إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات Insurance Books. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Insurance Books. إظهار كافة الرسائل

2019/06/10

Appeal of Insurance


جاذبية التأمين



محررو الكتاب:
جيفري كلارك، أستاذ التاريخ، جامعة ولاية نيويورك، بوتسدام
غريغوري أندرسون، مساعد عميد مدرسة الأعمال (سابقاً)، جامعة سالفورد
كريستيان ثومان، زميل أقدم، مركز دراسات الخطر والتأمين، جامعة لايبنتز، هانوفر
ج-ماتياس غراف فون دير شولنبرغ، أستاذ إدارة الأعمال ومدير مركز دراسات الخطر والتأمين، جامعة لايبنتز، هانوفر

المراجعة:
شارون آن ميرفي*[1]
أستاذة، قسم التاريخ، كلية بروفيدانس

الترجمة:
مصباح كمال**

نشرت هذه الترجمة أصلاً في شبكة الاقتصاديين العراقيين:


برز مؤخراً اهتمام علمي بتأريخ التأمين يعكس، ربما، المخاوف في القرن الحادي والعشرين من التخفيف من أهمية الأخطار.  ويأتي كتاب جاذبية التأمين، ومقالاته العشرة المُحفّزة على التفكير، وهو ثمرة لمؤتمر كبير حول صناعة التأمين، تأكيداً على هذا الاتجاه.

وفي حين يؤكد المحرران جيفري كلارك Geoffrey Clark (جامعة ولاية نيويورك في بوتسدام) وجريجوري أندرسون Gregory Anderson (جامعة سالفورد) بشكل عام في مقدمة الكتاب بأن التأمين أثَّر على المؤسسات الاقتصادية المعاصرة، وتقنيات الحكومة، وآليات الرعاية الاجتماعية، وأنماط التفكير، فإنه من المفترض أن جميع المقالات في الكتاب تدور حول المفهوم الضيق للجاذبية والازدواجية الكامنة في معناه: الجاذبية والالتماس/النداء (ص 3).

ولكن في حين أن هذا الخيط المُوحّد للكتاب يظهر بوضوح في العديد من المقالات، فإن وجود البعض منها بين دفتي الكتاب يبدو غير مناسباً.  بالإضافة إلى ذلك، فإن نطاق المواضيع الرئيسية والجغرافية والزمنية للمقالات غير متساوٍ.  فأكثر من نصفها يركّز على صناعة التأمين في بريطانيا، وأكثر من نصفها يركّز بشكل رئيسي على التأمين على الحياة، وثلاثة أرباع منها تتناول التأمين في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر.

وفي حين أن عدم التوازن هذا لا ينتقص من جودة المقالات الفردية، إلا أنه كان بإمكان الكتاب تقديم سرد شامل أكثر تماسكاً لو أن المحررين (الذين يضمون أيضاً كريستيان ثومان و ج-ماتياس جراف فون دير شولنبرج، وكلاهما من جامعة لايبنتز في هانوفر) حاولوا التركيز على فروع تأمين محددة قبل الحرب العالمية الأولى، وفي الأثناء يلقون بشبكتهم الجغرافية على نطاق أوسع (على الأقل داخل أوروبا).  ومع ذلك، أظن أن عدم التوازن هذا يعكس إلى حد كبير حقائق التأريخ الحالي للتأمين.

إن المقالات التي تتلاءم مع بعضها بشكل أفضل هي المقالات التي تتناول التجربة المعيشية للأفراد الذين توسَّلوا بحماية التأمين استجابة لبيئة الأخطار المتسمة بسرعة التغير.  وتركّز هذه المقالات على توقيت الطلب [على التأمين]، واللغة المستخدمة لفهم بيئة الأخطار، وسلوك الأفراد المؤَّمَنين، والتصدي لأولئك المفكرين الذين يُحاجّون بأن التأمين استراتيجية عقلانية بحتة للتخفيف من الأخطار.  ففي المقالة التي تحمل عنوان "كيفية ترويض المصادفة: تطور لغة الخطر، والثقة، والخبرة في شركات التأمين الألمانية الأولى في القرن الثامن عشر" تبحث إيف روزنهافت Eve Rosenhaft (جامعة ليفربول) حال المشاركين في اثنين من صناديق [تأمين] الأرامل الألمانية في القرن الثامن عشر، لإثبات أن السلوكيات التي تميل إلى تجنب الخطر risk-averse (كالانضمام إلى جمعية لتوفير معاش لزوجتك وأطفالك عند وفاتك) لم تكن متعارضة بشكل متبادل مع السلوكيات التي تميل إلى المجازفة (مثل الوثوق في أن هذا النوع من الجمعيات غير المُجرَّبة لن تفشل قبل أن تستفيد عائلتك من الحماية التي تقدمها).  وبما أن العلاقة القائمة على الثقة قد تحولت من العناية الربانية إلى المديرين الخبراء على مدار القرن الثامن عشر، فإن روزنهافت تقدم حُجَّة مثيرة للاهتمام وهي أنه على الرغم من تطور فهم المشاركين [في صناديق التأمين] وتوقعاتهم للخطر، فإن اقتناء هذا التأمين البدائي لا يمثّل تحولاً واعياً نحو تجنب المخاطر مقابل الإقدام على المجازفة.

ويتوصل روبن بيرسون Robin Pearson (جامعة هال Hull) إلى استنتاج مماثل في مقالته "الحريق والتأمين على الممتلكات وتصورات الخطر في بريطانيا في القرن الثامن عشر."  ويؤكد بيرسون، في تنظيره للفكرة القائلة إن التأمين ضد الحريق كان استجابة عقلانية لازدياد خطر الحريق في المدن، أن هذه الصناعة تُدين بنموها إلى عوامل غير امبيريقية مثلما تُدين لظهور معرفة إحصائية محددة تشير إلى أن الناس كانوا مهتمين بالأخطار القابلة للقياس وبعدم اليقين غير القابل للقياس، والحظ والمصير، والخوف والاحتراز والعاطفة والعقل.  (ص 85).  والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أنه يخلص إلى أن استراتيجية الحدّ من الأخطار، المتمثلة في شراء التأمين ضد الحريق، لم تكن مصحوبة بتدابير بديلة أخرى قائمة على الفطرة السليمة للوقاية من الحريق: "لم يكن الاحتراز نتيجة للتأمين أكثر مما كان نتاجاً لعلم التنبؤ." (ص 98).

تستمر دراسة هذه الأسئلة المتعلقة باللغة وتصور مفهوم الخطر في مقالتي جيفري كلارك وتيموثي ألبورن Geoffrey Clark and Timothy Alborn، في تعاملهما مع المأزق المعنوي المتمثل في وضع قيمة نقدية على حياة الإنسان.  ففي مقالة "جاذبية العبيد: التأمين وصعود الممتلكات التجارية" يقوم كلارك بالتحقيق في المشاكل القانونية المحيطة بتأمين العبيد (الذين كانوا في وقت من الأوقات يُصنَّفون كحيوانات وممتلكات)،[2] وكيف أن معضلات مماثلة برزت في وقت لاحق مع وثائق التأمين على الحياة القائمة على المضاربة والتأمين من قبل الزوجات على أزواجهن.  فمن خلال "تشبيك الفاعلين الاقتصاديين economic actors معاً بطرق مبتكرة ... فإن هذه العقود التجارية المهينة اجتماعياً كانت تُهدد ليس فقط بقلب التسلسل الهرمي الاجتماعي الراسخ، ولكن أيضاً تعمل على الحد من الحرية الاقتصادية للذات بسبب due to الأزواج والآباء والأسياد." (ص 67-68).  إن الطبيعة المتناقضة للتأمين كسلعة أخلاقية وأداة للمضاربة تجد سنداً لها من قبل ألبورن (كلية ليمان، جامعة سيتي في نيويورك) في مقالته "ترخيص الرهان: التأمين على الحياة وقانون المقامرة في المحاكم البريطانية."  إن الطبيعة المشكوك فيها بشدّة لقانون المقامرة لعام 1774، الذي كان يهدف إلى القضاء على وثائق التأمين على الحياة القائمة على المضاربة من خلال "تقرير الحدود الفاصلة بين التأمين الشرعي وغير الشرعي" كشفت أن "سوق التأمين ... كانت جاذبة لجميع الطبقات الاجتماعية بسبب وليس على الرغم من حقيقة أنها [سوق التأمين] في كثير من الأحيان تتدرج بشكل غير محسوس نحو القمار. (الصفحة 109).

وفي حين أن هذه المساهمات الأربعة تتلاقى في منهجها بشكل جيد للغاية، فإن المجموعة الثانية من المقالات تبتعد عن التجربة الحياتية لتأمين الأفراد وتركّز بدلاً من ذلك على العلاقة المتبادلة بين صناعة التأمين والدولة.  فمقالة ليز ماكفال McFall Liz (الجامعة المفتوحة) "قواعد الاحتراز: الليبرالية السياسية والتأمين على الحياة في القرن التاسع عشر" هي بمثابة دراسة انتقالية بين هذين النهجين.  وفي حين أنها تركز أيضاً على قضايا اللغة، فإن تركيزها على "الاحتراز" لا يهتم بكيفية فهم الجمهور المؤَّمَن لهذا المفهوم.  بدلاً من ذلك، فإنها مهتمة بترويج شركات التأمين لهذا المفهوم، وكيف أن مؤسسات التأمين على الحياة في القرن التاسع عشر كانت تبيع منتجاتها بطريقة تعكس بشكل واضح التيار السائد داخل الليبرالية الفيكتورية. (ص 145).

بالنسبة لمعظم المقالات الباقية، فإن فكرة أن التأمين على الحياة كان واحداً من تلك التقنيات التي بَدَتْ وكأنها نشأت لسد الفجوة بين النظرية الحكومية الليبرالية المجرّدة وإدارة المشاكل الاجتماعية الملموسة (ص. 145-146) تبدو الفكرة الموحدة الأكثر مطابقة لتجربة الفرد مع التأمين.  على سبيل المثال، فإن مقالة شولنبورغ وثومان Schulenburg and Thomann "غوتفرد فيلهلم لايبنتز والعمل التأميني" تهتم بالدرجة الأولى بتأكيد هذا العالِم والفيلسوف من القرن السابع عشر على أنه "يتعين على الحكومة تأسيس شركات تأمين عامة لأن رفاهية الناس ستزداد إذا كانت مخاطر معينة مغطاة بشكل آمن من خلال مشروع عام؟ (ص 44).

مثل ماكفال، يبذل غريغوري اندرسون Gregory Anderson جهداً كبيراً في مقالته المثيرة للاهتمام "الصدق، الأمانة، والتأمين في إنجلترا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر" لتعزيز فكرة محددة من خلال التأمين، وهذه المرَّة من خلال مفهوم الأمانة وعلاقته بالمبادئ الحاكمة.  فمع بدء النظام القانوني لمعالجة مشكلة جرائم ذوي الياقات البيضاء الناشئة، استجابت صناعة التأمين بإيجاد ضمان تأميني "لتوفير الحماية ضد أعمال خيانة الأمانة من قبل موظفين موثوق بهم في الشركات العامة والخاصة ومن قبل موظفي الدولة" (ص 151).  إن مطالب أصحاب العمل، وعلى وجه الخصوص، الدولة نفسها التي باتت تشعر بالقلق من العواقب المالية الحقيقية (وبالتالي السياسية) لجرائم الطبقة الوسطى ضمن الرتب البيروقراطية المتنامية، ساهمت في تشكيل فرع ضمان الأمانة.  ومع ذلك، وكما يكشف أندرسون، كان من غير الواضح دائماً ما إذا كان هذا المُنتج التأميني الجديد قد ساهم بالفعل في تعزيز الاستقرار والأمن التجاريين (ص 160).  أو بالأحرى، ساهم في تقويض الأخلاق الشخصية (ص 161).

هذه العلاقة المتشابكة بين شركات التأمين والجهات الحكومية الفاعلة واضحة كذلك في المقالات التي كتبها مارتن لينغوايلر Martin Lengwiler وجيرونيا بونس بونس Jeronnia Pons Pons.  فعلى نفس النمط المماثل لأندرسون، تجد بونس بونس (جامعة إشبيلية) في تأمين أرباب العمل وتأمين الحوادث الصناعية في إسبانيا، في الفترة 1900-1963، أن كلا من البيئة القانونية المتغيرة باستمرار ومتطلبات العملاء من الشركات ساهمتا بشكل كبير في التأثير على تطوير صناعة التأمين ضد الحوادث في إسبانيا.  فقد قام أرباب العمل في القطاع الخاص، بشكل ما، بدور الوسيط بين الشروط التي تفرضها الدولة والمنتجات التي تقدمها شركات التأمين: على الرغم من صحة القول إن أرباب العمل قاموا بإجراء التأمين بفضل المسؤوليات التي ألزمهم القانون الجديد بها في الآونة الأخيرة، إلا أنهم سرعان ما وجدوا مزايا في ممارسة التأمين، وقبل كل شيء، في السيطرة على عملية التأمين، (ص 202).  لقد كان الخوف الأكبر لهذين الطرفين (أرباب العمل والشركات الخاصة) هو أن تحاول الدولة بشكل استباقي بالتأثير على تركيبة ومسار سوق التأمين.  ربما كانوا يخافون من نمط النظام الصناعي الذي وجده لينغوايلر Lengwiler (جامعة بازل) كامناً في مقالته "الجاذبيات المنافسة: صعود اقتصادات الرفاه المختلطة في أوروبا، 1850-1945."  تنصبُّ دراسة لينغوايلر على مشاريع التأمين العامة على نمو صناعة التأمين الصناعي في إنجلترا وألمانيا، وصناعة التأمين الصحي في ألمانيا وسويسرا.  واعتماداً على اهتمامه باتخاذ القرارات المؤسسية أكثر من اهتمامه باستجابة جمهور المؤمن لهم لهذه المشاريع المتنافسة، يستنتج لينغوايلر برؤية صائبة إلى أن "الجاذبية المتزايدة للتأمين بعد أواخر القرن التاسع عشر قد قامت ... من خلال المنافسة والتفاعل بين الأطراف الفاعلة العامة والخاصة داخل سوق التأمين." (ص. 173).

تبدو المقالة الأخيرة في الكتاب "خمس مفارقات في التأمين" لآرون دويل Aaron Doyle (جامعة كارلتون والمدرسة النرويجية للإدارة) والراحل ريتشارد إيريكسون Richard Ericson (جامعة تورنتو)، للوهلة الأولى، على أنها النشاز بين المقالات، لكن هذه المقالة في الواقع هي الفرصة الأكبر التي ضاعت على محرري الكتاب.  إن دويل وإريكسون ينظران بعمق لصناعة التأمين ككل من منظور حديث، ويشيران إلى مفارقات أو توترات أساسية في مؤسسة التأمين نفسها، (ص 227)، مثل: كيف أن الصناعة التي ظهرت في بادئ الأمر كوسيلة لتفتيت الأخطار spreading risks أخذت الآن بتجميع الناس في مجمعات للأخطار risk pools أصغر من ذي قبل، مع جداول للتسعير مختلفة بشكل كبير، وكذلك العواقب غير المتوقعة وغير المقصودة (ص 233) لمُنتج يُراد منه ظاهرياً تقليل الأخطار يشجع في الواقع سلوكيات تحمُّل الأخطار risk-taking [المجازفة].

بدلاً من أن تكون خاتمةً للكتاب، كان بالإمكان جعل مقالة دويل وإريكسون الرائعة إطاراً مثالياً للكتاب بأكمله، مما كان سيُبيّن بفعالية أن تناقضات صناعة التأمين الحديثة لها جذورها في حقائق التاريخ.  وفي حين أن مفهوم "الجاذبية" ينطبق بشكل جيد فقط على بعض فصول الكتاب، فإن "المفارقة" تنتظم جوهر الأغلبية.  وعلى الرغم من أن كتاب جاذبية التأمين يعاني من نقاط الضعف الملازم لمعظم ملخصات أوراق المؤتمرات، إلا أن نقاط قوته تكمن في جودة الأجزاء الفردية، إذ يعكس كل جزء منها دراسة ناضجة لكتابة التأريخ تحمل معها قدرة التصدي للفروق الدقيقة في هذه الصناعة الأساسية.


[1] نشرت هذه المراجعة في موقع EH.NET (أيار/مايو 2011)

Geoffrey Clark, Gregory Anderson, Christian Thomann, and J.-Matthias Graf von der Schulenburg, editors, The Appeal of Insurance. Toronto: University of Toronto Press, 2010. x + 247 pp. $50 (cloth), ISBN: 978-1-4426-4065-8.

Reviewed for EH.Net by Sharon Ann Murphy, Department of History, Providence College.

حقوق الطبع والنشر (c) لعام 2011 محفوظة لـ EH.Net.

شارون آن ميرفي Sharon Ann Murphy هي مؤلفة كتاب "الاستثمار في الحياة: التأمين في الولايات المتحدة الأمريكية" (مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 2010).
[2] للمزيد من المعلومات أنظر: مصباح كمال، "التأمين والعبودية: فصل بغيض في تاريخ التأمين الرأسمالي،" الثقافة الجديدة، العدد 398-399، تموز 2018.  نشرت أيضاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:


2019/05/23

Insurance in Elizabethan England – The London Code



التأمين في العصر الإليزابيثي في إنجلترا


المؤلف: غويدو روسّي*
المراجع: كريس ليوان
الترجمة: مصباح كمال

نشرت هذه المراجعة في مجلة الاكتواري، مجلة معهد وكلية الاكتواريين البريطانية تحت عنوان:
Book review: Insurance in Elizabethan England[1]
Insurance in Elizabethan England – The London Code
10 August 2017 | Chris Lewin
Author: Guido Rossi
Publisher: Cambridge University Press, 2016
Review: Chris Lewin

The Actuary
The Institute and Faculty of Actuaries

نشرت الترجمة العربية في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين


مقدمة


يشكل هذا الكتاب إضافة مهمة لتاريخ التأمين في إنجلترا كما كان يمارس في لندن، مقر لويدز، سوق التأمين الشهير، ومركز التجارة البحرية.  إن معظم ما نقرأه في كتب التأمين العربية العامة، والتي تأتي على ذكر التأمين البحري، يشير إلى تشريع إنجليزي يعالج موضوع التأمين البحري في صيغته التي باتت معروفة في العصر الحديث.  وهذا التشريع هو قانون إليزابيث لعام [2]1601 كما يصفه جمال الحكيم، ونقتبس ترجمته لمقدمة هذا القانون لما تحمله من أفكار تأمينية مهمة:

... أي يفهم من عقد (بوليصة) التأمين البحري، أن فقد أو هلاك السفينة لا يتسبب عنه شقاء أي فرد، بل يكون عبء الخسارة بسيطاً بتوزيعه على عدد كبير من الأفراد أفضل مما لو لحقت خسارة جسيمة بنفر قليل منهم.  والعبء يكون موزعاً عليهم وبذلك لا تكون هناك مخاطرة.  وهذا أضمن مما لو كان هناك مخاطرة.  وبهذا فإن جميع التجار – صغار الدخل منهم على الأخص – يمكنهم المخاطرة برغبة وجرأة.[3]

تكمن أهمية هذا التشريع، فيما يخص التفكير التأميني، في توضيح القيمة الأساسية لمؤسسة التأمين: توزيع عبء خسارة الفرد على عدد أكبر من الأفراد.

في تعليقه على تطور صياغة نص وثيقة التأمين البحري يقول غويدو روسّي ان هذا التطور بدأ في سبعينيات القرن السادس عشر.  ففي ذلك الوقت كان النموذج القياسي للوثيقة قد تكامل ولم يخضع إلى أي تغيير خلال العقود التالية ما خلا أربع إضافات كما ظهرت في وثيقة لويدز النموذجية (12.1.1779) التي كانت نسخة مطابقة لوثيقة القرن السادس عشر.  ولخّص الإضافات في هامش طويل ننقلها هنا لأهميتها في تطور صياغة وثيقة التأمين البحري.  وهذه الإضافات هي:[4]

1-   "هلكَ أم لم يَهلكْ" lost or not lost وقد كانت هذه الإضافة قيد الاستعمال في أواخر القرن السادس عشر.  [يعني هذا الشرط سريان عقد التأمين البحري حتى لو كان محل التأمين هالكاً أو متضرراً عند إبرام العقد، شريطة ألاّ يكون المؤمن له عالماً بالهلاك].

2-  إيراد ذكر "هيكل السفينة والبضائع" hull and cargo، إذ أن محلا التأمين هذين لم يكونا موضوعاً للتأمين بموجب وثيقة تأمين واحدة في أواخر القرن السادس عشر.

3-  شرط "الاقتراب والتوقف" touch and stay [الذي يسمح للسفينة أن تبحر وتقترب وتتوقف في أي ميناء في مسار السفينة المنصوص عليه في وثيقة التأمين].  وقد كانت هذه التغطية محرّمة في عقود النصف الثاني من القرن السادس عشر، ولكنه ليس واضحاً إلى أي حد كان هذا التحريم مطبقاً في الممارسة.

4-  "المذكرة" أو "الملحوظة" Memorandum التي تظهر في ذيل وثيقة التأمين البحري مع قاعدة الأشياء الصغيرة [قاعدة الحد الأدنى] de minimis (إمكانية التعويض عن الأضرار إن كانت قيمتها تتجاوز نسبة مئوية معينة من قيمة التأمين على بعض البضائع).[5]  وفي حين أن الملحوظة أضيفت إلى وثيقة لويدز عام 1749 (Harold Raynes, A History of British Insurance, 1964, p 65) فإنه من المحتمل أن قاعدة مماثلة كانت تطبق عادة أواخر القرن السادس عشر في لندن.

يستنتج روسّي أنه ما خلا الابتهال بالله، الذي حُذف في منتصف القرن التاسع عشر، فقد تم الاحتفاظ بوثيقة لويدز للتأمين البحري على البضائع الخاصة (وكذلك الوثيقة من زمن إليزابيث) في صورتها الحرفية في قانون التأمين البحري لعام 1906.  ومن رأيه أن هذه الاستمرارية لا مثيل لها.

لقد أقدمت على كتابة هذه المقدمة القصيرة للتنبيه على عمق البحث التاريخي في تطور مؤسسة التأمين، وأن هناك الكثير الذي يمكن البحث فيه في تاريخ التأمين في العالم العربي رغم العمر القصير نسبياً لهذا التاريخ.

مصباح كمال
13 أيار 2010


ترجمة المراجعة

هذا كتاب كبير يحتوي على حوالي 900 صفحة.  يكرّس ما يزيد قليلاً عن نصفه لمناقشة مفصّلة لشروط التأمين البحري والتأمين على الحياة التي كانت قائمة في لندن في زمن الملكة إليزابيث.  ويقدم باقي الكتاب وبشكل مريح النسخ الكاملة لمدونة لندن - القواعد التي تغطي التأمينات البحرية والتأمين على الحياة حوالي عام 1580 - ونسخ 46 وثيقة تأمين بحري محفوظة منذ ذلك الوقت، صدرت في الفترة من 1523 إلى 1604.  وتشمل هذه الوثائق وثيقة تأمين على الحياة صادرة عام 1583 قام بشرائها ريتشارد مارتن للتأمين على حياة ويليام غيبونز لمدة 12 شهراً.

إن الكتاب مكتوب من وجهة نظر قانونية، ويتتبع كيف تم اشتقاق مدونة لندن جزئياً من مختلف المدونات التأمينية المشابهة في المدن الأوروبية مثل أنتويرب Antwerp [هولندا] وبرشلونة Barcelona [إسبانيا] وبروج Bruges [بلجيكا] وجنوة Genoa [إيطاليا] وروان Rouen [فرنسا]، ويوضح الأحكام التي كانت أصولها تعود إلى لندن.  ويحدد الكتاب ما يعتبره المؤلف صراعاً مستمراً للولاية القضائية على مسائل التأمين بين نظام المحاكم البريطاني الرسمي وغرفة ضمان لندن Assurance Chamber of London، حيث كان مفوضو الغرفة عادة تجاراً يعينهم رئيس بلدية المدينة.

ويرد في الكتاب تحليل لوثائق التأمين الأربعين المعروفة في لندن للأعوام 1573-1591.  كان متوسط المبلغ المؤمن عليه 506 جنيه إسترليني، في حين كان المبلغ المؤمن عليه في 62% من الوثائق أقل من 400 جنيه إسترليني و 5% منها كان مبلغ تأمينها 1,400 جنيه إسترليني أو أكثر.  كانت هناك مجموعة صغيرة من حوالي 40 مكتتب للتأمين ظهرت أسماؤهم خمس مرات على الأقل والذين ربما لذلك كان لهم التأثير الأكبر في السوق، لكن كان هناك حوالي 200 مكتتب لم تظهر اسماؤهم بشكل متكرر وغالباً ما كانت تظهر مرة واحدة فقط.  وقد تباين عدد المكتتبين المشاركين في وثيقة التأمين بشكل كبير، من 3 إلى 47 مكتتب.  ويحدد الجدول 3.2 الأقساط المطبقة على 24 رحلة خلال الفترة من 1579 إلى 1593.  وكان أدنى معدل للأقساط 3%، أو في حالة واحدة 2% لرحلة قصيرة من هاريتش Harwich إلى لندن، بينما في الحالات الأربع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1586 فصاعداً كان سعر التأمين 10% أو 11%، مما يعكس زيادة التوتر الدولي.

لأي شخص يرغب في الحصول على فكرة جيدة عن قواعد سوق التأمين في لندن في عهد إليزابيث لتغطية الحوادث المختلفة التي قد تلحق بسفينة أو بضاعة مشحونة، فإن هذا الكتاب سيكون ذا قيمة كبيرة.  ومع ذلك، فإنه لا يلقي ضوءاً إضافياً على التأمين على الحياة في ذلك الوقت، والتي أصبحت قواعدها معروفة جيداً بالفعل.

(*)     محاضر في التاريخ القانوني الأوروبي، جامعة أدنبره
(**)   مدير تقاعد متقاعد، أدار صناديق معاشات لعدد من كبريات الشركات البريطانية





[2] أقرَّ البرلمان البريطاني هذا القانون تحت عنوان:
An Act Concerning Matters of Assurances Used Among Merchants
وكان الهدف منه وضع نظام لحل المنازعات بين التجار عن طريق التحكيم، إلا أن هيئة التحكيم الخاصة لم تنجح في الفصل في الخلافات، كما يقول جمال الحكيم.  راجع:
Frederik Martin, The History of Lloyd’s and of Marine Insurance in Great Britain (London: Macmillan and Co, 1876), p 34-35.

[3] جمال الحكيم، التأمين البحري (القاهرة: مطبعة القاهرة الجديدة، 1979.  الطبعة الأولى، 1955)، ص 11.

[4] Guido Rossi, Insurance in Elizabethan England – The London Code (Cambridge University Press, 2016), p 27.

[5] "ملحوظة: من المتفق عليه أن الغلال والحبوب والأسماك، والملح، والفواكه، والدقيق، والبذور، لا تكون مضمونة إلا إذا كانت العوارية عمومية أو جنحت السفينة.  ومن المتفق عليه أيضاً أن السكر، والتبغ، والقنب، والكتان، والجلود الخام بأنواعها لا تكون مضمونة إلا إذا بلغت العوارية 5%، أما البضائع الأخرى فلا تكون مضمونة إلا إذا بلغت العوارية 3% ما لم تكن العوارية عمومية أو جنحت السفينة."

نص الملحوظة في وثيقة لويدز التقليدية كما ورد في ترجمة جمال الحكيم، مصدر سابق، ص 63.