من يدفع عندما لا يقود
أحد؟ شركات التأمين البريطانية تستعد لتغييرات جذرية في مسؤولية المركبات ذاتية
القيادة
بقلم: برايوني غارلك
ترجمة: مصباح كمال
مع تحوّل المركبات ذاتية القيادة من مجرد خيال علمي إلى
أساطيل خدمات، تُعيد جهات قانونية جديدة وحوادث واقعية جديدة تشكيل نطاق التغطية
التأمينية.
في المملكة المتحدة،
لم يعد السؤال حول المسؤولية عند وقوع حادث سيارة ذاتية القيادة مجرد مسألة نظرية.
فمع صدور قانون المركبات الآلية لعام 2024 Automated Vehicles
Act 2024 (AV Act)، تم وضع الأسس القانونية لمستقبل لا يتحمل فيه السائق البشري
مسؤولية الحادث، لأنه لم يعد متحكمًا بالسيارة. ولكن حتى مع وضع الإطار القانوني،
فإن التطبيقات العملية تثير تساؤلات جديدة حول كيفية تقييم المخاطر وتحديد
المسؤولية.
جهات فاعلة جديدة،
وقواعد جديدة
قال بن غاردنر (في
الصورة)، رئيس قسم السيارات في شركة شوسميثس للمحاماة Shoosmiths، مشيرًا إلى
مسألة المسؤولية في حوادث المركبات ذاتية القيادة التي طال أمد النقاش حولها:
"ربما يكون هذا السؤال الأكثر شيوعًا الذي يُطرح عليّ. إذا تعرضت مركبة ذاتية
القيادة لحادث، فأين تقع المسؤولية؟"
ووفقًا لغاردنر، يُنشئ
قانون المركبات ذاتية القيادة كيانين قانونيين جديدين للإجابة على هذا السؤال: هيئة
القيادة الذاتية الآلية (ASDE) Automated Self-Driving Entity (ASDE)، والذي
عادةً ما يكون الشركة المصنعة للسيارة، ومشغل المركبة بدون سائق No-User-In-Charge operator (NUIC)، والذي قد يكون مزود خدمة نقل مثل وايمو أو
أوبر Waymo or Uber. وأضاف: "يُنشئ القانون فعليًا هذين
الكيانين القانونيين الجديدين اللذين ستُحمّل عليهما المسؤولية الآن".
وبدلًا من الاعتماد
على المحاكم لتحديد المسؤولية بعد وقوع الحادث، ستتحمل هذه الكيانات المسؤولية
الأولية بشكل عام. والهدف هو التعويض السريع وتوضيح المساءلة مع ازدياد انتشار
المركبات ذاتية القيادة على طرق المملكة المتحدة.
وتدخل شركات التأمين
في منطقة التكهنات
رغم أن الإطار الجديد
يوفر وضوحًا نظريًا، إلا أن تأثيره العملي على التزامات التأمين لا يزال غير واضح
المعالم.
يقول غاردنر: "في
حال انعدام المسؤولية البشرية، ينبغي دائمًا وجود طرف ثالث يمكن لشركة التأمين
المطالبة منه". قد يُسهّل هذا الأمر إجراءات الحلول البديلة، مما يوفر
تعويضات أكثر قابلية للتنبؤ لشركات التأمين. لكن هذه الميزة تُقيّدها متغيرات لم
تُحسم بعد.
قد تنخفض أقساط
التأمين إذا ساهمت المركبات ذاتية القيادة في الحد من الحوادث كما هو مُتوقع. مع
ذلك، يُحذّر غاردنر من أن هذه المركبات مُحمّلة بتقنيات باهظة الثمن. ويضيف:
"إذا تورطت هذه المركبات في حادث، فقد تكون تكلفة الإصلاح والترميم أعلى
بكثير من تكلفة إصلاح سيارة تقليدية".
يتمثل التحدي الأكبر
في البيانات. فبدون إحصاءات واقعية للحوادث، يُطلب من شركات التأمين تسعير المخاطر
دون مراعاة الوضوح. ويقول: "لا يزال هناك نقص كبير في البيانات والمعرفة في
الوقت الحالي. وتضطر شركات التأمين إلى المخاطرة نوعًا ما".
وقد برز هذا الخطر
مؤخرًا من خلال سلسلة من الحوادث التي شملت سيارات الأجرة ذاتية القيادة في أمريكا
الشمالية. فبعد أن لاقت استحسانًا في البداية لحذرها، أُعيدت برمجة بعض المركبات -
مثل تلك التي تشغلها شركة وايمو ― للقيادة بتهور أكبر في حركة المرور. وقد أدى هذا التحول
إلى انعطافات U-turns غير قانونية، وحوادث كادت
أن تودي بحياة المشاة وراكبي الدراجات، بل وحتى حادثة شملت حيوانًا أليفًا في أحد
الأحياء. تُشكك هذه التغييرات السلوكية في الافتراضات المتعلقة بسلامة المركبات
ذاتية القيادة، وتثير مخاوف جديدة في مجال التأمين.
وقال غاردنر:
"على المدى القصير، لا يوجد ما يضمن أن المركبات ذاتية القيادة أقل خطورة،
لكن البيانات المستقاة من التجارب والتطبيقات العملية تُظهر فوائد واضحة للسلامة
على المدى المتوسط والطويل". ومع ذلك، فإن الانتقال من بيئات الاختبار إلى
حركة المرور الواقعية يُدخل متغيرات لا تستطيع النماذج الحالية قياسها بشكل كامل.
البيانات تُصبح الشاهد
الجديد
عند وقوع الحوادث،
سيكشف السجل الرقمي digital trail تفاصيلها. ويتوقع غاردنر
أن تُجهز جميع المركبات ذاتية القيادة بمسجلات بيانات الأحداث event data recorders القادرة على تحديد أعطال البرمجيات software glitches، أو خلل المستشعرات sensor failures، أو مشاكل
الاتصالات. ستساعد هذه الصناديق السوداء في تحديد المسؤولية، وتمكين الأطراف
المسؤولة من استرداد التعويضات عبر سلسلة التوريد الخاصة بها.
كما ينص قانون
المركبات ذاتية القيادة على إنشاء فرع جديد مستقل للتحقيق في الحوادث يتمتع
بصلاحيات واسعة. وقال غاردنر: "قد يُعتبر تضليل المعلومات أو حجبها جريمة
جنائية بالنسبة لهيئة سلامة المركبات ذاتية القيادة أو الهيئة الوطنية لسلامة
المركبات". سيكون الوصول إلى بيانات المركبات والمستشعرات بالغ الأهمية،
ولكنه مثير للجدل.
على الرغم من التقدم
التشريعي، لا يزال جزء كبير من قانون المركبات ذاتية القيادة غير مكتمل. يقول
غاردنر: "هناك عشرات اللوائح التي يجب وضعها لتفعيله"، مشيرًا إلى كل
شيء من الأمن السيبراني إلى الترخيص.
ونظرًا لعدم توقع
التطبيق الكامل للقانون حتى أواخر عام 2027، يواجه مُؤمّنو ومُشغّلو المركبات فترة
طويلة من عدم اليقين. ولا تزال هناك ثغرات قانونية، مثل المسؤولية القانونية في
حال رفض مالك المركبة تثبيت تحديثات البرامج الأساسية install
critical software updates. ويضيف غاردنر: "هناك بعض التساؤلات التي لم تتم الإجابة
عليها بعد".
ومع ذلك، يعتقد غاردنر
أن المملكة المتحدة تُحقق توازنًا معقولًا. ويقول: "نحن نتبع نهجًا منطقيًا
إلى حد كبير. المقومات متوفرة"، مشيرًا إلى الاهتمام المتزايد من شركات
المركبات ذاتية القيادة العالمية التي تتطلع إلى المملكة المتحدة لإجراء تجارب نشر
وتطبيق متقدمة.
وأضاف: "تتحفظ هيئة
القيادة الذاتية الآلية (ASDE) Automated
Self-Driving Entity (ASDE) ومشغل المركبة بدون سائق No-User-In-Charge
operator (NUIC)، بشدة بسبب المخاوف المتعلقة بالوصول إلى الملكية الفكرية
والأسرار التجارية". واستجابةً لذلك، من المتوقع أن يقوم القطاع والحكومة
بوضع بروتوكولات رسمية لتبادل البيانات تُوازن بين الشفافية والحماية التجارية.
التنظيم يواكب
التطورات
في الوقت الراهن،
يواجه مُؤمّنو السيارات تحدياتٍ متغيرة باستمرار. وكما تُظهر الحوادث الأخيرة،
يُمكن لتحديثات سلوك البرمجيات أن تُغيّر بشكلٍ جوهريٍّ خصائص قيادة المركبة،
ويتعين على مُؤمّني السيارات الاستعداد للتكيّف وفقًا لذلك. يقول غاردنر:
"إنهم مُضطرّون للتعاون مع عملائهم ومع قطاع التأمين لتحديد معايير ما هو "المناسب"
و"الملائم" و"الجيد" من وجهة نظر التأمين".
قد يكون عصر القيادة
الذاتية على وشك البدء، لكن حسابات المخاطر لا تزال قيد التطوير.
6 شباط 2026
