إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2018/11/04

Insuring Iraqi Exports




نشرت هذه المقالة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:


تقديم

ترجع خلفية هذه المقالة القصيرة إلى تعليق كتبته حول "رسالة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء المكلف، للأستاذ فاروق يونس في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين.[1]  وقد استثار هذا التعليق اهتمام الصحفي السيد مصطفى الهاشمي، جريدة الصباح البغدادية، فكتب لي بتاريخ 17 تشرين الأول 2018 طالباً الإجابة على أسئلته حول موضوع تأمين الصادرات.  وقد استفاد من إجاباتي في كتابة مقالة مختصرة عن الموضوع، نشرت في جريدة الصباح بتاريخ 21 تشرين الأول 2018 تحت عنوان "دعوة لطرح وثائق لتأمين الصادرات العراقية."

بعد قراءتي لما نشر في الصباح وجدت أنه من المناسب نشر إجاباتي بالكامل لفائدة من يعنيهم الموضوع.

مصباح كمال
1 تشرين الثاني 2018


مصطفى الهاشمي: قرأت باهتمام ردكم على الاستاذ فاروق يونس بشأن موضوع تأمين الصادرات العراقية، وتبادر الى ذهني السؤال التالي:

·    هل تمتلك شركات التأمين (العامة والخاصة) في العراق القدرة على اصدار مثل هذه الوثيقة وتغطية الاخطار التي أشرت اليها في معرض ردك على الاستاذ فاروق؟

لا أظن أن موضوع التأمين على الصادرات العراقية، على قلتها باستثناء النفط الخام، كان موضوعاً للمناقشة في العراق، في الماضي أو في الوقت الحاضر.  في تعليقي على ورقة الأستاذ فاروق يونس حاولت التفريق بين أنواع مختلفة من المخاطر التي قد تتعرض لها الصادرات العراقية لو قُيّض لها أن تكون موضوعاً للتأمين.  ولذلك فقد سألت: ما هي بعض الأخطار التي قد تتعرض لها الصادرات؟  وذكرت التالي:

التأمين على الصادرات كممتلكات

-       أخطار تتعلق بخزن المنتجات الزراعية والصناعية في العراق قبل شحنها كصادرات.
-    أخطار أثناء المناولة والنقل، البري أو الجوي أو البحري، من المخزن داخل العراق إلى الحدود العراقية أو إلى المخزن داخل الدولة المستوردة.

هذه الأخطار يمكن أن تكون موضوعاً للتأمين من خطر الحريق والفيضان وغيرها من أخطار الطبيعة والبشر، وكذلك التأمين من أخطار النقل البري أو الجوي أو البحري.  ويمكن التوسع في التأمين ليشمل خطر أعمال الشغب والاضطرابات والأعمال الإرهابية.

إن التأمين على هذه الأخطار متوفر في العراق من خلال شركات التأمين العامة والخاصة.  لذلك فليست هناك حاجة لتأسيس شركة عامة مختصة بتأمين الصادرات العراقية من هذه الأخطار.

التأمين على الصادرات من الأخطار السياسية

وكتبتُ بأن الأستاذ فاروق يونس ربما لم يفكر بالتأمين على الصادرات كممتلكات مادية.  ترى هل أنه كان يفكر بتأمين ما يُعرف بالأخطار السياسية political risks insurance؟  ومنها على سبيل المثل ما قد يتعرض له المُصدّر العراقي خارج العراق إلى خطر المصادرة، أو عدم قدرة المُصدِّر على تحويل عوائده بالعملة الصعبة إلى العراق، أو خطر الإخلال بعقد التصدير من قبل الطرف المستورد.

ليس لدينا في العراق في الوقت الحاضر شركة تُعنى بحماية المُصدّر العراقي من الأخطار السياسية.  ربما يستطيع المُصدّر اللجوء إلى المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (مقرها الرئيسي في الكويت) وربما غيرها من مؤسسات أجنبية مختصة لحين تأسيس شركة عراقية مختصة بالتأمين على مثل هذه الأخطار.

التأمين على مخاطر الائتمان التجاري

هناك نوع من التأمين يُعرف بالتأمين على الائتمان التجاري للشركات trade credit insurance وهو يغطي الشركات من خطر عدم دفع قيمة البضائع أو الخدمات التي تبيعها الشركات بسبب الإفلاس أو العجز المالي أو الاضطرابات السياسية، إلخ.  فيما يلي تعريف منقول بتحوير من جمعية متخصصة بتأمين الائتمان التجاري:

ينصبُّ تأمين الائتمان التجاري على حماية المصدرين (الموردين) ضد مخاطر عدم دفع قيمة السلع أو الخدمات من قبل المشتري (المستورد).  قد يكون هذا المشتري مواطناً أو مقيماً في نفس البلد الذي يوجد فيه المُصدّر (خطر تجاري محلي) أو موجوداً في بلد آخر (خطر تجاري خارجي ينشأ من التصدير).

ويغطي هذا التأمين عدم الدفع نتيجة لإفلاس المشتري، أو عدم الدفع بعد انقضاء عدد متفق عليه من الأشهر بعد تاريخ الاستحقاق protracted default.

وقد تضمن وثيقة التأمين أيضاً مخاطر عدم السداد بعد وقوع حادث خارجة عن سيطرة المشتري أو البائع (غطاء المخاطر السياسية)؛ على سبيل المثل، خطر عدم إمكانية تحويل الأموال من بلد إلى آخر (أنظر تحت عنوان التأمين على الصادرات من الأخطار السياسية أعلاه).

لا يوجد في العراق شركة تأمين، أو مؤسسة مماثلة، مختصة بالتأمين على مخاطر الائتمان التجاري، وحسب علمي ليس هناك تفكير مُنظّم بشأن هذه المخاطر والمبادرة، من قبل الدولة أو القطاع الخاص، دونكم التفكير بتأسيس كيان مختص ليقوم بتوفير حماية تأمينية لتجارة الصادرات.


·    في حال اصدار مثل هذه الوثائق .. هل تعتقدون انها ستدعم المنتجين في قطاعات الصناعة والزراعة؟

إن الجواب السريع على هذا السؤال هو أن التأمين، بأشكاله المختلفة التي عرضناها باختصار، يدعم الشركات المنتجة في قطاعات الزراعة والصناعة، وذلك من خلال تعويض الشركات عن الخسائر المالية التي قد يتعرضون لها في تعاملاتهم التجارية.

السؤال الذي يرد في البال هو: هل أن هذه الشركات واعية بما يكفي بالمخاطر التي قد تتعرض لها وتتحوط منها من خلال تطبيق أدوات إدارة الخطر ومنها الإقبال على شراء وثائق التأمين المناسبة؟  ومن باب الاستطراد، هل قامت شركات التأمين العامة أو الخاصة بتطوير وثائق التأمين المناسبة لتلبية الحاجة الكامنة للتحوط من مخاطر تجارة الصادرات؟  وهل قامت بالاتصال والتنسيق، منفردة أو من خلال جمعية التأمين العراقية، مع غرفة تجارة بغداد وغيرها من غرف التجارة والاتحادات المختصة بالتجارة والزراعة والصناعة؟

وقبل هذا أو ذاك من الأسئلة علينا أن نعرف حجم الصادرات العراقية الزراعية والصناعية (عدا النفط، وهو موضوع يحتاج إلى دراسة مستقلة، ويمكن القول، عموماً، بأن مسؤولية المُصدّر العراقي، سومو، تنتهي في لحظة انتقال النفط من الخزانات إلى السفينة الناقلة وبموجب عقود البيع التي قد تتضمن تفاصيل أخرى لا معرفة لنا بها).

·       باعتقادكم .. ماهي ابرز ما يعيق تنفيذ هذا الاجراء كدعم للمنتجين العراقيين؟

يمكن الاستفادة من الجواب السابق.  الإعاقة هي في نقص التفكير من قبل جميع المؤسسات المعنية، العامة والخاصة، بتطوير الصادرات العراقية (تاريخياً، كان المنتج الزراعي الأساسي في تجارة التصدير هو التمور.  في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حتى 1958، كانت هذه التجارة حكراً على شركة إنجليزية، أندرو ويير Andrew Weir، بموجب اتفاق مع جمعية التمور العراقية.  وفي فترات أخرى كان هناك تصدير لبعض السلع الجلدية والصناعية الصغيرة الخفيفة.  صرنا الآن نستود التمور وحتى الطماطم ومياه الشفة!).

الإعاقة تكمن في غياب المشروع الوطني لتنمية الاقتصاد العراقي.

مصباح كمال
17 تشرين الأول 2017



2018/09/23

Damage to Arshak's Studio and the British Embassy 1958: a note on fire insurance coverage


المصور آرشاك والسفارة البريطانية والتأمين 1958:
هامش على غطاء وثيقة التأمين من الحريق


نشرت هذه الورقة أصلاً في موقع History of Iraq


خلفية الموضوع

اثنان من إخواني لهما اهتمام كبير بتاريخ عائلتنا، وبين الحين والآخر يقومان بتوزيع كتاباتهما بهذا الشأن على من بقي من أفراد العائلة على قيد الحياة.  ومما كتبه مؤخراً أصغر إخوتي، ورقة بعنوان "صورة لن تُمحى من ذاكرة العائلة: قرن من الزمان على صورة فوتوغرافية"[1]، وكانت المناسبة هي "مرور (100) مائة عام على الصورة الفوتوغرافية لوالدنا (غازي عسكر) مع أخيه (أكبر)، والكتابة على الصورة من قبل والدنا تشير انها التقطت سنة 1918م أي بعد احتلال العراق ودخول القوات البريطانية إلى بغداد في 11 آذار 1917م."

ويضيف إلى ذلك أن الصورة أخذت في دارهما ببغداد – محلة البارودية، وأن "عمنا (أكبر- أبو وحيد) كان يعمل مصوراً، وربما كانت تربطه صلة معرفة بالمصور الاهلي كونه مصوراً ولقرب سكنه من محل التصوير، أو عمل عنده قبل أن يرحل إلى خانقين.. لذلك نستطيع القول بأن احتمالية التقاط الصورة كانت من قبل المصور الأهلي أبو قدري."[2]


ضمت الورقة مقطعاً بعنوان "المصور آرشاك وشركة التأمين" جاء فيه ما يلي:

من المصورين الذين دونوا تاريخ العراق إضافة إلى المصور الأهلي، المصور آرشاك وكان محله بمدخل حافظ القاضي في شارع الرشيد، وعند قيام انقلاب 14 تموز 1958 حُطم محل ارشاك تحطيما شاملا من قبل الجماهير الثائرة ضد الحكم الملكي ولما استقر الوضع راجع شركة التأمين كونه مؤمنا على محله لديها لكن الشركة رفضت تعويضه لوجود فقرة بأن الشركة غير ملزمة بالدفع لأي محل أو دار أو شركة تتعرض لأعمال شغب أو هيجان شعبي وبما ان محل المصور ارشاك تعرض لمثل هذا الأعمال فإن شركة التأمين لم تدفع أي مبلغ وغير مُلزَمة لتعويضه على ما جرى لمحله."

وقد طلب مني أخي في ورقته بيان موقف التأمين من أعمال الشغب.

كما هو معروف فإن موقع استوديو آرشاك كان قريباً من ساحة حافظ القاضي، واشتهر آرشاك بالتقاط صور ملوك العراق وشخصيات عراقية عديدة.  وقد التقط صورة عائلية تجمع بين والدينا واثنين من أخوتنا في نيسان 1941.


أستوديو آرشاك والتأمين

تعرض استوديو آرشاك، كما جاء في الاقتباس أعلاه، إلى تخريب من قبل "الجماهير الثائرة" في 14 تموز 1958.  قوبلت مطالبة آرشاك لشركة التأمين بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالاستديو بالرفض من شركة التأمين لاستثناء شركة التأمين لأعمال الشغب أو الهيجان الشعبي من وثيقة التأمين.

لا نعرف اسم الشركة التي قامت بالتأمين على أستوديو آرشاك أو نوع وثيقة التأمين الخاصة بالأستوديو ولكننا نفترض بأنها كانت وثيقة للتأمين من الحريق اعتماداً على ذكر أعمال الشغب والهيجان الشعبي (الاضطرابات الأهلية).

تعتمد الملاحظات التالية على قراءة ما يُعرف بشروط وثيقة الحريق النموذجية Standard Fire policy وكانت، وما تزال، شركات التأمين العاملة في العراق تستخدم هذه الوثيقة، ومصدرها الوثيقة النموذجية البريطانية بذات الاسم، وكانت من إعداد لجنة مكاتب الحريق في لندن Fire Offices Committee (تأسست اللجنة سنة 1858 وتوقفت أوائل ثمانينيات القرن الماضي مع تأسيس جمعية شركات التأمين البريطانية سنة 1985 Association of British Insurers).

إن الغطاء الأساسي لوثيقة الحريق النموذجية توفر الضمان من:

الحريق، سواء نشأ عن انفجار أو غيره، الصاعقة، سواء نشأ عنها حريق أو لم ينشأ، انفجار المراجل المنزلية، انفجار الغاز المستعمل لأغراض منزلية أو للتدفئة أو للإضاءة.[3]

إن الأضرار التي لحقت بأستوديو آرشاك لا تندرج ضمن الأخطار المذكورة، وهذا سببٌ كافٍ لرفض المطالبة بالتعويض لانتفاء قيام حريق أو انفجار أو صاعقة (وثيقة تأمين الحريق تُصنّف ضمن وثائق التأمين التي تغطي أخطاراً محددة بالاسم، أي أنها ليست من نمط وثيقة تأمين جميع أخطار الممتلكات التي لا تُسمّي الأخطار التي تغطيها).  إن الخطر المسبب للأضرار هنا هو أعمال الشغب أو الهيجان الشعبي، وكلاهما يخضعان للاستثناء من وثيقة الحريق النموذجية.  يكتب الأستاذ بهاء بهيج شكري سنة 1960:

لا يعتبر غطاء وثيقة التأمين شاملاً للأضرار التي تسببها أو تساهم في تسببها بصورة مباشرة أو غير مباشرة أحد المخاطر التالية [هناك عدة استثناءات يذكرها المؤلف ومنها]:

الحرب، الغزو، أعمال العدو الأجنبي، العدوان والعمليات الحربية (سواء أعلنت الحرب أم لم تعلن)، التمرد، الاضطرابات، الهيجان الشعبي، العصيان، الثورة، الانقلاب، التآمر، القوة العسكرية أو البحرية أو اغتصاب السلطة، الأحكام العرفية، حالة الطوارئ، أو أي سبب يستدعي إعلان حالة الطوارئ أو استمرارها.[4] [التأكيد من عندي]

لا يَرِدُ هنا ذكر "الشغب" لكن المؤلف يُفصّل شروط تأمين هذا الخطر، كخطر إضافي يُلحق بوثيقة تأمين الحريق النموذجية لقاء قسط تأمين إضافي، كما يلي:[5]

الشغب Riot وتتحقق حالة الشغب إذا توافرت الشروط التالية:

‌أ-      اجتماع ثلاثة أشخاص أو أكثر.
‌ب-  أن يكون لهؤلاء الأشخاص غرض مشترك.
‌ج-   أن ينفذوا أو يشرعوا في تنفيذ غرضهم المشترك.
‌د-   أن يقصد كل واحد منهم معاونة الآخر ولو بالقوة عند الضرورة ضد كل من يقف حائلاً دون تنفيذ الغرض المشترك.
‌ه-   أن يصدر منهم القدر الكافي من العنف لإخافة شخص واحد على الأقل ممن يتصفون بالجرأة والشجاعة المعقولة.

لو كانت وثيقة الحريق النموذجية الخاصة بأستوديو آرشاك وثيقة تأمين بغطاء موسع يضمُّ تأمين المخاطر الخاصة Special Perils كالشغب والاضطرابات الأهلية التي يعرّفها الأستاذ شكري كالآتي:

يصف هذا المصطلح قيام مجاميع من الأشخاص بدوافع اجتماعية أو دينية أو طائفية أو عنصرية، أو على سبيل الاحتجاج على سياسة الحكومة، بإحداث نوع من الفوضى والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة بهدف إقلاق الراحة العامة ....[6]

لكان بإمكان السيد آرشاك استرداد كلفة الخسارة المادية التي لحقت بالأستوديو من جراء الشغب والاضطرابات الأهلية.  ويبدو من المعلومات القليلة التي وفَّرها أخي أن موقف شركة التأمين برفض المطالبة بالتعويض كان صحيحاً.

حالات أخرى

شهد تاريخ العراق العديد من حوادث الشغب والاضطرابات الأهلية والسرقات المصاحبة لها ومن بينها الفرهود (مصطلح عراقي صرف)، وأشهرها في زماننا فرهود حزيران 1941 الذي انصبَّ على المواطنين اليهود، وأحداث الشغب التي رافقت ثورة/انقلاب تموز 1958، والنهب والتدمير للممتلكات الخاصة والعامة الذي صاحب الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق نيسان 2003.

لم يخضع الجانب التأميني من هذه الحالات للتوثيق والبحث ربما بسبب انعدام المستندات الخاصة بها.  وقد سألت البعض عن هذه الحالات لكنني لم أحصل على جواب.  ولي محاولة متواضعة قمت بها أثناء كتابة ورقتي عن اليهود والتأمين في ذاكرة عزرا حكّاك.[7]  فقد سألت السيد عزرا الحكاك فيما إذا كانت بعض المحلات التجارية والبيوت التي تعرَّضت للفرهود في بغداد (2-1 حزيران 1941) مؤمنة ولكنه لم يستطع توفير الجواب لأنه كان وقتذاك في طهران.  لكن الصديق أميل كوهين الذي عرضتُ عليه قراءة مسودة مقابلتي مع الحكاك كتبَ التالي:

"حسب علمي لم تكن المحلات التجارية والبيوت التي تعرضت للفرهود مؤمنة وحتى لو كانت مؤمنة فأعتقد أن شركات التأمين ترفض إعطاء التعويضات على أساس أنه لم تكن هناك حكومة في يومي الفرهود، أي أن الدولة في حالة فوضى.  أتذكر أن السفارة البريطانية في بغداد تعرضت للحريق بعد مظاهرة شعبية عقب ثورة 14 تموز 1958 بكم يوم ورفضت شركة التأمين أن تعوض السفارة البريطانية او بالأحرى صاحب البناية.  فأقام صاحبها دعوى ضد شركة التأمين في إحدى المحاكم العراقية واستُدعِيَ والدي كشاهد خبير أمام المحكمة وكانت شهادته أن الثورة انتهت وأن البلد كان له حكومة مسيطرة على إدارة الدولة وليس هناك فوضى، وإن ما حصل ليس حرباً بل هو مظاهرة وهذا، حسب قواعد التأمين لدى شركة التأمين لا يعتبر حالة استثنائية.  وافقت المحكمة على شهادته وصدر القرار بتعويض صاحب المبنى."[8]

وقد كتبتُ التعليق التالي على ما كتبه أميل:

جرت العادة في التأمين غير البحري على الممتلكات (هناك شروط خاصة بالنسبة لغطاء الحرب في التأمين البحري) على استثناء "الحرب، الغزو، أعمال العدو الأجنبي، العدوان أو العمليات العسكرية (سواء أعلنت الحرب أو لم تعلن) والحرب الاهلية."  وكذلك "التمرد، الشغب، الهيجان الشعبي، الانقلاب العسكري، الفتنة، العصيان، الثورة، القوة العسكرية أو القوة الغاشمة أو حالة الحصار أو أي من الحالات أو الأسباب التي تدعو إلى إعلان أو استمرار حالة الحصار أو الأحكام العرفية."  وليس لنا أن نُقيِّمَ ونحكم على رأي الشاهد الخبير من دون التعرُّف على شروط وأحكام واستثناءات وثيقة التأمين.

حاولت الحصول على معلومات إضافية من أميل عن هذا الموضوع ودور والده للكشف عن الأبعاد التأمينية والكتابة عنه إلا أن ذاكرته لم تتعدَ ما كتبه.  وليس هناك الكثير عن المظاهرة أمام السفارة البريطانية والضرر الذي أصاب بعض المباني ومقتل الملحق العسكري للسفارة.  وقد استهديت إلى الكتاب التالي الذي يُقدّم وصفاً وتحليلاً لما جرى:

Juan Romero, The Iraqi Revolution of 1958: A Revolutionary Quest for Unity and Security (Lanham, MD and Plymouth, UK: University Press of America, 2010), pp 124-125.


معلومات إضافية حول تعرض السفارة البريطانية للحرق والنهب

بعد أن انتهيت من الكتابة لأخي عرضتُ ما كتبت على الزميل فاروق يونس لأنه صاحب ذاكرة قوية وله خزين هائل من المعلومات.  وقد أفادني بمعلومات مهمة لخَّصها في رسالتين.  كتبَ التالي في الرسالة الأولى (4 نيسان 2018):

قصة المصور ارشاك مع شركة التأمين واضحة في رسالتكم ولكن هناك قصة مماثلة حيث تعرضت السفارة البريطانية يوم ١٤ تموز ١٩٥٨ للحرق والنهب وقد طالب السفير البريطاني من الحكومة العراقية بالاعتذار والتعويض.  والذي حصل ان عبد الكريم قاسم لم يعتذر ولكنه وافق على التعويض وحصلت السفارة البريطانية آنذاك على مبلغ مناسب (انظر: العراق في مذكرات دبلوماسيين بريطانيين، ترجمة وتعليق خليل ابراهيم حسين الزوبعي بغداد ٢٠٠٢)

في رسالته الثانية بنفس التاريخ كتب التالي:

اليك ترجمة ما كتبه السير همفري تريفليان السفير البريطاني في بغداد في كتابه The Middle East In Revolution ص٤٣ وص٤٤

١٩٥٨-١٩٦١

(استغرقت مسألة التعويض عن موت أحد اعضاء السفارة وعن التدمير الذي اصاب السفارة وفقدان بعض ممتلكاتها حوالي السنة والنصف.  لقد ابتدأنا المطالبة بتعويض مقداره ٢٥٠٠٠٠ باون وانقصناه بعد ذلك الى ٢٠٠٠٠٠ باون والذي ظل رقما قابلا للمساومة.

لم يعد البيت القديم صالحا للسكن وتم تصميم مبنى جديد للسفارة وبعد سنة من المباحثات المخيبة للآمال جلست مع قاسم في احدى الامسيات ودخلنا بمعركة مساومة لمدة ساعتين ابتدأت بـ (٢٠٠٠٠٠) باون وابتدأ قاسم بـ(٥٥٠٠٠) باون وكان كل منا يحاول ان يجعل رقمه قابلا للتسوية وكان قاسم يؤكد ان اعضاء السفارة هم الذين تسببوا في حرق السفارة وذلك بالبدء في حرق اوراقهم وان المشاكل كلها ابتدأت بفتح النار على جمهور مسالم واضاف انه لأمر له ما يبرره بان الشعب يحرق السفارة بعد الأخطاء التي عانوا منها من البريطانيين.  واخيرا توصلنا الى مبلغ (١٢٠٠٠٠) باون ودفع المبلغ دون تأخير.  لقد كنا محظوظين بالحصول على هذا التعويض فلو تأخر ذلك سنة او سنتين لما حصلنا على شيء ابدا على وفق الظروف في ذلك الحين)

ثم ألحقها بمعلومات عن المصدر الذي نقل عنه:

الكتاب المترجم يتألف من جزئين الاول باسم Middle East In Revolution كتبه السفير البريطاني في بغداد همفري تريفليان منذ كانون الاول ١٩٥٨ حتى عام ١٩٦٣.  والجزء الثاني ترجمة كتاب المستشار الشرقي سام فول Sam Falle الذي يجيد العربية اجادة تامة والذي صاحب السفير البريطاني مايكل رايتMichael Wright  في مواجهة قاسم وعبد السلام يوم ١٤ تموز.

عن الكتاب
بيت الحكمة
رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ٢٢ ببغداد لسنة ٢٠٠٣
مطبعة الفرات
ترجمة خليل ابراهيم حسين الزوبعي
مراجعة عبد الوهاب عبد الستار القصاب

ولد المترجم في العزيزية - الكوت ودخل الكلية العسكرية وتلقى دروسه العليا في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي ومصر وألمانيا.  وعين وزيرا للصناعة ١٩٦٧-١٩٦٨.  له ترجمات كثيرة عن تاريخ العراق.

ملاحظات على المعلومات الإضافية

إن حادثة حرق ونهب السفارة البريطانية (1958) ليس فريداً في تاريخ النهب والتدمير والقتل في العراق.  وكنا شاهدين عليها خلال الاحتلال الأمريكي للعراق (2003).

ستمضي عدة سنوات قبل أن تصدر اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961 التي جاء فيها (المادة 22):

تتمتع مباني البعثة بالحرمة، وليس لممثلي الحكومة المعتمدين لديها الحق في دخول مباني البعثة إلا إذا وافق على ذلك رئيس البعثة.

على الدولة المعتمد لديها التزام خاص باتخاذ كافة الوسائل اللازمة لمنع اقتحام أو الإضرار بمباني البعثة وبصيانة أمن البعثة من الاضطراب أو من الحط من كرامتها.

لا يجوز أن تكون مباني البعثة أو مفروشاتها أو كل ما يوجد فيها من أشياء أو كافة وسائل النقل عرضة للاستيلاء أو التفتيش أو الحجز لأي إجراء تنفيذي.[10]

ليس هناك سياق تأميني يخص موت أحد أعضاء السفارة البريطانية أو الأضرار المادية التي لحقت بمبنى السفارة البريطانية ومحتوياتها أو المباني المجاورة.  وليس معروفاً إن كانت بناية السفارة مؤمناً عليها أو أن حياة أعضاء السفارة كانت موضوعاً للتأمين.  من المعروف أن السفارات والقنصليات والدوائر الدبلوماسية تقوم بالتأمين على مبانيها ومحتوياتها بضمنها مساكن كبار الدبلوماسيين، وكذلك مسؤوليتها كرب عمل، ومسؤوليتها المدنية، والسيارات العائدة لها، وغيرها من وثائق التأمين.

الطريف فيما كتبه السفير البريطاني هو التفاوض المباشر بينه وبين الزعيم عبد الكريم قاسم.  ولكن ليس معروفاً كيف وصل الأمر إلى انشغال الزعيم دون غيره بهذا الموضوع.

نستنتج من هذه المعلومات أن أياً من شركات التأمين العراقية في ذلك الوقت لم تكن معنية بالتأمين على مبنى السفارة أو الأفراد العاملين فيها وإلا لكان موت أحد اعضاء السفارة والتدمير الذي لحق بالسفارة وفقدان بعض ممتلكاتها موضوعاً للمطالبة بالتعويض من شركة تأمين عراقية.

إن مهمة البحث في تاريخ التأمين العراقي تقع على عاتق من يمتلك أدوات البحث الأكاديمي والقدرة على الوصول إلى المصادر المختلفة.


28 نيسان 2018


[1] نهاد غازي عسكر كمال، صورة لن تُمحى من ذاكرة العائلة: قرن من الزمان على صورة فوتوغرافية: أكبر كمال محمد جميل أفندي (1893-1951م) - غـازي عسكر كمال محمد جميل أفندي (1907-1986م) (بغداد: نيسان، 2018).  كتيب إلكتروني غير منشور.

[2] كتب نهاد التالي عن المصور الأهلي، ص 7:

المصور الأهلي البغدادي (عبد الرحمن محمد عارف البياتي، 1894-1960م)، وهو من مواليد بغداد، محلة الطوب، مدخل شارع الجمهورية، من أقدم وأوائل المصورين في العراق الذين افتتحوا محلا للتصوير في مدخل سوق الهرج وبقي فيه حتى عام 1924 وانتقل إلى عدة محلات إلى ان استقر في محل بجوار مقهى الزهاوي.

كان المصور الأهلي صديقاً حميماً لجميع الوجوه المعروفة آنذاك ومنهم الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي الذي كتب قصيدة طويلة طريفة في الثناء على فن المصور: عبد الرحمن منها قطعة تشوف مكتوبه بهل عنوان.. المصور ابو قدري الاهلي بالميدان.. اخذوا رسومكم عنده الوقت حان.. والفرصة اغتنموها يا اهل بغداد.

بعد وفاته تولى الاستوديو، ولده عبد القادر عبد الرحمن البياتي والمعروف باسم قدري (تولد القدس 1921- وفاته في بغداد 1989) إذ أخذ المهنة عنه كما هو أخذها عن ابيه. اغلق المحل منتصف ثمانينات القرن الماضي لأسباب مجهولة. وأخته هي السيدة (بلقيس عبد الرحمن البياتي)، زوجة وصفي طاهر محمد عارف البياتي (1918-1963)، المرافق العسكري الاقدم للزعيم عبد الكريم قاسم.

[3] T. R. Smith and H. W. Francis, Fire Insurance Theory & Practice (London: Stone & Cox (publications) Ltd, 1975.  1st Edition 1938), p 33-35.
بهاء بهيج شكري، النظرية العامة للتأمين (بغداد: مطبعة المعارف، 1960)، ص 370-372.
منعم الخفاجي، مدخل لدراسة التأمين (بيروت دار المعارف، 2018)، ص 55-56.

[4] بهاء بهيج شكري، مصدر سابق، ص 372.

[5] مصدر سابق، ص 376 نقلاً عن: T. R. Smith, Fire Insurance Theory and Practice.  لا يذكر المؤلف الصفحة التي نقل منها هذه الشروط.  ترد هذه الشروط في طبعة سنة 1975 في الصفحة 38.

[6] بهاء بهيج شكري، المعجم الوسيط في مصطلحات وشروط التأمين، 2ج، ج1، (عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2016)، ص 266.

[7] مصباح كمال، "اليهود والنشاط التأميني في العراق: التأمين في ذاكرة عزرا حكّاك،" المنشورة في موقع Academia.edu ومرصد التأمين العراقي:


[8] مصباح كمال، مصدر سابق.

[9] مصدر سابق.