إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2009/08/05

سوق التأمين العراقي: عود على بدء ضياء هاشم استلمت قبل فترة رسالة من زميل قديم لي عن قطاع التأمين في العراق وبخاصة شركات التأمين الخاصة والفرص المتاحة أمام هذه الشركات للتقدم إلى الأمام وإحداث نقلة نوعية في الأداء. كتب زميلي بنفسية متفائلة لا أستطيع مشاركته فيها بالكامل. وقد كتبت له بهذا الشأن وجاءني رده بضرورة نشر ملاحظاتي القصيرة عن واقع السوق التي أرسلتها له. تلكأت في البدء عن تحقيق هذا الطلب فقد سبق لي أن كتبت أكثر من مرة عن سوق التأمين العراقي لكنه أقنعني أن هناك فائدة في الإعادة أقلها التذكير بأن قضايا السوق ما زلت قائمة تنتظر الحل، وأن الكتابة والنشر من أدوات توضيح الأفكار. هذه إذاً هي خلفية الملاحظات أدناه، نركز فيها على دور إعادة التأمين الدولي. تطوير المنتجات والمعرفة التأمينية ينحصر إنتاج معظم الشركات العاملة في السوق العراقي في الوقت الحاضر بوثائق التأمين الكلاسيكية كالحريق والحوادث الاعتيادية والبحري والهندسي وغيرها. وعادة ما يكون غطاء التأمين وفق النماذج المعتمدة في السابق والتي يعود أصولها إلى معيدي التأمين الاتفاقي في الأسواق الأوروبية وبالتخصيص شركة ميونيخ لإعادة التأمين والشركة السويسرية لإعادة التأمين إضافة إلى بعض الوثائق المعتمدة في سوق لويدز اللندنية. بسبب انقطاع سوق التأمين العراقي عن الأسواق العالمية فقد حُرم من الإطلاع على التطورات في مختلف المجالات ذات العلاقة بالتأمين ومنها التعرف على أغطية التأمين الجديدة أو تلك المعدلة عن النماذج القديمة. وفي إطار نفس السبب نذكر عدم قيام الشركات الأجنبية (الهندسية، الصناعية، التجارية .. الخ) العاملة في العراق بإجراء التأمين في العراق. في الماضي كانت هذه الشركات تفاوض شركات التأمين العراقية، وكانت وقتها شركات عامة، على سعة الغطاء وشروطه وأسعاره. كانت هذه فرص للتعرّف على مطالب هذه الشركات فهي تعمل في الغرب وفي بلدان عديدة. سنوات الحرب والعقوبات الدولية حَرّم سوق التأمين العراقي من هذا التلاقح المهني العملي بين الشركات الأجنبية وشركات التأمين العراقية. أضف إلى ذلك ان بعضاً من الشركات الأجنبية كانت تستقدم معها وسطاؤها المعتمدون للتفاوض مع شركات التأمين العراقية. كما أن زيارات ممثلي شركات إعادة التأمين العالمية كان لها أثرها الكبير في تطوير المعارف المهنية (سنفرد له فقرة خاصة فيما بعد). معيد التأمين وسوق التأمين العراقي كنا نأمل أن تتغير الصورة بعد تغيير النظام (2003) وان يسترد السوق مكانته بعد رفع الحصار الاقتصادي عن البلد إلا ان العكس هو ما حصل حيث صدر قانون التامين رقم 10 لسنة 2005 الذي حَجّمَ فرص تطور شركات التامين العاملة في العراق من خلال عدم اشتراطه وجوب التامين على الأموال الموجودة داخل العراق أو الواردة إليه لدى شركات التامين العراقية او فروع شركات التأمين الأجنبية المسجلة في العراق. تزايد هذا التحجيم بإصدار قانون الاستثمار(2006) الذي سمح بالتامين على جميع الاستثمارات لدى شركات تامين أجنبية إضافة إلى العراقية. تسبب هذان القانونان بانحسار العمل الإنتاجي للشركات العراقية بشكل كبير وخروج أقساط التامين إلى خارج العراق، وإذا ما حُسبت بشكل دقيق فان هذه الأقساط قد تتجاوز مليارات الدولارات إضافة إلى التسبب في خسارة هذه الشركات للعمولات التي كانت ستحققها من جراء إسناد وثائق التامين لدى معيدي التامين في الأسواق الدولية. وإضافة لما خسره السوق العراقي من أقساط تامين وعمولات إعادة تامين فقد تسبب انحسار العمل الإنتاجي إلى انكماش حجم التعامل مع السوق الدولي لان مردود اتفاقيات إعادة التامين أصبحت غير اقتصادية لمعيد التامين وبالتالي قل اهتمامه بالسوق وجديته في التعامل معه لاسيما وهو أصلاً يعاني من مشاكل الوضع الأمني وارتفاع كلف الخدمات التي يجب عليه تقديمها للشركات العاملة في السوق العراقي مما نتج عنه اضطرار شركات السوق لقبول كل ما يتم عرضه من المعيد على السوق من شروط وعمولات. معوقات التطور هناك رغبة كبيرة لسوق التامين العراقي ان يتطور إلا انه وللأسف الشديد يصطدم دائماً بمعوقات عديدة منها عدم تعاون الجهات المسؤولة في الداخل وتغاضيها عن معوقات التطور والتي أهمها ما ذكرناه أعلاه إضافة إلى المعوقات الأخرى التي تناولها العديد من الزملاء في مقالات عدة. وهناك معوقات أخرى تتعلق باتفاقيات إعادة التامين التي بدلاً من أن يتم تطويرها نحو الأحسن، لتمكين شركات التامين العاملة في السوق العراقي من العمل بشكل أفضل، أخذ المعيدون، على العكس، بفرض شروط واستثناءات عديدة زادت من انكماش حجم الإنتاج بشكل كبير حيث أدت هذه الاستثناءات إلى تعذر هذه الشركات من مجارات طلبات التامين وبالتالي زيادة فقدان وثائق يمكن تسميتها بالوثائق الكلاسيكية كالتامين البحري وخاصة النقل البري بين العراق والدول المجاورة إضافة إلى الأعمال الكبيرة وحتى المتوسطة للتامين الهندسي. إن عدم تعاون معيدي التامين مع السوق العراقي في تحسين شروط قبول الأعمال العراقية سواء الأعمال الاتفاقية او الأعمال الاختيارية سوف لن يؤدي إلا إلى بقاء سوق التامين العراقي جامداً في مكانه وغير قادر على منافسة شركات التامين غير العراقية التي تقوم حالياً بتوفير أغطية تأمينية متعددة وبالشروط التي يطلبها طالب التامين سواء ما يتعلق منها بسعة الغطاء او تنوعه ليشمل أخطاراً عدة غير متوفرة في هذا السوق ليس بسبب جهل السوق العراقي بها وإنما لعدم رغبة معيدي التامين في منحها. وحتى وان استطاعت إحدى الشركات العاملة من إقناع احد معيدي التامين لتوفيرها فإنها تكون بشروط قاسية وأسعار غير تنافسية تُرفض من قبل طالب التامين جملة وتفصيلاً. والأدلة على ذلك كثيرة وخاصة ما يتعلق بتامين مسؤولية رب العمل وإصابات العمل التي اندرجت تحت اسم قانون القاعدة الدفاعية DBA (US Defence Base Act) حيث تلقت بعض الشركات العراقية طلبات لمقاولات من الباطن مع شركات أمريكية منفذة للتامين على العاملين المتواجدين في مواقع العمل استناداً لهذا القانون. وبعد اتصالات عديدة لتلك الشركات مع وسطاء التامين في السوق الدولي استطاعت هذه الشركات من الحصول على الحماية المطلوبة إلا أن جميع تلك الطلبات لم تثمر أما بسب عدم جدية الجانب الأمريكي للتعامل مع سوق التامين العراقي او ان الأسعار والشروط كانت بعيدة عن ما يجب ان يكون. من خلال سردي لهذه الأمور أحببت إيضاح نقطة مهمة وهي شعوري بان هناك أطراف عديدة لا تريد لهذا السوق ان يتعافى. لا أريد أن أكون متشائماً من هذا الوضع ولكنني أخشى ان لا تتقدم أية جهة للشركات المنفذة للمشاريع الاستثمارية في العراق، وحتى الشركات العراقية المشاركة لها، لطلب التامين على أي من المخاطر ذات العلاقة بالمشاريع الهندسية على أنواعها بدءاً بالتأمين البحري مروراً بالتأمين الهندسي وتأمين المسؤوليات القانونية والتعاقدية دونكم التأمين على الأرباح المتوقعة من المشاريع المنجزة Advance Loss of Profit or Delay in Start Up وهو تأمين تصر عليه الجهات الدائنة أو الممولة للمشروع.[1] خاتمة إن خلق الظروف المناسبة لتطوير قطاع التامين في العراق يحتاج إلى تعاون الجميع من عاملين في هذا القطاع إلى مسؤولين في أجهزة الدولة إضافة إلى جهود جمعية التامين العراقية. كما يتطلب أيضاً وبشكل أساسي تغيير نظرة معيدي التامين في السوق الدولي عن إمكانيات السوق وتعاونهم معه في توفير الفرص المناسبة للتطوير من تقديم اتفاقيات تحوي شروط نموذجية اعتيادية ومعقولة إلى المساعدة في تغطية الأخطار التي يحتاجها السوق سواء تلك التي تتعلق بالأخطار الكلاسيكية المتعارف عليها حالياً او أية أخطار متوفرة في السوق الدولي ولم يتعامل بها السوق العراقي. من المؤسف أن حالة الفراغ ما زالت سائدة في سوق التأمين العراقي لهذا اليوم. وكنا نأمل أن تكثف شركة إعادة التأمين العراقية جهودها، رغم المثبطات، في تعزيز مكانتها محلياً وفي الضغط باتجاه تليين مواقف معيدي التأمين الدوليين. نقول هذا وفي ذات الوقت ندرك أن الإعادة العراقية لا يمكن أن تتحرك لوحدها إن لم تجد دعماً من شركات التأمين المباشر. أرجو أن أكون قد وضحت بعض الأمور التي تساعد في نهوض سوق التامين العراقي. ضياء هاشم المدير المفوض، شركة العراق الدولية للتأمين بغداد 3 آب 2009
[1] هناك وثائق تأمين أخرى تطلبها مؤسسات التمويل لضمان الاستثمار وحمايته من المخاطر غير التجارية كالتأميم والمصادرة ونزع الملكية والحروب والأعمال الإرهابية والشغب وتحويل حقوق المستثمر إلى الخارج وغيرها من الأخطار التي تبتعد كثيراً عن الأخطار الكلاسيكية التي يتعامل بها السوق العراقي في الوقت الحاضر. ونحن لا نتوقع قيام شركات التأمين العراقية بالتأمين على هذه المخاطر لأن معظمها تندرج ضمن القرارات السيادية للدولة. لكن البعض الآخر منها قابلة للتأمين في العراق ومنها أعمال الإرهاب والشغب.

ليست هناك تعليقات: