عقود الشركات النفطية في العراق!  ولكنه، على أية حال، يبيّن بان الاتجاه هو لزيادة نسبة  قدرات احتفاظ شركات التأمين لإقساط التأمين، بدلا عن إعادة تأمينها.  ولا خلاف لنا مع هذه النقطة.
 
يتبع النص الثاني أعلاه نصان استخدمهما الزميل مصباح، وهما يشيران الى إفلاس عدد مهم من شركات التأمين الأمريكية والى انخفاض قدراتها ليس في تقديم تغطيات تأمينية داخل الولايات المتحدة بل حتى للشركاء التجاريين في دول الاتحاد الأوربي.  وهنا أيضا يقرُّ الزميل مصباح بأن إفلاس شركات التأمين لم يكن بسبب زيادة إصدار وثائق التأمين، بل بسبب مضارباتها المالية.  وهذا بالضبط هو ما أشرنا إليه واوضحناه سلفا وفي كتابنا الذي أستند إليه الزميل مصباح.  أما بالنسبة لانخفاض القدرة التأمينية للشركاء التجاريين في الاتحاد الأوربي، لم يكن بسبب عدم قدرتهم التأمينية وإنما بسبب حالة عدم استقرار سعر صرف الدولار الذي انخفض خلال مدة الأزمة بحوالي 30% من سعر صرفه.  وهذا فضلا عن حالات الإفلاس التي اجتاحت قطاع التأمين الأمريكي.
 
أما النص الخامس المقتبس، فهو يشير الى أن جنوح شركات التأمين الى المضاربات المالية والمصرفية أدى الى زعزعة ملائتها المالية وعرّضها الى أخطار اثّرت على قدراتها التأمينية.  فانتهاج ضمان القروض المالية، وتبادل صكوك ضمانات الإئتمانات المصرفية ضد المخاطر، في الوقت الذي خدم المصارف، لكنه أضرَّ بملاءة شركات التأمين.  وهنا لا يختلف معنا الزميل مصباح، ولكنه يعتقد بأن شركات التأمين ليس من سماتها الولوج في المضاربات المالية الواسعة، فهي تحرص على الاحتفاظ بحافظات مالية مستقرة الى أمد بعيد ومستندة الى استثمارات عينية.  نعم، هذا هو النهج العقلاني والنظري، اما من زاوية التطبيق فقد خرج الكثير من شركات التأمين الأمريكية عن هذا النهج أو النموذج العقلاني.
 
أما النص السادس والأخير الذي ناقشه الزميل مصباح، فهو بعنوان إفلاس شركات التأمين الأمريكية وإنقاذها من قبل الحكومة الأمريكية.  هنا أيضا لا يختلف معنا الزميل مصباح ولكنه يشير الى حالات الشركات، ومنها الأي أي جي الكبرى، الى إعادة تنظيم نفسها والعمل على تجنب المضاربات والتركيز على الوظائف التأمينية التي تتطلب الاستثمار العيني بعيد الأمد، والعمل على تقليل المخاطر المالية في سوق تنافسية، تكاد تكون فالته في رأينا!  وهذا ما ندعو إليه.
 
بقي علينا ان نؤكد بأننا لم نناقض أنفسنا بالقول أن نشاطات شركات التأمين تساعد في توازن وزيادة الدخل القومي، ثم نركن الى القول، بنفس الوقت، بأن شركات التأمين ساهمت في تصعيد الأزمة المالية، فتضررت منها.  إنما قولنا هو أن العيب لا يكمن في طبيعة نشاطات التأمين الأمريكية وغير الأمريكية، بل هو في جنوحها الى استخدام حافظاتها المالية في سوق المضاربات المالية، والابتعاد عن الاستثمار العيني، فضلا عن التراخي في فرض الشروط الكافلة لملاءة شركات التأمين.
 
 
د. كامل العضاض
7 كانون الثاني 2013


[1] Insurance Companies and the Financial Crisis”
By, Sebastian Schich, OECD Journal; Financial Market Trends; Vol. 2009, Issue 2-ISSN pp 1995-2864-OECD- 2009.
 


ليست هناك تعليقات: