إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2019/10/08

التعريف بكتاب تأميني جديد: ذاكرة التأمين العربي


التعريف بكتاب تأميني جديد:ذاكرة التأمين العربي

 نشر هذا التعريف أصلاً في نوقع شبكة الاقتصاديين العراقيين
http://new-site.iraqieconomists.net/ar/2019/09/30/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a8%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%aa%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%85/



صدر عن دار منتدى المعارف - بيروت كتاب جديد للمجتهدين تيسير التريكي ومصباح كمال بعنوان "ذاكرة التأمين العربي- حوارات" الجزء الأول.

يقدم هذا الكتاب حوارات أجراها التريكي وكمال مع مجموعة من مخضرمي صناعة التأمين.  من العراق، هناك المخضرم الكبير بهاء بهيج شكري، الذي زاول التأمين في العراق مع بداية خمسينيات القرن العشرين، وَعَبَد الخالق رؤوف خليل صاحب التجربة الطويلة في سوق التأمين العراقي مضافا اليها تجربته الطويلة والمعروفة في مجال العمل العربي المشترك.

ومن الأردن يحاور الكاتبان رجائي صويص الذي يجمع في شخصه معرفة عميقة بسوق التأمين الكويتي الذي عمل فيه ردحا من الزمن ليستأنف مسيرته بعد ذلك في سوق التأمين الأردني بحضور مميز. كما يحاوران زكي نورسي، صاحب التجربة الأطول والخبرة الأشمل في سوق التأمين الاردني.

ومن مصر هناك عزت عبد الباري، صاحب السيرة المهنية الطويلة بما فيها من ادوار ومواقع مؤثرة على امتداد نصف قرن تقريبا.

اما من سوريا، فقد اختار الكاتبان عزيز صقر وَعَبَد اللطيف عبود وهما الأكثر قربا إلى مرحلة ظهور التأمين الوطني في سوريا.  هذا إلى جانب خبرتهما الطويلة.

ومن لبنان، هناك بيار شدياق، أقدم اكتواري غير حياة في لبنان والذي تولى مناصب قيادية متعددة وقدم في مسيرته المهنية الطويلة عددا من المبادرات الناجحة.

ومن فلسطين نلتقي بعزيز عبد الجواد صاحب التجربة المهنية الطويلة في سوق التأمين الكويتي وصاحب الدور الريادي في سوق التأمين الفلسطيني.

وأخيرا، يطالعنا جان شويري، السوري المنبت، بصفته خبيرا دوليا في مجال اعادة التأمين. وهو يحمل الجنسية الألمانية ويعيش في ألمانيا.

إن باقة المحاورين (بفتح الواو) قد لعبوا ادوارهم المشهودة في مجال التأمين في العقدين الخامس والسادس والسابع من القرن المنصرم.

قراءة الحوارات تؤشر إلى اهتمام المحاورين (بكسر الواو) بتاريخ تلك العقود التي بات يفصلنا عنها ما يربو على نصف قرن.  غير أن التريكي وكمال لم يضعا نصب أعينهما توفير منبر لكتابة تاريخ تلك الحقبة التأمينية.  ان التاريخ الذي يحاول الكاتبان ارتياده من خلال الحوارات مع مخضرمي صناعة التأمين العربية ما هو إلا تاريخ الفترة التي ابتدأت فيها شركات التأمين العربية الوطنية بالظهور في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، مع الإقرار بوجود استثناءات محدودة (حالة مصر وفلسطين)، لتكوين ما يسميانه لمحة عن تاريخ التأمين في الحقبة آنفة الذكر.  لم يلجأ الكاتبان إلى الغوص في الوثائق والارشيفات العائدة لصناعة التأمين، بل آثرا ان ينقّبا عن المعلومة في ذاكرات نَفَر من رجال التأمين الذين عاصروا مرحلة تأسيس التأمين الوطني.

الكاتبان قريبان زمنياً من المرحلة التأسيسية التي يسعيان إلى الكشف عن النقاط المضيئة فيها.  فهما عملا في قطاع التأمين في سبعينيات القرن الماضي.  ويبدو ان ما يطرحانه من أسئلة تدفع باتجاه اسباغ نوع من التبجيل لتلك الفكرة.

أول المستهدفين بالكتاب هم جيل الشباب الذين يتولون مقاليد الأمور راهنا في قطاع التأمين العربي.  ذلك ان هذا الجيل قد لا يعرف كثيراً عن المرحلة التأسيسية لصناعة التأمين العربية وعن الشخصيات التي لعبت ادوارًا كبيرة في تلك المرحلة.  ومرد هذا النقص المعرفي في الأساس هو غياب الدراسات التاريخية عن التأمين.

ويمكن أن ينظر إلى الكتاب على أنه محاولة للحفاظ على ذاكرة صناعة التأمين العربية ببناء جسر بين مرحلة التأسيس والتجربة المعاصرة الحية.  وهو فضلاً عن ذلك اشادة بجهود وتضحيات نَفَر من رجالات التأمين العرب الذين أعطوا عطاء وفيراً في ظروف صعبة بل ومريرة أحياناً، كما هو تذكير للمعاصرين بأن لمهنتهم تاريخ فيه ما يستحق العناية والدراسة كما هو تاريخ، في بعض وجوهه، يعتبر مصدرا للاعتزاز لا بل وللإلهام.

لا يقف التريكي وكمال عند الأحياء من رجالات ذلك الزمن البعيد. بل يمضيان إلى استذكار نَفَر من رجالات مرحلة التأسيس الذين لم يعودوا بيننا. ومن باب الوفاء والاحترام لهؤلاء الراحلين فهما يهديان الكتاب لذكراهم العطرة.

هذا هو الجزء الأول من الكتاب، ومن المؤمل أن يصدر الجزء الثاني في السنة القادمة.


يمكن الحصول على كتاب ذاكرة التأمين العربي من الناشر مباشرة على العنوان التالي:

منتدى المعارف
بناية "طبارة" – شارع نجيب العرداتي – المنارة – رأس بيروت
ص. ب. 7494-113 حمرا – بيروت 11032030 – لبنان
بريد إلكتروني info@almaarefforum.com.lb
التعريف المخصص لمجلة البيان الاقتصادي


2019/09/22

Thoughts on the 2020 Renewal of Iraq Re Treaties


خواطر حول المفاوضات المرتقبة لتجديد اتفاقيات شركة إعادة التأمين العراقية 2020


مصباح كمال




في الربع الرابع من كل سنة تبدأ شركة إعادة التأمين العراقية بالاستعداد لجولة مفاوضات تجديد اتفاقياتها لإعادة التأمين مع ممثلي معيد التأمين القائد لهذه الاتفاقيات بالتعاون مع مستشارها في لندن ومجموعة وسطاء إعادة التأمين الثلاث التي قامت بتعيينها منذ سنوات.  وقد كتبتُ عن هذا الموضوع في السابق في سياق الدور الغائب لشركات التأمين الخاصة في هذه المفاوضات.[1]  فيما يلي سأقدم بعض الخواطر الشخصية مؤملاً نفسي أن تستقبل بالمناقشة والنقد.

لنبدأ بغياب ممثل لشركات التأمين الخاصة؛ ترى هل ستبادر إحدى الشركات الخاصة للمشاركة في مفاوضات تجديد الاتفاقيات لسنة 2020؟  وهل ستعمل الإعادة العراقية على تشجيعها للمشاركة في الوفد العراقي لحضور اجتماعات التجديد مع معيد التأمين القائد؟  وهل تقوم شركات التأمين الخاصة بتقديم وجهة نظر حول تجديد الاتفاقيات؟  أسئلة بانتظار من له المعرفة بالتعليق عليها.

وبالنسبة لشركة التأمين الوطنية العامة وشركة التأمين العراقية العامة فقد علمتُ بأن الاستعدادات والمداولات حول تجديد الاتفاقيات داخل الشركتين ومع الإعادة العراقية جارية "رغم الاحوال الاقتصادية الضعيفة في البلد،" لكن تفاصيل ما يجري بين الشركتين وشركة إعادة التأمين العراقية ليست معروفة لي.  من المفيد هنا أن نذكر بأن هاتين الشركتين تلعبان دوراً أساسياً في تغذية اتفاقيات الإعادة العراقية بأقساط التأمين، كونهما الأكبر في سوق التأمين العراقي، وبدونهما يصبح استمرار الاتفاقيات، وحتى مستقبل شركة إعادة التأمين العراقية، معرضاً للخطر ما لم تلجأ الشركة إلى تفعيل "خطة طوارئ."  هذا بافتراض وجود مثل هذه الخطة.

إنه لأمر مُسرّ أن تستعد وتتداول شركة التأمين الوطنية مع شركة إعادة التأمين العراقية حول تجديد الاتفاقيات لسنة 2020، إذ أن هذا التحرك من قبل التأمين الوطنية سيضمن استمرار حماية الإعادة العراقية من التدهور كما يضمن استمرار الحماية الإعادية لشركات التأمين الخاصة.  إن هذا التحرك المبكر سيوفر فرصة للإعادة العراقية، وبمعاونة من التأمين الوطنية[2]، لإعداد الأوراق المناسبة حول الأوضاع الاقتصادية للسنة الاكتتابية 2017-2018 وتأثيراتها السلبية على نمو الأقساط خلال 2019، ورسم التوقعات لنمو الأقساط خلال 2020.  وكذلك إعداد ورقة شاملة تضم، على سبيل المثل، إحصائية حول الزلازل ومدى تأثيرها أو عدم تأثيرها على المشاريع الإنشائية والمنشآت القائمة، وخسائر الحريق والانفجارات وأسبابها وإجراءات منعها، ومصادر الطلب التقليدية والجديدة على الحماية التأمينية، وآثار دمج التأمين العراقية بالتأمين الوطنية (بافتراض أن الدمج سينفذ)، وموقف الحكومة من قطاع التأمين وغيرها من المواضيع، ومراقبة أنشطة شركات التأمين من قبل ديوان التأمين.

إن إعداد مثل هذه الورقة، وباللغة الإنجليزية إن كان ذلك ممكناً، هو أفضل من ارتجال الكلام في اجتماعات تجديد الاتفاقيات مع المعيد القائد، كما كان يحصل في الماضي.  إن الخطاب الإنشائي لمدراء الإعادة العراقية، أو لرئيس ديوان التأمين، ليس بديلاً عن تقديم الإحصائيات المدروسة وتحليل واقع صناعة التأمين في العراق ورؤية الإعادة العراقية لدورها في سوق التأمين العراقي وآفاق تطوير السوق.  ولعله من المناسب أن تقوم الإعادة العراقية بالتنسيق مع مستشارها ومع الوسيط القائد، أو مجموعة الوسطاء الثلاثة للإعادة العراقية، للحصول على بعض التوجيهات استعداداً لمفاوضات التجديد.  ولا أظن أن مجموعة الوسطاء ستبخل بتقديم المساعدة التي تتوخاها الإعادة العراقية.

هذه المقاربة "الجديدة" المقترحة للاستعداد لمفاوضات تجديد الاتفاقيات ستعكس صورة أفضل عن الجدية المهنية والعلمية لدى الإعادة العراقية والتأمين الوطنية، وكذلك ديوان التأمين، أمام معيد التأمين القائد.  وهي أيضاً فرصة لدى الشركتين لاستبطان عملية التفكير بالأرقام والأفكار ورصد الواقع التأميني في تجلياته المختلفة وتحليله (واقع المنافسة، أداء شركات التأمين العامة والخاصة المنضوية تحت اتفاقيات الإعادة العراقية ومدى التزامها بإسناد كامل أعمالها للاتفاقيات، متانة وفاعلية رقابة ديوان التأمين على أعمال شركات التأمين وخاصة في مجال إعادة التأمين، التقدم الحاصل في مجال التدريب المهني واللغوي وبناء الكوادر، بعض التحديات التي يواجهها قطاع التأمين العراقي، مدى التقدم في مشروع تغيير بعض أحكام قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 وغيرها).

لعل الأهم عند التفكير بالأرقام هو تقديم شركة إعادة التأمين العراقية، لوحدها أو بالتعاون مع شركة التأمين الوطنية، لرؤية تفسر البون الشاسع بين حجم أقساط التأمين المكتتبة وحجم ميزانية الدولة العراقية خلال السنوات الماضية، وتحديداً حجم استيرادات الدولة، واستيرادات القطاع الخاص أيضاً، وحجم الاستثمارات الأجنبية، وحجم الانفاق على المشاريع الإنشائية.  هل أن هذه لم تكن موضوعاً للتأمين داخل العراق، أم أن تأمينها تسرّب للخارج بفضل قانون الاستثمار الاتحادي وقانون الاستثمار في إقليم كوردستان-العراق، وبفضل الفجوات الموجودة في الأمر رقم (19) قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005؟  أظن بأنه قد آن الأوان لمواجهة الحكومة العراقية بهذا الشأن.

إن اجتماعات تجديد الاتفاقيات فرصة للإعادة العراقية لتقديم قائمة بالتمنيات لمعيد التأمين القائد لتعريفه بما تتوقع الإعادة العراقية وترغب في تحقيقه في الفترة القادمة، ولنقل فترة تمتد من 3-5 سنوات، قائمة على تمحيص دقيق لواقع الإعادة العراقية وسوق التأمين العراقي، مرسومة بعيداً عن لغة الشعارات والكلام الإنشائي.  على سبيل المثل، أنها ترغب بزيادة نسبة احتفاظها من الأخطار المسندة إليها، وتتمنى على المعيد القائد تفهّم هذه الرغبة، أوقل سياسة، تعمل الإعادة العراقية على تحقيقها بالتعاون مع المعيد القائد.  مثل هذه السياسة تفترض أن الإعادة العراقية والمعيد القائد متفقان على استمرار علاقتهما التعاقدية.  إن ضمان استمرار العلاقة كفيل بتخطي صعوبات معينة وتقديم الدعم المناسب لأعمال الإعادة العراقية.

والشيء ذاته يمكن أن يقال عن ديوان التأمين الذي حضر رئيسه بالوكالة اجتماعات تجديد الاتفاقيات أوائل كانون الأول 2018، وقدم رؤية إيجابية لواقع سوق التأمين العراقي.  ولكن، ما الذي قدمه ديوان التأمين لقطاع التأمين منذ ذلك الوقت؟  هذه مناسبة لعرض الأفكار والوعود (أو التمنيات) التي قُدّمت، وما أنجز منها، وأسباب تأخر انجاز غيرها.

ولعله من المفيد أن تفكر إدارة الإعادة العراقية بتشكيل الوفد المفاوض لاجتماعات تجديد الاتفاقيات، إذ أنه ليس ضرورياً إرسال وفد كبير.  أقول هذا لأن التجربة في العقود الماضية تشهد على اقتصار وفد التفاوض على شخصين فنيين ودون أن يكون المدير العام أحد أعضاء الوفد.  لقد كان هذا الترتيب سائداً في شركة التأمين الوطنية أيضاً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

عندما يحين وعد عقد اجتماعات تجديد اتفاقيات شركة إعادة التأمين العراقية آمل أن تكون الإحصائيات الخاصة بالأقساط المكتتبة والتعويضات المسددة والموقوفة وغيرها من البيانات تكون قد اكتملت.  أقول هذا لأن إحصائية نشاط شركات التأمين العاملة بالعراق لسنة 2017-2018 التي تصدرها جمعية التأمين العراقية لم تنشر حتى وقت كتابة هذه الورقة رغم أن شركات التأمين تغلق حساباتها، رسمياً، مع انتهاء السنة التقويمية.  (أنا موعود بأن نسخة منها سترسل لي حال نشرها).

21 أيلول 2019


[1] مصباح كمال، "تجديد اتفاقيات شركة إعادة التأمين العراقية وشركات التأمين الخاصة،" مجلة التأمين العراقي ومرصد التأمين العراقي.


[2] المدير العام وكالة لشركة التأمين الوطنية تدير شركة التأمين العراقية أيضاً.  كان هناك مشروع لدمج الشركتين لكننا صرنا لا نسمع شيئاً عن مآل هذا الدمج.

2019/08/20

Interrogating the Role of Central Bank of Iraq & Takaful Insurance Company




مصباح كمال

نشرت هذه الورقة أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:



الإعلان عن شركة التأمين التكافلي

أعلن المكتب الإعلامي للبنك المركزي العراقي بتاريخ 23 حزيران 2019 "عن شروعه بتأسيس شركة التأمين التكافلي الخاصة بالمصارف الاسلامية بالتعاون مع ديوان التأمين وبرأس مال قدره (15) مليار دينار بمشاركة جميع المصارف الاسلامية.

ويؤكد البنك المركزي ان هذه الخطوة ستمهد لانتقاله اخيرة نحو اسواق رأس المال الاسلامية من خلال اصدار قانون صكوك الاستثمار استكمالا لحلقات الاقتصاد الاسلامي في العراق.

يذكر أن هذه الشركة خاضعة لقانون تنظيم أعمال التأمين رقم (10) لعام 2005 وقانون المصارف الاسلامية رقم (43) لسنة 2015."[1]

قبل بضع سنوات كان هناك حديث بين بعض إدارات شركات التأمين حول الاستفادة من تأسيس نوافذ للتأمين الإسلامي فيها، لكن هذا الحديث لم يثمر عن نشر دراسة عن الموضوع، ولا قام ديوان التأمين بالبحث فيه.  ترى هل أن البنك المركزي عرض مشروع الشركة التكافلية للنقاش المفتوح العام، وهل تم الاستئناس برأي أركان التأمين في العراق؟

فيما يلي سأثير بعض التساؤلات والملاحظات وأرجو من العارفين ببواطن الأمور تعديل وتصحيح ما أخطأت فيه من معلومات ومن قراءة للقوانين، والمساهمة في إجلاء خلفيات تأسيس البنك المركزي لشركة تأمين تكافلي.

هل هناك أساس قانوني لقيام البنك المركزي بتأسيس شركة تأمين إسلامية؟

أول ما يلفت النظر في هذا الإعلان هو أن البنك المركزي العراقي أخذ على عاتقه تأسيس شركة التأمين التكافلي.  يعني هذا أن البنك، وليس الرأسماليون الإسلاميين كما جرت العادة في دول أخرى، هو الذي يقوم بتأسيس شركة تأمين تكافلية (أقرأ إسلامية).  لماذا؟

لا يرد في الأمــر رقـم (56)، قـانـون البنـك المـركـزي لسنة 2004 الصـادر عـن سلـطة الائتـلاف المـؤقتـة ذكر للتأمين أو التأمين التكافلي، فما هو الأساس القانوني لقيام البنك بتأسيس شركة للتأمين التكافلي؟

تجيز المادة (4) (مهام البنك)، البند 2، للبنك "أن يتخذ الإجراءات التي يراها ضرورية للقيام بالآتي: (أ) مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب (ب) وضع القواعد المنظمة لعمل شركات الإقراض وشركات تقديم القروض الصغيرة وأية مؤسسات مالية غير مصرفية لا تخضع للتنظيم بموجب القانون العراقي، والإشراف عليه."

لاحظ أن التأمين ليس مذكوراً في هذه المادة.  أما "أية مؤسسات مالية غير مصرفية لا تخضع للتنظيم بموجب القانون العراقي" ومنها، كما نعتقد، شركات التأمين فإنها تخضع للتنظيم بموجب أحكام الأمر رقم (10)، قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، وهي تغطي شركات التأمين التكافلي كما جاء في المادة 104 من هذا الأمر:

المادة-104- يصدر رئيس الديوان أنظمة داخلية لتنظيم مؤسسات التكافل وإعادة التكافل وترتيبات التأمين وإعادة التأمين الاسلاميين.

لذلك لا يمكن التعكز على "أية مؤسسات مالية غير مصرفية ..." لتبرير ولوج البنك المركزي لمجال التأمين، ويظل التساؤل عن الأساس القانوني لقيام البنك المركزي بتأسيس شركة تأمين إسلامية قائماً.

ضوابط التكافل

لماذا لم يصدر رئيس ديوان التأمين ضوابط التكافل وهو الذي قام بإصدار العديد من التعليمات وفق أحكام الأمر رقم 10 قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005؟  ألا يمتلك رئيس الديوان وطاقمه من الموظفين المؤهلات الكافية لإصدار الأنظمة الخاصة بعمل مؤسسات التكافل وإعادة التكافل؟  ولماذا قام البنك المركزي بأداء هذه الوظيفة التي يجب أن تكون، بقوة القانون، من مسؤولية ديوان التأمين؟

لعل الجواب، أو بعضه، يكمن في خلق جهازين للإشراف على شركات التأمين التكافلي.  لنقرأ ما جاء في المادة 22 في ضوابط التكافل رقم (1) لسنة 2019 الصادرة من البنك المركزي العراقي، دائرة مراقبة الصيرفة، قسم مراقبة المصارف الإسلامية، شعبة التعليمات والضوابط:

المادة (22) البنك وديوان التأمين
للبنك ولديوان التأمين التعاون في مجال إصدار التعليمات والضوابط لتطبيق معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومعايير مجلس الخدمات المالية الإسلامية حيث تعتبر هذه المعايير ملزمة لشركات التكافل، ويكون للبنك صلاحية متابعة التزام المصارف الإسلامية وشركات التكافل التابعة لها بالمعايير المذكورة.

فبدلاً من أن يكون ديوان التأمين مسؤولاً عن الإشراف والرقابة على التزام شركات التأمين التكافلي بالمعايير الخاصة بالتكافل تتحول هذه المسؤولية للبنك فله "صلاحية متابعة التزام المصارف الإسلامية وشركات التكافل التابعة لها بالمعايير المذكورة."  ويفهم من هذا أن شركات التأمين التكافلي هي امتداد للمصارف الإسلامية وبالتالي فهي تخضع لرقابة البنك المركزي (الذي لا يقوم نظامه على أساس ديني، حتى الآن).  وهذا رغم الفرق الكبير بين آليات عمل المصارف وشركات التأمين وخاصة في مجال التعامل مع الأخطار التي تواجهها.  ويكفي هنا الإشارة إلى أن القواعد التنظيمية المطبقة عالمياً لا تجيز أن يجمع المنظم regulator بين وظيفة التنظيم والمؤسسة التي يشغلها أو يديرها أو ساهم في تأسيسها لأن في ذلك تضارباً في المصالح conflict of interest.

ونكرر السؤال لماذا أقحم البنك المركزي العراقية نفسه بمجال التأمين؟

ربما يعود السبب في ذهن من كان يقف وراء تأسيس شركة التأمين التكافلي إلى استقلالية البنك المركزي وصعوبة إثارة الشك حول دوافع انشغاله في تأسيس شركة تأمين إسلامية.  لكن هذه الاستقلالية لا تبرر له ولوج مجال التأمين، ولا تحميه من النقد، فالبنك لم يكن وليس معنياً بالتأمين، ومهمته الأساسية تنحصر في إدارة السياسة النقدية كما يرد في قانون تأسيسه.

هل هناك ضرورة لتأسيس شركات تأمين جديدة؟

ليس هناك ضرورة اقتصادية، في الوقت الحاضر، لقيام شركات تأمين تجارية أو تكافلية فسوق التأمين العراقي متخم بعدد كبير من الشركات (أكثر من ثلاثين شركة) تتنافس بشراسة وعلى حساب الأسس الفنية ونوعية الخدمات للاستحواذ على كعكة التأمين الصغيرة في العراق (بضع مئات الألاف من الدولارات).  فكيف تفتق ذهن القائمين على والمستفيدين من شركة التأمين التكاملي لحشر البنك المركزي بهذا النشاط؟

بعض الجواب نجده في الإعلان:

ويؤكد البنك المركزي ان هذه الخطوة ستمهد لانتقاله اخيرة نحو اسواق رأس المال الاسلامية من خلال اصدار قانون صكوك الاستثمار استكمالا لحلقات الاقتصاد الاسلامي في العراق.

إن الضرورة الاقتصادية ليست قائمة، وعرض حماية التأمين حالياً يفيض عن الطلب الفعلي على الحماية.  نحن إذاً إزاء تأسيس اقتصاد إسلامي في العراق، ربما سيشمل في وقت لاحق أسلمة البنك المركزي نفسه والركاز النفطي والغازي، وليس تطوير صناعة التأمين بل إضفاء طابع ديني عليها.  لقد فشلت حكومات ما بعد 2003، وهي حكومات إسلامية إثنية قائمة على المحاصصة والفساد، في حل معضلات الاقتصاد العراقي.  في البدء كان الحل السحري، وما يزال، متمثلاً في الدعوة إلى تقزيم دور الدولة والسير وراء إملاءات المؤسسات المالية الدولية؛ والآن لدينا حل سحري آخر هو الاقتصاد الإسلامي الذي يشكل تدخل البنك المركزي في تأسيس شركة تأمين تكافلي أحد حلقات هذا الاقتصاد – كما جاء في إعلان المكتب الإعلامي للبنك.  ألم يكن أحرى بالبنك المركزي ومستشاروه، وديوان التأمين كذلك، أن يساهم بإعادة النظر بالأمر رقم (10) قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 بدلاً من الإسراع لإصدار ضوابط التكافل رقم (1) لتأسيس شركة التأمين التكافلي؟

من يقف وراء تأسيس شركة التكافل؟

من حقنا أن نسأل من يقف وراء تأسيس شركة التكافل الإسلامي، خاصة وأن قواعد مكافحة غسيل الأموال يتطلب معرفة مصادر الأموال.  نقرأ في الإعلان عن مشاركة جميع المصارف الإسلامية في الشركة.  ونفهم من هذا مشاركة هذه المصارف في رأسمال الشركة.  لكن هذا لا يجيب على تساؤلنا المشروع.

لقد وجدت الطبقة السياسية الإسلامية في التكافل فرصة لاستثمار أموالها غير معروفة المصدر (نقرأ عن المليارات التي سرقت من ثروة العراق منذ 2003 أو تكونت من خلال اعمال مشبوهة كتلك التي كان يقوم بها الحاج حمزة الشمري الضليع في العديد من الأنشطة ومنها ما يسمى بالاستثمارات "السياحية"، حسب ما جاء في الأخبار[2]).  هل سيكون التكافل الآلية القانونية المناسبة لإعادة تدوير بعض هذه المليارات (وهو شكل من أشكال غسل الأموال).

التأمين الإسلامي والانعزال

من المآخذ على التأمين التكافلي انعزاله عن التأمين التجاري رغم أن مبدأ الربح ينتظم عملهما، وهما بهذا التوصيف يشتركان في كونهما نشاطاً رأسمالياً، رغم أن التأمين التكافلي يستخدم آليات التأمين التجاري تحت مسميات تبدو في ظاهرها جديدة كتسمية قسط التأمين بالتبرع، والأقساط المكتسبة بالاشتراكات المكتسبة.

إن فكرة عزل ما هو إسلامي من الاقتصاد والمجتمع هو من الإرث الفكري للباكستاني أبو الأعلى المودودي وتابعيه في العالم العربي (من أشهرهم سيد قطب مؤلف كتاب جاهلية القرن العشرين)، وقد تجلّى ذلك بتأسيس أول شركة تأمين إسلامية في السودان بتمويل سعودي سنة 1979، وكانت الشركة واضحة في توجهها الإيديولوجي بالتأكيد على أن تأسيس الشركة هو جزء من مشروع أسلمة المجتمع.  ويجد هذا العزل انعكاسه في المادة 20 من ضوابط التكافل رقم (1) لسنة 2019:

المادة (20) إعادة التكافل
يتعين على الشركة أن تجري أعمال إعادة التأمين لدى شركات إعادة التكافل وفي حال تعذر وجودها يتم اللجوء إلى أسلوب الشراكة بالمخاطر وذلك باشتراك شركات تكافل أخرى في التأمين على المخاطر التي تفوق القدرة الاستيعابية للشركة وفي حال تعذر ذلك يتم اللجوء إلى إعادة التأمين لدى شركات إعادة التامين التجاري وبموافقة هيئة الرقابة الشرعية.

وهكذا فإن إعادة التكافل هنا يظل محصوراً مع شركات إعادة التكافل، وفي غياب مثل هذه الشركة يجري تغطية الأخطار التي تكتتب بها شركة التكافل من خلال الشراكة co-insurance وبعدها فقط يتم اللجوء إلى إعادة التأمين التجاري، وهو ما يتساوق مع قاعدة الضرورات تبيح المحظورات.

بسبب هذه المادة سوف لن تستطيع شركة التكافل اللجوء إلى شركة إعادة التأمين العراقية.  أغلب الظن أن شركة التأمين التكافلي ستلجأ إلى إيران حيث أن جميع شركات التأمين وإعادة التأمين فيها قائمة، نظرياً، على أسس إسلامية؛ أو إلى شركات تكافلية في الخليج أو ماليزيا.

رجوعاً إلى فكرة الانعزال فإنه مطلب مهم للإسلاميين للتمهيد للتحول نحو الاقتصاد الإسلامي.  وبالنسبة للنشاط التأميني في العراق فإن إسلامية التأمين قد تتحول إلى وسيلة للترغيب بهذا التأمين وفي ذات الوقت وسيلة للترهيب من التأمين غير الإسلامي.  وإن تحقق ذلك فإنه يضيف شرخاً جديداً للتنافر في العراق.

ملاحظة حول ترخيص شركات التكافل والرقابة عليها

لكي تستطيع مزاولة أعمال التأمين يتعين على مؤسسي شركة التكافل الحصول على ترخيص من ديوان التأمين (المادة 2 من ضوابط التكافل) مع اشتراط مراعاة الشركة "في عقد تأسيسها ونظامها الأساسي الأحكام الواردة في هذه الضوابط ومتطلبات وصف المهن لأعضاء هيئة الرقابة الشرعية الخاصة بالشركة."  لكن الشركة لا تخضع لإشراف الديوان حصراً ذلك لأن ضوابط التكافل تؤسس لنمطين للوظيفة الإشرافية والرقابية على النشاط التأميني: أحدهما لشركات التأمين غير الإسلامية (التي تخضع لإشراف لديوان التأمين)؛ والآخر لشركات التأمين الإسلامية (التي تخضع لإشراف مزدوج من الديوان والبنك المركزي باعتباره المشرف والرقيب على المصارف الإسلامية المشاركة في شركة التأمين التكافلي)[3].

هل كان البنك المركزي مهتماً بقطاع لتأمين؟

لم يعرف عن البنك المركزي العراقي اهتمامه بقطاع التأمين، وما رصدناه أحياناً من تصريحات منقولة عن محافظ البنك المركزي وكالة وجدناها لا ترقى إلى مستوى رفيع من الدراية بالنشاط التأميني وتاريخه في العراق.[4]  وهو لم يكن معنياً بخلق سوق وطني اتحادي للتأمين، ولم يقم بدراسة نقدية لقانون تنظيم أعمال التأمين رقم (10) لسنة 2005 بهدف تحسينه وتخليصه من المثالب.  والمستغرب أن ضوابط التكافل رقم (1) لسنة 2009 التي قام بإصداره تشير في التعريفات إلى هذا القانون الذي أضرَّ بقطاع التأمين العراقي، كم أجمع عليه العديد من ممارسي التأمين في العراق.

اعتماداً على ما جاء في هذا العرض أتمنى أن يقدم ديوان التأمين، وكذلك جمعية التأمين العراقية، موقفهما تجاه lوضوع تأسيس البنك المركزي لشركة التأمين التكافلي.  كما أتمنى أن أقرأ رأي العاملين والعاملات في شركات التأمين العراقية، العامة والخاصة، ذلك لأن آثار تأسيس هذه الشركة ستمتد لتشمل مكانة وعمل الشركات غير الإسلامية.


14 آب 2019


[1] لقراءة النص الكامل لهذا الإعلان راجع: https://cbi.iq/news/print_news/1160
أشكر الزميل د. عامر هرمز على إرسال رابط هذا الإعلان وكذلك رابط ضوابط التكافل رقم (1) لسنة 2019.

[3] ضوابط التكافل رقم (1) لسنة 2019، المادة (22) البنك وديوان التأمين:
للبنك ولديوان التأمين التعاون في مجال إصدار التعليمات والضوابط لتطبيق معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومعايير مجلس الخدمات المالية الإسلامية حيث تعتبر هذه المعايير ملزمة لشركات التكافل، ويكون للبنك صلاحية متابعة التزام المصارف الإسلامية وشركات التكافل التابعة لها بالمعايير المذكورة.

(المادة) 24 متطلبات إضافية "فيما لم يرد بشأنه نص في هذه الضوابط تخضع شركات التكافل إلى قانون تنظيم أعمال التامين رقم (10) لسنة 2005 وقانون المصارف الإسلامية رقم (43) لسنة 2015 والتعليمات والضوابط الصادرة بموجبه وكذلك القوانين والمعايير الدولية ذات الصلة مالم تخالف مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية."
[4] راجع: مصباح كمال، "محافظ البنك المركزي العراقي وقطاع التأمين،" موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين: