ملاحظات نقدية حول إعادة هيكلة سوق التأمين العراقي
مصباح غازي عسكر كمال
تنويه
كتب ونشر النص الأصلي لهذه الورقة باللغة الإنجليزية في 2004 ونشرت نسخته العربية مع بعض الإضافات في 2005. مشروع إعادة هيكلة سوق التأمين العراقي (الشركات العامة)، ضمن المشروع الأمريكي الأكبر في إكمال تهشيم الدولة العراقية ومؤسساتها و"العلاج بالصدمة" على النمط الروسي، لم يتحقق لأسباب غير معلنة ولم تبحث بالتفصيل. وكانت خطة إعادة الهيكلة تشكل جزءاُ من السياسة الاقتصادية لـ "المستبد بأمره" بول بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق في الفترة من 11 أيار 2003 لغاية 28 حزيران 2004. رغم عدم تطبيق خطة إعادة الهيكلة إلا أن الهدف المقصود منها، تفضيل المصالح الأجنبية، اتخذ الصفة القانونية في الأمر رقم 10 الذي حمل عنوان قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005. سنقوم في وقت لاحق بنشر دراستنا النقدية لهذا القانون الذي نشر سابقاً في إحدى المجلات العراقية.
مدخل
تكاد جميع التقارير التي تنشر، بالعربية والإنجليزية، عن التأمين في العراق أن تكتفي بذكر المصاعب التي يجابهها المؤمَّن لهم من الشركات الأجنبية في التأمين على مستخدميهم وأموالهم داخل العراق، والأسعار الفاحشة التي يفرضها المكتتبون في الأسواق العالمية لقاء منحهم تغطيات معينة. لكن المرء يكاد أن لا يقرأ شيئاً عن حالة السوق العراقي، والشركات العاملة فيه ومشاكلها، وتجاوز قوانين التأمين القائمة من قبل الشركات الأجنبية، وما يخطط لهذا السوق من مشاريع يدبجها استشاريون أجانب معتمدين من قبل سلطة التحالف المؤقتة.[1]
تهدف هذه الورقة، ضمن المعلومات المتوفرة لدى الكاتب، إلى سد بعض الفراغ في هذا المجال وعرض بعض الملاحظات النقدية والتصورات الأولية بشأن التوجه المستقبلي لقطاع التأمين العراقي.[2]
في تموز/يوليو 2003 استطاعت الشركة الأمريكية بيرنغ بوينت إنك BearingPoint Inc التي كانت تعرف سابقاً باسم كي بي إيم جي للاستشارات Consulting KPMG الحصول على عقد بقيمة 9 ملايين دولار من الوكالة الأمريكية للمساعدات الدولية للعمل على تقديم الدراسات لتحويل وتطوير جوانب مختلفة من الاقتصاد العراقي بما في ذلك خصخصة مؤسسات القطاع العام. وفي سنة 2004 رسى عليها أيضاً، من نفس الوكالة، عقدٌ بقيمة 240 مليون دولار لتطوير القطاع الخاص في العراق على أسس تنافسية. بعض هذا العمل الذي أنيط بالشركة تَضمنًّ تقييم حالة سوق التأمين العراقي ووضع خطة لإصلاحه وإعادة هيكلته وخصخصة شركات التأمين التابعة للقطاع العام.
المعلومات المتوفرة عن إعادة هيكلة السوق
ليست هناك معلومات منشورة عن الدراسة والعمل الذي قامت به بيرنغ بوينت، أو نوعية ومستوى النقاش والاستشارة مع العراقيين المعنيين بشؤون التأمين ما خلا استدراج مساعدة إدارات شركات التأمين القائمة في القطاعين الخاص والعام لتزويدها بالبيانات المتوفرة لديها: رأس المال، أقساط التأمين، عدد الموظفين، الاستثمارات .. الخ. وما رشح من هذه الدراسة هو مخطط مطبوع، باللغة الإنجليزية، يبين الفترة الزمنية التي ستتم فيها إعادة الهيكلة وتبدأ من 1/11/ 2003 وتنتهي في 1/12/2004 والخطوات التي ستتخذ خلال هذه الفترة لإعادة هيكلة سوق التأمين.
يتكون سوق التأمين العراقي، حتى وقت كتابة هذه الورقة، من ثلاث شركات تعود للقطاع العام وهي: شركة التأمين الوطنية، الشركة العراقية للتأمين وشركة إعادة التأمين العراقية، وأربع شركات تعود للقطاع الخاص تأسست بموجب القانون 21 لسنة 1997 وهي: الأهلية، الحمراء، دار السلام والأمين. وهناك شركتان قيد التأسيس والتسجيل.
من المفترض أن تكون المرحلة الأولى من برنامج إعادة الهيكلة في تشرين الثاني 2003 قد نُفذت فعلاً مع إتمام مراجعة وتدقيق سجلات وأوضاع شركات القطاع العام الثلاث إلا أن المعلومات عن نطاق هذا التدقيق ليس متوفراً فيما يخص، على سبيل المثال، تحديد أرصدة والتزامات هذه الشركات تجاه المؤمن لهم وإرث الماضي في التعاملات مع معيدي التأمين. إلا أن ما كان واضحاً هو أن سلطة التحالف المؤقتة قد وضعت اليد على الأصول النقدية لهذه الشركات بموجب قرار مجلس الأمن المرقم 1483 باعتبارها أموالاً عائدة للدولة يستفاد منها في إعادة إعمار العراق. إضافة لذلك فإن مخطط الإصلاح يضم عنصرين آخرين ضمن الفترة التي تجري فيها عملية المراجعة والتدقيق وهي: (1) تدريب كوادر الشركات و (2) توزيع أصول الشركات الثلاث على أربع شركات متخصصة تُشكل بعد الانتهاء من هذه العملية.
وتشمل هذه المرحلة أيضا وضع برنامج مشترك لإعادة تأمين هذه الشركات الأربع، واتخاذ الخطوات المطلوبة لإعادة تأسيس دائرة مراقب التأمين. وبحلول كانون الثاني/يناير 2004 تكون هذه المرحلة قد انتهت مع توزيع أصول الشركات على الشركات الأربع المتخصصة التي سُميت في المخطط كما يلي:
الشركة العراقية لتأمين السيارات
الشركة العراقية لتأمينات غير البحري
الشركة العراقية لتأمين الطيران والبحري
الشركة العراقية لتأمين الحياة والتقاعد
وفي الفترة ما بين آذار/مارس ونيسان/أبريل تستطيع هذه الشركات المتخصصة تقديم طلب لدائرة مراقب التأمين للترخيص لها بمزاولة جميع فروع التأمين. ومن المفترض أن تشهد هذه المرحلة أيضاً تشكيل رابطة التأمين العراقية التي ستضم في عضويتها المدراء العامين للشركات الأربع وشركات القطاع الخاص الحالية وغيرها من الشركات التي تؤسس بعد إنجاز برنامج الإصلاح إذ أن النية متجهة، حسب البرنامج المقترح، إلى عدم ترخيص شركات جديدة خلال هذه الفترة. وتشمل مهام الرابطة: التوعية بالتأمين على مستوى العراق وتدريب العاملين في القطاع التأميني، صياغة وثائق التأمين، إعادة النظر في أسعار التأمين، المحافظة على حقوق المؤمن لهم، مراقبة النشاط التأميني في السوق وكذلك التأمين عبر الحدود (المراد به البطاقة البرتقالية لتأمين السيارات عبر البلاد العربية) .. الخ.
ويقتضي البرنامج انتهاء دائرة الرقابة من منح التراخيص للشركات الأربع مع بداية تشرين الثاني/نوفمبر 2004 لمزاولة الفروع الأخرى للتأمين وانتهاء الشركات نفسها من وضع خطط عملها للتفاوض بشأن عقود إعادة تأمينها.
إن تفكيك الشركات الثلاث وتحويلها إلى شركات متخصصة يعكس السياسة العامة لسلطة التحالف المؤقتة لخصخصة الاقتصاد. ومن هنا منشأ خطة خصخصة شركتي التأمين على مرحلتين وإلغاء شركة إعادة التأمين ضمن الإطار العام لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي المنوط بالشركة الاستشارية بيرنغ بوينت. وهكذا سيجري الاكتتاب العام بـ 49% من أسهم الشركات الأربع الجديدة عند تأسيسها وإبقاء 51% من الأسهم للدولة مؤقتاً كي تعرض للاكتتاب العام في نهاية 2004.ليست هناك وثائق معلنة تصف هذه التغييرات الجذرية المقترحة، أو تفصل الحجج الاقتصادية لإصلاح قطاع التامين والأسباب التي تستدعي ضرورة تفكيك شركتي التأمين المباشر لخصخصتها وإلغاء شركة إعادة التأمين.[3]
شركات تأمين متخصصة: الخصخصة تحت واجهة الإصلاح
المقترحات المقدمة باسم الإصلاح أو إعادة الهيكلة دُبجت بهدف خصخصة شركتي التأمين المباشر والتخلص من شركة إعادة التأمين بقرار "ثوري" يُعرض على بول بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق، للتوقيع عليه ليصبح نافذاً.[4] وبهذا الشأن فإن المقترحات لا تعدو أن تكون إجراءات مؤقتة إذ أن الشركات "المتخصصة" ستختفي بالضرورة من خلال تقديمها طلب الترخيص للاكتتاب بفروع تأمينية أخرى خارج تخصصها.
لم تشهد أياً من أسواق التأمين في العالم بعد فترات النزاع، حسب علمنا، محاولة تطبيق مثل هذا الترتيبات. هناك شركات متخصصة في أسواق التأمين المتقدمة والعديد منها ما تزال تعمل على أساس من الاختصاص بتسويق منتج واحد. وخير مثال على ذلك هو شركات التأمين على الحياة وفي الماضي، بالنسبة للمملكة المتحدة، شركات التأمين على الألواح الزجاجية، والنقابات الاكتتابية في سوق لويدز التي كانت تتخصص بالتأمين على فرع معين، والمجمعات التي تتخصص في التأمين على أخطار الطاقة وغيرها. والواقع أن صناعة التأمين في المملكة المتحدة قد ابتدأ بالاختصاص في فرع واحد للتأمين ومن ثم تطور نحو ممارسة فروع أخرى ـ كالتأمين أولاً على النقل البحري أو المراجل البخارية أو الحريق.
يعتمد التأمين على قانون الأعداد الكبيرة، أي على توفر عدد كبير من الوحدات المعرضة للأخطار، وفي غياب هذه الأعداد فإن نتائج الأخطار التي تكتتب بها شركة التأمين قد تكون مدمرة لشركة التأمين المتخصصة في منتج واحد ما لم يجرِ تدبير بعض الإجراءات الحمائية ومنها: الاكتتاب الانتقائي لطالبي التأمين والأخطار، ترتيب أغطية إعادة التأمين أو، حسب مقتضى الحال، إدارة الخطر مادياً من خلال الوسائل الهندسية وغيرها من أنظمة السلامة والسيطرة على مسببات الضرر ومكامن الخطر. وفي هذا السياق فإن الكثافة التأمينية[5] في العراق ضعيفة وخاصة في التأمينات الفردية وتساهم في عدم توازن المحفظة التأمينية. ولذلك، ما لم تنجح الشركات الأربع المتخصصة في تحقيق محافظ تأمينية كبيرة نسبياً في الوقت القصير الذي ستقوم فيه بأعمالها، كما تقضي خطة الإصلاح، فإن سلسلة من الخسائر الكبيرة ستؤدي إلى نتائج مالية خطيرة جداً تؤثر على ملاءتها المالية. ومما يفاقم الخطر هو غياب حماية إعادة التأمين لشركات التأمين العراقية في الوقت الحاضر.
نقد شركات التأمين المتخصصة
هناك اعتبارات أخرى تجعل شركات التأمين المتخصصة غير مرغوبة اقتصادياً في المنظور النظري وبعض هذه الاعتبارات ينطبق على الوضع العراقي الراهن. ويمكن إجمال هذه الاعتبارات كما يلي:
1 يؤثر التخصص على السياسة الاكتتابية لشركة تأمين السيارات إذ أن هذا الفرع التأميني يتميز بتكرر الحوادث التي تحتاج إلى سيولة نقدية عالية خلافاً للفروع الأخرى لضيق الفترة الزمنية الممتدة بين استلام قسط التأمين وتسديد المطالبة بالتعويض في تامين السيارات. وهكذا، لا تستطيع شركة التأمين مراكمة الأقساط للاستفادة منها في بناء الاحتياطيات لمواجهة عبء المطالبات الكبيرة وتوظيف الفائض لأغراض الاستثمار الذي يُشكّل مصدراً إضافياً لدخل الشركة.
2 يُحْرم التخصص الشركة من مزّية الإعانة المشتركة cross subsidisation التي تتمتع بها الشركات التي تكتتب في فروع تأمينية متعددة. فعندما يتأثر أحد الفروع بجملة من الخسائر الكبيرة التي تستنفذ احتياطي التعويضات لذلك الفرع فإن الفروع الأخرى الأكثر ربحيةً تساهم في تغطية العجز الحاصل والحفاظ على الملاءة المالية للشركة.
3 كما أن تأسيس الشركات المتخصصة تحرم الزبائن الكبار من الاستفادة من قوتهم الشرائية الكبيرة التي يمارسونها عند إجراء تأميناتهم المتنوعة عند شركة التأمين تتعاطى فروعا متعددة من التأمين. مع تأسيس الشركات المتخصصة فإن مثل هؤلاء الزبائن سيضطرون إلى التأمين عند أكثر من شركة وبذلك يخسرون المنفعة الكامنة في قوتهم الشرائية وفي ذات الوقت يتحملون مصاريف إدارية إضافية إزاء إجراء التأمين مع أكثر من شركة.
4 شركات التأمين المتخصصة المزمع إنشاؤها ستفاقم من عدم التوازن القائم حالياً في السوق بين الشركات العاملة ـ أي بين شركات القطاع الخاص والشركات المختلطة (من حيث الملكية وليس من حيث فروع التأمين) التي ستنشأ. فالمتوقع أن ترث الشركات المختلطة الاحتياطيات الغنية لشركات القطاع العام، وبفضل ذلك فإنها ستستمر أن تكون في وضع أفضل عند تنافسها مع شركات القطاع الخاص الحديثة العهد والضعيفة في حجم رأسمالها واحتياطياتها.
5 بالنسبة للمساهمين فإن شركة التأمين غير المتخصصة توفر فرصة استثمارية أفضل. صحيح أن شركة التأمين على الحياة لها جاذبيتها بفضل عقود التأمين الطويلة الأجل التي تتعامل بها والقدرة الإكتوارية التي تتوفر لها في السيطرة على نتائج اكتتابها لوثائق التأمين الفردية والجماعية إلا أن مثل هذه المزايا لا تنطبق تماماً على شركة تكتتب بالتأمين البحري والطيران أو التأمين غير البحري. في حين يمكن إخضاع تأمين السيارات، إلى حد ما، للسيطرة الاكتوارية إلا أن الظروف الحالية للعراق لا تسمح بمثل هذا التحكم.[6]
6 إن مقترح تأسيس شركة للتأمين على الحياة والمعاشات يعوزه التبصر فالطلب الفعال على التأمين الفردي على الحياة في العراق كان، تاريخياً، ضعيفاً. ويعكس ذلك، ضمن أسباب أخرى، المستوى الواطئ للدخل المتاح للإنفاق عند أغلبية السكان. وهذه الحقيقة ما زالت قائمة في العراق وستستمر لبعض الوقت، ومع ذلك فإن تجربة الماضي تشير إلى أن شركة تأمين مكرسة للتأمين على الحياة تستطيع أن تزدهر خلال بضعة سنين. إلا أن التأمين على معاشات التقاعد أمر مختلف تماماً، ففي الوقت الحاضر ليس هناك طلب لوثائق التأمين الفردي على المعاشات. ولعل المقترح الخاص بإدخال هذا الفرع من التأمين يأتي متزامناً، بشكل عام، مع الأفكار المطروحة للتمهيد للخصخصة الجزئية أو الكاملة للضمان الاجتماعي. وفيما يخص العراق، فإن أي مشروع لتأمين المعاشات تجارياً يظل أمراً نظرياً أو معلقاً لحين استرداد وتثبيت الاستقرار والأمن وتحسن مستوى معيشة الناس.
7 يفترض المقترح الخاص بتأسيس شركة متخصصة للتأمين على السيارات، وكأمر محسوم، اعادة صياغة قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980.[7] وليست هناك معلومات منشورة عن إعادة صياغة هذا القانون وغيره من قوانين التأمين العراقية.
ويثير هذا الأمر تداعيات وأسئلة ذات طابع خطير فيما يخص الإصلاح المنشود للسوق فهو لم يحظى بتفكير عميق، ويبدو أنه يغض النظر عن قوانين التأمين القائمة، ولا يأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي للعراق، ويتجاهل الخبرة السابقة لسوق التأمين العراقي خلال السنوات الخمسين الماضية، والتأثير الشللي الذي أحدثته عقوبات الأمم المتحدة التي استمرت لأكثر من عقد،[8] ويدين ضمناً شركات القطاع العام كشركات فاشلة .. الخ. كما أن الفترة المحددة لتحقيق إعادة الهيكلة هي في أحسن الحالات غير واقعية.
8 إن برنامج الإصلاح الراديكالي القائم على نزعة التوجه نحو الخصخصة، كأيديولوجيا وليس كضرورة اقتصادية، يتجاهل الآثار الاجتماعية المتمثلة بحالة القلق وعدم التأكد التي تخلقها لدى العاملين في شركات القطاع العام. إن الاقتصاد يعاني أصلاً من حالة الشلل ويأن من وطأة ندرة الاستقرار والأمن. وضمن هذا السياق فإن إحدى نتائج تسريع عملية الخصخصة تتمثل بتسريح أعداد إضافية من العاملين وهو ما يزيد من حدة البطالة القائمة ويترك آثاراً اجتماعية سلبية.
إضافة لذلك، لو اقترنت الخصخصة مع فتح قطاع التأمين أمام الاستثمار الأجنبي بدون ضوابط فإن رأس المال الأجنبي سيكون في وضع يستطيع معه المزايدة على رأس المال الوطني العراقي وفي غير صالح الأخير فيما يخص الملكية.[9] إن "رأسمالي" العراق بحاجة إلى بعض الوقت لتنمية مواردهم كي يكون لهم حصة قوية في أسهم مؤسسات القطاع العام المراد خصخصتها.
9 إن خلق أربع شركات متخصصة ليس هدفاً بحد ذاته يراد منه الاستفادة من مزايا التخصص الوظيفي. على سبيل المثال، التعويض عن النقص الحاصل في مهارات العاملين من خلال تجميع المهارات المتوفرة في شركات القطاع العام الثلاث؛ إبراز تحدي أمام شركات القطاع الخاص القائمة لرفع مستوى التنافس المفتوح على أعمال التأمين (وذلك بعد إنهاء احتكار شركات القطاع العام لتأمين مصالح الدولة وتحويلها إلى شركات تجارية[10])؛ المساهمة في نمو الفروع المتخصصة للتأمين التي أسسوا من أجلها.
10 إن برنامج إعادة الهيكلة المقترح لم يأخذ بالحسبان التكاليف الاقتصادية والإدارية التي يتطلبها خلق الشركات الأربع المتخصصة، وفي توزيع أصولها، ومتابعة المسؤوليات القائمة تجاه المؤمن لهم وغيرهم، إجراءات المقاصة .. الخ. ويبدو أن تجربة دمج شركات التأمين ومن ثم تأميمها في ستينات القرن الماضي قد نُسيت.
ملاحظات أخرى
اعتمادا على المعلومات الشحيحة، كما هي معروضة أعلاه، يصعب إصدار حكم نهائي بدون معرفة جميع الأسباب وراء هذا المشروع الطموح من حيث طابعه الراديكالي الظاهري والفترة الزمنية المحددة لإنجازه ـ وهي لا تتجاوز 12 شهراً. السؤال الجوهري الذي يستوجب الإثارة هو: لماذا هذا الإصلاح ولمصلحة من؟
إن المرء لا يعرف، مثلاً، الأسباب الكامنة وراء إلغاء شركة إعادة التأمين العراقية. صحيح أن المرء يستطيع أن يكون ناقداً لهذه الشركة ولكن، كشركة إعادة تأمين محلية وإقليمية مهمة في الماضي، لعبت دوراً في تنمية سوق التأمين العراقي من خلال توفير طاقة استيعابية اختيارية إضافية وطاقم من العاملين المدربين والمتمرسين في الصنعة. ثم أنها عملت، خلال سنوات عقوبات الأمم المتحدة التي دامت 13 سنة اعتباراً من سنة 1990، مع شركات التأمين المباشر، العامة والخاصة، على وضع ترتيبات لتوفير حماية إعادية متواضعة لهذه الشركات. صحيح أيضاً أنها، كباقي شركات التأمين العراقية، قد فقدت عدداً من موظفيها المؤهلين والمتمرسين برحيلهم إلى أسواق التأمين العربية الأخرى إلا أن ذلك لا يشكل سبباً كافياً لإلغائها. أترى أن العراق لا يستحق أن يكون له سوقاً تأمينياً متكاملاً يضم شركات للتأمين المباشر وإعادة التأمين وينعم، مع مرور الزمن، بدعم خدمات إضافية في حقل وساطة التأمين الاحترافي، وتقييم الأموال العينية، وتسوية الخسائر وغيرها؟ لو كانت القوانين القائمة بشأن دور الشركة جائرة بحق شركات التامين المباشر، مثلاً، فإن بالإمكان إعادة النظر فيها بالتناغم مع لبرلة الاقتصاد وكذلك النظر في ملكيتها: نزع ملكيتها من الدولة، تحويلها إلى شركة مختلطة[11].. الخ.
لا يستهدف برنامج إعادة الهيكلة، حسب المعلومات المتوفرة، تطوير سوق متكامل للتأمين، ولا يعدو غير وسيلة بسيطة، تُقلّد نموذج خصخصة المرافق العامة في بريطانيا، لخصخصة شركات التأمين العائدة للدولة. والمشروع في حد ذاته ينطوي على تبعات قانونية في إطار مشروعيته بموجب القانون الدولي فيما يخص تغيير الكيانات والمؤسسات القائمة من قبل سلطة الاحتلال دون أن تشكل هذه المؤسسات تهديداً لها. حقيقة الأمر هو أن الهدف الأساسي لإعادة الهيكلة هو الخصخصة. فحتى فكرة تأسيس دائرة للرقابة على قطاع التأمين (الذي يُمارس حالياً من قبل وزارة المالية) وكذلك فكرة تأسيس الرابطة العراقية للتأمين (وهي فكرة معقولة ومطلوبة في أي سوق يضم عدة شركات) لا توفر دعماً أكبر أو تبريراً لما هو مستهدف. والواقع أنه مع انتهاء الفترة القصيرة لتحقيق إعادة الهيكلة، التي لا تتجاوز اثني عشر شهراً، عندما تكون شركة إعادة التأمين العراقية قد ألغيت وتم تحويل ملكية شركتي التأمين المباشر، على مرحلتين، إلى القطاع الخاص (العراقي أو ربما الأجنبي) فإن الشركات الأربع المتخصصة المُشكَّلة (لأغراض الخصخصة) تكون قد أنهت تخصصها لتعمل كشركات تأمين عامة تتعاطى في فروع تأمينية أخرى.
إن التغييرات المزمع إدخالها لا تنهض من متطلبات سوق التأمين ذاته، أو بفضل ضغوط جمهور المؤمن لهم فيما يخص الخدمات التي تقدمها الشركات، أو فشل شركات القطاع العام للوفاء بالتزاماتها التعاقدية تجاه المؤمن لهم .. الخ. إنها، باختصار، تعبير عن نزعة إيديولوجية وتذكّر المرء ببرنامج الأحزاب الثوروية في الماضي: الثورة، التحطيم، إعادة البناء من البداية. بعضٌ من مثل هذا البرنامج قد أنجز في الغزو الأمريكي للعراق بالتدمير العشوائي لبعض الهياكل الارتكازية وغيرها ونهب الأصول والممتلكات المختلفة تحت أعين قوات الاحتلال.[12] ويبدو أنه قد آن الأوان "لتدمير" شركات القطاع العام، بشكل ما، لإعادة بنائها على أسس جديدة.
تطبيق اختبار الديمقراطية والاقتصاد اللبرالي على سلطة التحالف المؤقتة ومؤيديها يكشف تعسفاً ما في إصدار الأوامر وخطلاً في بعض سياساتها المقترحة والمعتمدة. فتغيير المؤسسات القائمة بدون مناقشة عامة يجري إعدادها بشكل صحيح قد يكون "ثورياً" إلا أنه لا يستقيم مع الممارسة الديمقراطية. والواقع أن السلطة القائمة قد انتحلت لنفسها حق إقرار مستقبل مؤسسات العراق دون مشاركة حقيقية ـ وفي هذه الحالة من الأطراف التي تشكل السوق التأميني (المؤمن لهم، شركات التأمين وإعادة التأمين، الاقتصاديون وغيرهم من المعنيين بالشؤون العامة ذات العلاقة). ويظهر الخطل أيضاً في التغاضي عن دور قوى السوق في إقرار وجود ومستقبل الشركات في العملية التنافسية واستبدالها بـ "الأوامر الثورية" الفوقية.
الوظيفة الأساسية والمباشرة للنشاط التأميني، أياً كانت صورته، هي توفير الحماية ضد العواقب المالية للأخطار العرضية الاحتمالية سواء أكانت أخطاراً طبيعة أو من صنع البشر. وإزاء ذلك فإن مسألة الملكية تتخذ أهمية ثانوية. في ورقة سابقة أشرنا إلى أهمية التمهيد لإدخال وتعزيز شروط المنافسة العادلة بين شركات القطاع العام والخاص قبل الإقدام على الخصخصة.[13] إن إعادة تأهيل شركات القطاع العام، بضمنها تحويلها إلى كيانات تجارية مستقلة ماليا وقانونياًً، يساهم في رفع قيمتها السوقية وعند بيع أسهمها مستقبلاً فإنها ستدّر دخلاً أكبر لخزانة الدولة وتساهم، ولو بتواضع، في التقليل من عجز ميزانية الدولة. وفي هذا السياق لم يجري عرض أية بدائل للخصخصة لغرض المناقشة والتقييم واختيار ما هو الأفضل. ومما لا شك فيه أن جدلاً علنياً بين المعنيين وغيرهم حول مستقبل قطاع التأمين العراقي من شأنه أن يولّدَ العديد من الخيارات.
الأسلوب الذي تتبعه سلطة الائتلاف المؤقتة، الحاكم الفعلي للعراق، تُذكّر المرء بالنقاشات التي كانت تجري في ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي حول عملية تحويل المؤسسات من خلال عملية برلمانية مقابل المشروعية الثورية. وقتها كان المشروع الديمقراطي غائباً عن الفكر السياسي العراقي والمُناخ العام يميل عند القوى المهيمنة لصالح الأخيرة بكونها الأسرع والأكفأ في تحويل ما هو قائم نحو الأحسن مقارنة مع العملية الديمقراطية البرلمانية البطيئة. لم تقم للبرلمان قائمة وكانت نتائج المشروعية الثورية وبالاً على الاقتصاد العراقي[14] كما على إلغاء السياسة (البولطيقا) بالمعنى الضيق. ويبدو أن سلطة التحالف المؤقتة تعمل بمنطق الثورويين سيئ السمعة. إن المحافظون الجدد، والمسيرون لهم والمستفيدون من سياساتهم، على عجلٍ من أمرهم لتحويل العالم حسب مقاساتهم دون الالتفات إلى قانون النتائج غير المستهدفة.
تعليق ختامي
يجب أن يكون إصلاح قطاع التأمين مقترناً بتكامله مع القطاع المالي (الذي ينحصر حالياً بالمصارف وسوق غير متطور للأوراق المالية) إذ يفترض في قطاع التأمين أن يلعب دوراً مهماً في الوساطة المالية: مراكمة الصناديق المالية للمشاركة في التنمية الاقتصادية بعد الوفاء بالالتزامات التعاقدية مع حَمَلَة وثائق التأمين. وبالتوازي مع ذلك يلعب القطاع دوراً أساسياً في حماية الأصول المادية من الآثار المالية المترتبة على الكوارث الطبيعة ومن المسؤوليات القانونية ومخاطر السلوك البشري في العمل الإنتاجي وهو ما يقتضي الاهتمام الدقيق بالأرصدة المالية عند شركات التأمين وكيفية التصرف بها.
المطلوب هو مساعدة سوق التأمين العراقي للنهوض من ركوده، وبغض النظر عن شكل ملكية شركات التأمين فيه، كي يستطيع الاستجابة لتحديات تأمين المخاطر القابلة للتأمين في ظل الظروف الصعبة في العراق، وكي يساهم في إعادة الإعمار، والمطلوب أيضاً وضع أساس صلب لنمو وتطوير قطاع التأمين برمته.
إن الموقف المستسلم ظاهرياً لإدارات شركات القطاع العام تجاه ما هو مقترح يعني عدم قيام نقاش جدي واسع وعميق حول التوجهات المستقبلية لسوق التأمين. إن العيش وممارسة العمل في ظل الاحتلال يجب أن لا يقترن بالتخلي عن الاستقلالية في التفكير وطرح الحلول واجتراحها. ولذلك فإن شروط إصلاح سوق التأمين العراقي يجب أن لا يكون حصراً على الاستشاريين الأجانب من أصحاب الأتعاب العالية، ويجب الاسترشاد بجدية وبالشكل الصحيح برأي ممارسي التأمين العراقيين ليدلوا بمواقفهم بشأن التطوير المستقبلي لسوقهم.
مصباح كمال
لندن
أيار/مايو 2004
[1] من الجدير هنا الإشارة إلى استثناء يتمثل بما كتبه جوزف زخور في مفكرته الشهرية في مجلة البيان الاقتصادية: "عودة العراق إلى خارطة التأمين العربي" (البيان، آذار/مارس 2003، ص 56) وكذلك "شركات التأمين في العراق: يقترعون على ثوبها وهي لم تزل حية!" (البيان، كانون الثاني/يناير 2004، ص 211)
[2] كتبت هذه الورقة أصلاً باللغة الإنجليزية ونشرت في مجلة
MEES (Middle East Economic Survey) Vol. 47. No. 19 (10 May 2004) pp D1-D5
يتضمن النص العربي بعض الإضافات. ونشرت في وقت لاحق في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 314، 2005.
الآراء الواردة في هذه الورقة تمثل وجهة النظر الشخصية للكاتب ولا علاقة لها بشركة وساطة التأمين التي يعمل لديها في لندن.
[3] حاولنا الاتصال بالبريد الإلكتروني بالوكالة الأمريكية للمساعدات الدولية USAID والاستشاري التأميني لشركة بيرنغ بوينت في بغداد للحصول على بعض الوثائق ولكن دون جدوى.
[4] لم يرد إلى علمنا ما يفيد استشارة مجلس الحكم أو الوزارات المعنية بشأن إعادة هيكلة سوق التأمين.
[5] الكثافة التأمينية مقولة اقتصادية يلجأ إليها المعنيون في الدراسات التأمينية وخاصة لأغراض المقارنة بين الأسواق، وتشير إلى معدل الإنفاق الفردي على شراء الحماية التأمينية، وهي بالتالي تعبر عن إجمالي الدخل من أقساط التأمين في البلد منسوباً إلى عدد السكان، ويعتمد هذا المعدل أساسا على حجم الدخل المتوفر للفرد.
صحيح أن مؤشر الكثافة التأمينية يعتمد بالدرجة الأولى على الدخل المتوفر للفرد إلا أن هناك عوامل ثانوية أخرى تؤثر قليلاً أو كثيرا على هذه الكثافة، ومنها الأقساط المنفقة على التأمينات الإلزامية كالتأمين على المسؤولية المدنية الناشئة عن استعمال المركبات، ومدى فاعلية الأفكار الدينية في بعض المجتمعات، وتوفر وسائل بديلة للأمان الشخصي من خلال الأسرة الموسعة أو الجمعيات الخيرية أو الدولة. ويمكن إدراج هذه الوسائل تحت عنوان التكافل الاجتماعي الذي يضم مجموعة من وسائل الضمان المالي والعيني، الرسمي وغير الرسمي، لتوفير موارد مالية وعينية لدرء الضرر والعسر الذي يلحق بأفراد المجتمع. وتتأسس هذه الوسائل على ما تقضي به الشريعة الإسلامية (الزكاة، الصدقات، الأوقاف) والعرف (البر بالوالدين، التضامن مع الجيران) والدولة (دعم السلع الأساسية، الضمان الاجتماعي، نظام التقاعد .. الخ.) ويمكن تأويل هذه الوسائل لصالح مفهوم العدالة التوزيعية: تحويل الموارد من القادرين إلى العاجزين لتحقيق توازن اجتماعي يخفف من غلواء التفاوت الطبقي.
التكافل الاجتماعي غير الرسمي لا يستدعي تسديد مقابل عنه كما هو الحال في نظام التأمين التجاري أو أنظمة الضمان الاجتماعي والتقاعد (التكافل الرسمي) التي تستوجب مساهمة معينة من المستفيد.
وتقارن مقولة الكثافة التأمينية مع مؤشر آخر عن الحالة الراهنة والمحتملة لسوق التأمين يعرف بالتغلغل التأميني، وينصبّ على قياس نسبة أقساط التأمين للناتج المحلي الإجمالي.
[6] لم تجري أية دراسات إكتوارية لتأمين السيارات في العراق أو لأي فرع آخر من فروع التأمين بضمنها التأمين على الحياة إذ أن جداول الحياة المستخدمة في العراق لا تعكس التجربة التاريخية، وفي حقيقة الأمر فإن مصدر هذه الجداول شركة إعادة تأمين أوروبية عريقة قدمتها هبة في خمسينات القرن العشرين.
[7] يقوم هذا القانون على مبدأ المسؤولية المفترضة غير القابلة لإثبات العكس الذي يقضي بتحمل التبعة في المسؤولية أساساً لالتزام المؤمن له بدفع التعويض بدلاً من مبدأ المسؤولية القائمة على أساس الخطأ القابل لإثبات العكس. وقد عُدّل هذا القانون في نهاية 1987 فيما يخص استيفاء قسط التأمين وذلك من خلال توزيعه على مقدار الوقود الذي تستهلكه السيارة. وقد أنيطت مهمة إدارة المطالبات حصراً بشركة التأمين الوطنية لقاء هامش يسدد من حسابات صندوق الأقساط المتجمعة، وهو صندوق يتمتع بكامل الاستقلالية ولا يدخل في حسابات الشركة.
[8] مصباح كمال، "التأمين في العراق وعقوبات الأمم المتحدة" مساهمة في مجموعة الأوراق التي نشرها المنتدى الاقتصادي العراقي لعدد من الاقتصاديين العراقيين تحت عنوان دراسات في الاقتصاد العراقي (لندن: المنتدى الاقتصادي العراقي، 2002) ص 73-96.
[9] نسارع إلى القول إن الأمر رقم 39 الصادر عن سلطة التحالف المؤقتة في 19 أيلول/سبتمبر 2003 بشأن الاستثمار الأجنبي في العراق استثنى قطاع التأمين من أحكامه بموجب القسم 6: مجالات الاستثمار الأجنبي.
[10] إن دخول الدولة، كطرف تجاري، في النشاط التأميني في ظل شروط الأسواق المفتوحة التي هي في طور النشوء والتشكل، وخلافاً لممارسات الماضي، يستوجب فصل هذا النشاط قانونياً عن السياسات الحكومية وضمانات الدولة. وبالتالي، فإن شركات الدولة تتحول إلى مؤسسات حيادية في علاقتها مع الدولة، ولا تتمتع بموقع احتكاري على حساب شركات القطاع الخاص، وتخضع لأحكام الضوابط الرقابية التي تطبق على جميع شركات التأمين العاملة في السوق. وبدون القيام بمثل هذا التغيير فإن سوق التأمين سيبقى مفتقراً لمتطلبات المنافسة.
[11] تأسست شركة إعادة التأمين العراقية أصلاً عام 1960 كشركة مختلطة قبل تأميمها عام 1964. باشرت الشركة أعمالها سنة 1961، وكانت أول شركة عربية تفتح لها مكتباً للاتصال في سوق لندن العريق ظلَ عاملاً حتى غزو العراق للكويت عام 1990.
[12] "وفي طول العراق وعرضه، سادت أجواء الفوضى والخوف وعدم الأمان. وفي معظم الأماكن، وقف أفراد القوات الأمريكية والبريطانية موقف المتفرج على نهب المباني والمكاتب والجامعات والمدارس والمستشفيات والمتاحف والمكتبات والمستودعات وسلبها وهدمها. وأحرق عدد لا يحصى من الوثائق الحيوية لمستقبل العراقيين أو تعرض للتلف على نحو آخر" منظمة العفو الدولية، العراق: بعد مضي عام تظل أوضاع حقوق الإنسان حرجة (المنظمة: رقم الوثيقة MDE 14/006/2004 ، 18 مارس/آذار 2004)
[13] “Fragmentary Notes” for a seminar organised by International Financial Services London for an Iraqi Financial Services delegation, London 2 December 2003.
وقبل ما يقرب من عقدين ثبتنا الآتي: " إن البدائل المقترحة للمنافسة تندرج ضمن ما يمكن أن يسمى اعتباطا بديمقراطية السوق وتخطيط الحاجات. ... وقد يكون من المناسب الجمع بين أسلوب التخطيط والسوق في محاولة لتطوير أسواق التأمين من منظور إخضاعها لمبدأ الكفاءة وخاصة في الأسواق التي تخضع فيها شركة/شركات التأمين لسيطرة الدولة من ناحية الملكية ولتقييد حرية التصرف ـ أي أن تتحول هذه الشركات من مؤسسات بيروقراطية إلى مؤسسات ذات طابع تجاري، بمعنى إخضاعها للمُساءلة الاقتصادية عوضاً عن إخفاء عيوبها في الأداء وفي الاستجابة لطلب المستهلك." مصباح كمال، "المنافسة في أسواق التأمين العربية المفتوحة" ورقة غير منشورة قدمت في ندوة الاتحاد العام العربي للتأمين حول تأمين أخطار الممتلكات، 11-14 آذار/مارس 1987، تونس.
من المناسب هنا أن نشير إلى لجوء النظام الدكتاتوري البائد إلى إقحام إعداد من أزلامه في ملاك شركة التأمين الوطنية، كغيرها من الشركات، لأسباب حزبية وأمنية والمساهمة بذلك في تعميق البطالة المقنعة. مثلما قامت خلال فترة حرب الخليج الأولى، 1980-1988، بترحيل بعض الموظفين بحجة التبعية غير العراقية لآبائهم.
[14] بالنسبة لعموم الاقتصاد العراقي قام د. صبري زاير السعدي بإلقاء الضوء على "الإرادوية" والاستخفاف بالقوانين الاقتصادية وغياب العمل المؤسساتي في سلوك النظام الدكتاتوري البائد في العديد من دراساته المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية ومن بينها "السياسة والاقتصاد في نظام الحكم الديمقراطي (الجديد) في العراق" المنشور في الملف العراقي، العدد 126، حزيران 2002 وكذلك كتابه الجديد نموذج النمو الاقتصادي والتوزيع في العراق: الثروة النفطية وإدارة الاقتصاد والعدالة الاجتماعية (بغداد: منشورات دار الأديب البغدادية، [2003])
2008/07/17
2008/07/16
فؤاد عبدالله عزيز
دراسات تأمينية
التأمين في العراق: الواقع وآفاق المستقبل[1]
مقدمة
منذ ظهور فكرة التأمين بشكلها الأولي قـبل عـدة قـرون ولغاية العصر الراهن وتعقيداته فان الغـرض الرئيسي مـن وظيفتـه كان وما يزال هو حماية النشاط الإنساني من الخسارات المالية الـتي التي يتعرض لها عن طريق التوزيع العادل للخسارات الحاصلـــــة لعدد قليل من الأفراد والمنظمات على عدد كبير منهم التي يمكن أن تنجم عن أخطار عرضية طارئة قد تودي بأموالهم أو أرواحهم أو ما يترتب عليهم من مسؤوليات قانونية قد تنشأ عن هذا النشاط.
وهذه الوظيفة تتبين بشكل أكثر وضوحا في أن التأمين هو صندوق تعاون أو مشاركة يدار من قبل شركة التامين ويشترك فيه حملة وثائق التامين عن طريق دفـع مبلـغ يـمـثـل نسبة المشاركة في الصندوق والذي يدعى قسط التامين ويحدد هذا المبلغ من قبل شركة التامين حسب تقديرها للخطر المؤمن مـنـه بـقـصـد تعويض البعض منهم في حالة تعرضهم لخسارة مالية نتيجة تحقق الخطر.
وإذ شهد القرنين الأخيرين تطورا واسعا للمجتمع الإنساني بطفرات نوعـيـة بارزة فان التامـيـن واكـب هـذا التطـور الحضاري الإنساني بكل أبعاده فـانـتـقـل ضمـن إطار الحمايـة التي يوفرها مـن الصيغ الأولية في التامين على مخاطـر البحار التي تـمـثـل بـدايـات التامين إلى أكثر النشاطات الإنسانية تقدما وتطورا بحيث أصبح هذا النشاط احد الـمـعايـيـر الـتـي يـقـاس بهـا تقدم البلدان وتطور نظمهـا السياسية والمالية والاجتماعية.
وفي العراق العزيز فان بـعـض الـمـؤرخـيـن يذكرون بان العصر البابلي شهد نوع من أشكال التامين على عقد القرض علــــى السفن كما ورد في قانون حمورابي عام 2250 قـبـل الميلاد الـذي يوفر حماية بـعـدم دفع مـبـلـغ القرض عند خسارة الرحلة البحريـة نتيجة الحوادث الناشئة عن أخطار البحار , إلا انه ظهر بـصيغـته المعاصرة في منتصف سنوات القرن الماضي على وجه التقريــب وتطور بشكل كبير بمواكبته للمتغيرات السـيـاسـيــة والاقتصاديـة التي جرت فيه.
وإذ يساهم الـنـشاط التأميني في العراق بدور كبير في عملية الاستقرار الاقتصادي والمالي بما يدعم النهوض الحضاري فيه ولما يتأثر به هذا النشاط بما يستجيب لعملية النهوض هذه ومواكبة تطوراته ودرجة استيعابه للمخاطر التي يتعرض لها وحجم الحماية التي تتطلبها , فان إلقاء الضوء على هذا النشاط في وضعه الحالي وآفاق مستقبله بما يعزز النظام المالي ودعمه لمجمل حركة الاقتصاد العراقي من الأمور البالغة الأهمية.
واقع التأمين في العراق: نبذة تاريخية
1 – ظهرت بدايات التامين في العراق عـن طريق فـروع شـركـات ووكالات أجنبية, بلغت لغاية عام 1964 وهـو تـاريـخ صدور قرارات التأميم في العراق (15) شركة ووكالة عربية وأجنبية وقد رافقها تأسيس شركات تامين محلية خاصة وشركتي تاميـن مباشر وإعادة تامين حكوميتين.
2 – تأسست أول شركة تاميـن حكومية باسم شركة التامين الوطنيـة بموجب القانون المرقم بـ ( 56) لسنة 1950 برأس مال اسمي قدره 1000000 دينار(مليون دينار) وتمارس أعـمال التامـيـن على اختلاف أنواعه واسـتـثـمـار رأس الـمـال والـمـوجـودات بالطريقة التي يقررها مجلس الإدارة وقد جاء في المادة السابعة من الـقـانـون الـمـذكوران على دوائـر الـحـكومـة والـمـؤسسات الرسمية وشبه الرسمية ان تعهدا حصرا إلى الشركة بمعامـلات التامين التي تجريها.
3 – في عام 1960 صدر القانون المرقم بـ (21) قـانـون تأسـيـس شركة إعادة الـتـامـيـن العراقيـة (شركة مساهمة) والذي جرى تعديله بالقانون المرقم بـ (132) لسنة 1964 الذي ألزم كافــــة شركات التامين المؤممة بإعادة نسبة 25% من عمليات التامين لدى الشركة بهدف التقليل من استيراد خـدمات إعادة الـتـاميـن وتصدير خدمات التامين إلى الخارج لزيادة نشاط شركـة إعادة التامين العراقية في الأسواق الدولية.
4 – مما تقدم فان شركات التامين وإعادة التامين الحكومية والخاصة وفروع ووكالات شركات التامين العربية والأجنبية التي كانـت عاملة في العراق لغاية صدور قرارات التأميم عام 1964 هـي كما مبين أدناه:
أ – شركات التامين وإعادة التامين المحلية:
1 – شركة التامين الوطنية – شركة حكومية – تامين مباشر.
2 – شركة إعادة التامين العراقية- شركة حكومية-إعادة تامين
3 – شركة بغداد للتامين.
4 – شركة التامين العراقية.
5 – شركة التامين التجاري.
6 – شركة الاعتماد للتامين.
7 – شركة الرشيد للتامين.
8 – شركة الرافدين للتامين.
9 – شركة دجلة للتامين
ب – فروع ووكالات شركات التامين العربية والأجنبية :
1 – شركة الاتحاد الوطني.
2 – شركة الضمان اللبنانية.
3 – شركة الشرق للتامين.
4 – شركة مصر للتامين.
5 – شركة التامين العربية.
6 – شركة رويال للتامين.
7 – شركة أطلس للتامين.
8 – لندن بروفنشيال مارين أند جنرال انشورنس.
9 – سان انشورنس اوفيس.
10 – كارديان للتامين.
11 – يونيون انشورنس سوسايتي.
12 – بروفنشيال للتامين.
13 – اميركان لايف انشورنس.
14 – نيو انديا للتامين.
15 – ناشنال انشورنس أوف نيوزيلاند.
5 – بعد صدور قرارات التأميم بـمـوجـب القانون المرقم بـ ( 99 ) لسنة 1964 ارتبطت كافة شركات التامين الـمحـليـة والعربية والأجنبية بالمؤسسة الاقتصادية التي أنشأت بالقانون الـمـرقـم بـ (98) لسنة 1964 عن طريق المؤسسة العامة للتامين الذي اعتبرها قانون المؤسسة الاقتصادية إحدى مكوناتها مــع المؤسسة العامة للصناعة والمؤسسة العامة للتجارة وبـموجـبه ترتبط بالـمـؤسـسـة العامـة للتامين جميع منشآت التامين الـتي تمتلك الحـكومـة الآن أو في المستقبل كامل رأسمالها كما ورد في نص القانون المذكور.
6 – أدى صدور قانون التأميم المرقم (99) لسنة 1964الى توقـف العمل بالقانون المرقم بـ (49) لسنة 1960 قـانـون شـركـات ووكلاء التامين في العراق والذي ينظم شؤون شركات ووكلاء التامين في العراق وكيفية منحها إجازة ممارسة العمل وأسلوب الرقابة عليها واعتبار وزارة التجارة الجهة القطاعية المسؤولة عنها.
7 – بصدور قانون المؤسسات العامة المرقم بـ (166) لسنة 1965 أصبح ارتباط المؤسسـة العامة للتامين بوزارة الاقتصاد حـيـث ورد في المادة (أ) منه انه تنشأ بهذا القانون المؤسسات العامـــة الآتية وتكون لكل منها شخصية معنوية واستقلال مالي وإداري مركزها في بغداد وترتبط بالوزارة المبينة إزاءه:
أ – المؤسسة العامة للتجارة – وزارة الاقتصاد.
ب – المؤسسة العامة للتامين – وزارة الاقتصاد.
ج – المؤسسة العامة للصناعة – وزارة الصناعة.
د – المؤسسة العامة للمصارف – وزارة المالية.
8 – بـعـد تحويل ارتباط المؤسسة العامة للتأمين إلى وزارة الـمالـية واعتبارها الجهة القطاعية المسؤولة عن نشاط التامين أصبحت الشركات الحكومية المملوكة للدولة بالكامل والتابعة للمؤسـسـة العامة للتامين ثلاثة شركات متخصصة وكما مبين أدناه :
أ – شركة التامين الوطنية – تأمينات عامة عدا الحياة.
ب – الشركة العراقية للتامين على الحياة – تامين الحياة.
ج – شركة إعادة التامين العراقية – إعادة تامين.
9 – بـمـوجـب قـرار مـجـلـس قـيادة الـثـورة الـمـرقـم بـ (193) في 4/1/1987 فقد ألغيت المؤسسة العامة للتامين ونقلت حقـوقـهـا والتزاماتها إلى الشركات الـتـابـعـة لـهـا الـتـي ارتبطـت بمركز وزارة الـمالـيـة على ان تحـتـفـظ باستقلالهـا الـمـالـي والإداري وشخصيتها المعنوية ونقلت صلاحيات رئيس المؤسسـة العامـة للتامين إلى المدراء العامين للشركات بالإضافة إلى صلاحياتهم فـي كـل ما يـتـعـلـق بالأمور الإدارية والماليـة والفنيـة وحسـب مقتضيات العمل.
10 – في عام 1988 جرى إلغاء التخصص فـي شركتي الـتـامـيـن الوطنية والعراقية للتامين عـلى الحياة بـهـدف تهـيـئـة فـرص المنافسـة بـيـن الشركـتـيـن في مـمـارسـة جميع أنواع التامين بضمنها التامين على الحياة مما اقتضى تعديل اسم الـشـركـة العراقية للتامين على الحياة إلى شركة التامين العراقيـة كـمـا تقرر إلغاء إسناد حصص إلزامية من أعمال الشركتين إلى شركة إعادة التامين العراقية استنادا لما جاء في القانون رقـم (136) لسنة1988 قانون تعديل قانون تأسيس شـركـة إعادة الـتـامـيـن الـعـراقـيـة رقم (21) لسنـة 1960 بأن تـتخصص بممارسة أعمال إعادة الـتـامـيـن قبولا وإسنادا على المستوى الـمحـلـي والـدولـي وفـق الأسـس الـمـتعـارف عليها وتستثمر أموالها واحتياطياتها بما يخدم أغراضها , وان تنظم عـلاقـات إعادة التامين بين الشركة وشركات التامين المحلية بـتعـليمات يصدرها وزير الماليـة بحيث يجري إسناد الأخطار التي تزيد عـن طاقـة الشركـتـيـن الـمبـاشـرتيـن إلى شركة إعادة التامين العراقية وبطرق إعادة التامين الجارية سواء كانت اتــفــاقـيـة أو اختيارية.
من المهم ان اذكر هنا ان التعليمات الخاصة بتنظيم علاقات إعادة التامين بين شركـة إعادة التامين العراقية وشــركــات التامين المـحـلـية والتي اوجب القانون إصدارها من وزير المالية لم تظهر إلى الوجود إلا بعد سنوات وفي ظل الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضا على العراق حيث جاءت بشكل مقتضب وخالـيـة مـن المحددات والالتزامات. واعتقد ان تأخر صدورها بهذا الشــكــل كان لأسباب يعود اغـلـبـهـا لاجتهادات واختلافات في تـفسـير النص المتضمن ان تنظم علاقات إعادة التامين بـيـن شـركـة إعادة التامين العراقية وشركات التامين المحلية بتعليمات يصدرها وزير الماليـــة بحيث يجري إسناد الأخطار التي تزيد عن طاقة الشركات المباشرة إلى شركـة إعادة التامين العراقـيـة بما معناه إسناد كل الفائـض عـن طاقـة الـشـركـات في رأي البعـض ويرى البعض الآخـر ان الإسناد يـجـب ان يـكـون جزئيا من الفائض ويسند الـمـتـبـقـي مـن الـشـركـة المباشرة إلى سـوق إعادة التامين الدولية وهو ما يجري الـعـمـل بـه لغاية الوقت الحاضر.
الواقع الراهن لسوق التأمين العراقية
يتضح مما تقدم ان قطاع التامين العراقي لم يشهد متغيرات جذرية منذ عام 1964 الذي صدرت فيه قرارات التأميم حيث بـقـي النشاط التأميني المباشر حكرا لشركتين حكوميتين ووجود شــركــة إعادة تامين حكوميـة واحدة لغاية عام 1997 الـذي حـصلـت فـيـه انتقالة جديدة نبينها أدناه:
1 – صدر قانون جـديـد للشركات العامة برقم (22) لسنة 1997 بهدف تنظيم العمل في الوحدات الاقتصادية المملوكـة للدولة والممولـة ذاتيا التي تمارس نشاطا اقتصاديا كـذلـك تـطـويــر القوانين المنظمـة لـنـشـاط هـذه الوحدات مـن خلال تـأسـيـس شركات عامة وطنية وقدر تعلق الأمر بقطاع التامين العراقي فقد جرى تكييف أوضاع شركتي التامين المباشر وشركة إعادة الحكومية بما ينسجم والقانون المذكور بموجب شهادات تأسيس صادرة مـن مسجـل الشركات حيث لم يطرأ أي تغـيـيـر عـلى أهداف هذه الشركات المحددة بموجب قوانين تأسيسها ونظمها الداخلية.
2 – بصدور قانون الشركات الجديد المرقم بـ (21) لسنة 1997 أصبح المجال مفتوحا للقطاع الخاص بتأسيس شركات تاميـن وإعادة تامين حيث ورد في المادة (10) الفقرة ثانيا منه (يجب ان يأخذ شكل شـركـة مـسـاهـمة من يمارس أي من النشاطات الآتية:
أ – المصارف.
ب – التامين وإعادة التامين.
ج – الاستثمار المالي.
3 – استنادا للقانون المذكور اصدر مجلس قيادة الثورة قراره المرقم بـ (192) في 3/12/1998 والذي تقرر فيه ان تكون وزارة المالية هي الجهة القطاعـية المختصة بـنـشـاط التامين وإعادة لإغراض قانون الشركات المرقم بـ (21) لسنة1997 وتتولى الرقابة على أعمال شركات التامين وإعادة التامين وعدم جواز ممارسة الشركات لأعمال التامين وإعادة التامين قبل الحصول على إجازة من وزير المالية الذي اوجب القرار ان تصدر عنه تعليمات حول منح إجازة مـمـارسـة الـتـامـيـن وإعادة التامين وأنواع التامين التي تمارسها الشركات ومقدار وديعة التاميـن وإعادة التامين ولكل نوع منها وأسلوب التصرف بها ونـسـب الاحتياطيات الـواجـب احـتجـازهـا بـعـد نهايـة كل سنة مالية وشروط فتح فروع للشركات داخل العراق وخارجه وشـروط منح وكالات التامين وإعادة التامـيـن داخـل العـراق وخارجـه وأسس وأساليب الرقابة على الشركات . وقد ألغى القرار فــي الفقرة السادسـة منه قـانـون شركات ووكلاء التامـيـن المـرقـم بـ (49) لسنة 1960.
4 – بتاريخ 1/11/1999 اصدر وزير المالية التعليمات المرقمـة بـ (12) لسنة 1999 (تعليمات ممارسة التامين وإعادة التامين) بالمضامين التي وردت في قرار مجلس قيادة الثورة المرقـــم بـ ( 192) في 3/12/1998 وبدأت منذ هذا التاريخ عمليــة عودة القطاع الخاص لممارسة النشاط التأميني في العراق بعد ان توقف دوره عن هذا النشاط منذ صدور قرارات التامين في تموز عام 1964.
5 – وإذ أجيزت خمسة شركات خاصة في التامين الـمـبـاشـر بـعـد صدور التعليمات المذكورة فقد أصبح قطاع التامين الـعـراقي حتى عام 2005 يتكون من:
أ – شركة التامين الوطنية – شركة عامة – تأمين مباشر
ب – شركة التامين العراقية العامة – تأمين مباشر
ج – شركة إعادة التامين العراقية العامة – إعادة تامين
د – شركة التأمين الأهلية – شركة خاصة – تأمين مباشر
هـ - شركة الأمين للتامين – شركة خاصة – تأمين مباشر
و – شركة دار السلام للتامين – شركة خاصة – تأمين مباشر
ز – شركة الحمراء للتامين – شركة خاصة – تأمين مباشر
ح – شركة الخليج للتامين – شركة خاصة – تأمين مباشر
6 – بعد المتغيرات السياسية التي حصلت في العراق والتوجـهـات الاقـتـصـاديـة الجديدة فيه نحو اقتصاد السوق والانـدمـاج مـع الاقتصاد الدولي فقد صدر الأمر رقم (10) لسنة 2005 قانون تنظيم أعمال التامين والذي نشر الوقائع في العراقية الجـريـدة الرسمية بعددها (3995) بتاريخ 3/3/2005 وحـدد تاريخ موعد نفاذه بعد مضي (90) يوما من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية على وفق المادة الأخيرة من القانون المرقمة بـ(106) ومن أهم الأهداف والقضايا التي تضمنها القانون ما يلي:
أ – ديوان التامين: جاء في الباب الثاني / ديوان التامين المادة (5) أولا – يؤسس بموجب هـذا الـقـانـون ديـوان يـسـمى ( ديوان التامين ) يـتـمـتـع بالشخصيـة المعنويـة والاستقلال المالـي والإداري وله تملك الأموال المنقولة وغير المنقولـة اللازمـة لتحقيق أهدافه والقيام بجميع التصرفات القانونية , ويمثله رئيس الديوان أو من يخوله.
ب – أهداف الديوان : تضمنت المادة (6) التالي ...... يهدف الـديـوان إلى تـنـظـيـم قـطـاع الـتامين والإشراف عليه بما يـكـفـل تـطـويـره وتامين سوق مفتوح وشفاف وآمن ماليا وتعزيز دور صناعة التامين في ضمان الأشخاص والممتلكات ضد الـمخـاطـر لحماية الاقـتـصـاد الوطني ولـتجـميـع المدخرات الوطنية وتنميتها واستثمارها لدعم التنمية الاقتصادية. كما تضمنت هذه المادة أهداف أخرى للديوان أهمها حماية حقوق المؤمن لهم والمستفيدين من أعمال التامين ومراقبة الملاءة المالية للمؤمنين لتوفير غـطاء تأميني كاف لحماية هذه الحقوق.
ج – إدارة الديوان: جاء في المادة (7) أولا من القانون: يدير الديوان رئيس بدرجة خاصة يعين بناء على اقتراح الوزير (وزير المالية) خلال مدة لا تـتـجـاوز (30) يـومـا من تاريخ نفاذ هذا القانون لمدة (4) سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط .
د – استيفاء الرسوم والموارد المالية للديوان تضمنتها مواد لاحقة ومنها أيضا التعليمات الواجبة الإصدار من قبل رئيس الديوان خلال (90) تسعين يوما من تاريخ تعيينه واهم ما يرد فيها – هامش الملاءة المالية، المبلغ الأدنى للضمان، أسس احتساب المخصصات الفنية، معايير إعادة التامين وأسس استثمار أموال المؤمنين.
هـ - إجازة ممارسة أعمال التامين: تضمنها الباب الثالث من القانون الفصل الأول – منح الإجازة، وتحدد في هذا الباب المادة ( 13 ) الـكـيـانـات التي تمارس أعمال التامين في العراق بما يلي:
لا يجوز مزاولة أعمال التامين في العراق إلا من:
أولا – الشركات العراقية العامة.
ثانيا – الشـركـات الـعـراقـيـة المساهـمة الخـاصة أو المختلطة .
ثالثا – فروع شركات التامين الأجنبية الـمـسجـلـة في العراق ( وهو نص صريح بدخول الاسـتـثـمـار الأجنبي في النشاط التأميني داخل العراق ).
رابعا – كيانات تامين التكافل أو إعادة التكافل.
خامسا – مؤمن أو معيد تامين آخـر يـعـتـبـره رئيس الديوان مؤهلا وذو قدرة مالية شرط التزامه بأحكام هذا القانون.
و – إجازة ممارسة التامين: تضمنت المواد اللاحقـة مـن الباب الثالث شروط منح إجازة ممارسة التامين منها:
- عدم جواز منح إجازة تجمع بين أعمال التامين على الحياة وأعمال التأمينات العامة.
- تجديد إجازة التامين سنويا بعد دفع الرسوم المقررة.
- رفض طلب منح الإجازة وتـحـديـد أسباب ذلك.
ز – تعليق الإجازة وإلغائها تضمنتها مواد الفصل الثاني
ح – وتضمـنـت الأبواب والـفـصـول الأخرى بمختلف موادها الموضوعات التالية:
- الحد الأدنى لرأس مال المؤمن.
- مبلغ الوديعة لكل نوع تامين يمارسه المؤمن.
- المخصصات الفنية الواجب الاحتفاظ بها.
- مكافحة غسيل الأموال.
- تدقيق الحسابات.
- مؤهلات العاملين لدى المؤمن.
- الالتزامات الخاصة بالمؤمن الأجنبي.
- رقابة رئيس الديوان على المؤمنين .
- تحيل الوثائق وتملك واندماج المؤمنين.
- إعادة تأهيل المؤمن وتصفية المؤمن .
- تنظيم إجازة وكلاء ووسطاء وخبراء التامين.
- الحلول البديلة لمنازعات التامين.
ط – عملة التامين: وهي من الأمور المهمـة التي جاء بها القانون في الباب السابع/أحكام متفرقة الفصل الأول / أحكام عامة المادة (80): يـجـوز إبرام عقد التامين بالدينار العراقي أو بأية عملة أجنبية قابلة للتحويل أو بعملات متعددة أو يجوز له مسك حـسـابا ته بالدينار العراقي أو بـعـمـلـة أجنبية وفـقـا لمبادئ وأصول الـمحـاسـبـة الدولية.
ي – عدم احتكار العملية التأمينية من قبل مؤمن حكومي أو غير حكومي وإطلاق الـحـريـة الـكـامـلـة لطالب التامين بإجراء التامين مع أية جـهـة تأمينية مجازة وكما مبين في المادة أدناه:
المادة (81)
أولا – لأي شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص الحق في الاختيار بـشـراء مـنـتـجـات التامين أو خدماته من أي مؤمن أو معيد تامين ما لم ينص القانون على
خلاف ذلك.
ثانيا – لا يجوز إجبار شخص طبيعي أو معنوي عام أو خاص على شـراء مـنـتـجـات أو خـدمـات التامين من مؤمن أو معيد تامين أو وكـيـل أو وسـيـط أو مقدم خدمات تامين محدد ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
ثالثا – يجري التامين على الأموال العامة والإخطار التي ترغب الوزارات أو دوائر الـدولـة في التامين ضدها بالمناقصة العلنية وفقا لأحكام القـانـون ولجميع المؤمنين المجازين في العراق حق الاشتراك فيها.
ك – تأسيس جمعـيـة لشركات التامين وإعادة التامين في العراق تتمتع بالشخصية المعنوية وتهدف لـرعـايـة مصالح أعضائها وتحدد هذه المهام بعقد تأسـيـسـهـا ونظامها الداخلي وقد ورد ذلك في المادة (84) مــن القانون.
ومن الجدير بالذكر ان جمعية شركات التامين وإعادة التامين العراقية كانت قد تأسست عام 2004 بعد ان أكملت كافة شركات التامين وإعادة التامين مناقشة عقد تأسيس الجمعية ونظامها الداخلي باجتماع للهيئة التأسيسية المكونة من ممثلي كافة الشركات وقد أقرت وزارة التخطيط العراقيـة إجراءات التأسيس واعتبار الجمعية من منظمات المجتمع المدني. وقد انـتخبت الجمعـية العامة للجمعية أول مجـلــس إدارة لها منتصف العام المذكور لـتـنــفيـذ سياســة الجمعية أي قبل سنة تقريبا من صدور قانون تنظيم أعمال التامين رقم (10) لسنة 2005.
ل – حدد القانون أحكام عــقــابـيـة بغرامات مالية على المؤمنين المخالفين لأحكام عدد من مواده.
م – في الأحكام الختامية ألزم القانون جـمـيـع الشركات والجهات القائمة العاملة في ميدان التامين بتكييــف أوضاعها وفقا لأحكامه خلال مدة سنة مـن تاريـــخ نفاذه أو في المواعيد التي حددها القانون.
واقع نشاط التامين في العراق
مـن أهم الـوظـائـف الأساسية لعلم إدارة الخطر عند إدارة المؤسسات بمختلف نشاطاتها هي تقدير الأخطار التي تواجهها هـذه الـمـؤسـسـات وبالـذات الأخطار العرضية الطارئة كـالحريق والأخطار الطبيعية التي تنجم عنها خسارات مادية وبشرية بهـدف السيطرة عليها والعمل على منعها وتقليلها أو التخفيف مـن آثارهـا من خلال معرفة مصادر الخطر وتقديره وتحديد أساليب مواجـهـته وعلى كافة المستويات ابتداءا من الأخطار الصناعية الكبيرة وانتهاءا بالعائلة ومسكنها.
ومع ان إدارة الخطر تضع الكثير مـن الوسائل لـمـواجهـة الأخطار إلا أنها بـالـنـهـايـة لابد من ان تنقل عبء الأخطار التي تنشأ عنها أضرار مادية وبشرية كبيرة تؤدي إلى عرقلة أو توقف الإنتاج إلى جهـات متخصصة في التعويض عـن هـذه الأضرار وهـي شركات التامين.
وتلعب شركات التامين دورا كبيرا بإعادة المنشآت المتضررة إلى سابق نشاطها كما وانها وفي بلدان ذات اقتصاد تنموي مثل العراق تقوم بدور مساند للاقتصاد الوطني مـن خلال توفير الموارد لـهـذه المنشآت المتضررة نـتـيـجـة حوادث عرضيـة بإعادتها إلى الإنتاج ثانية دون التأثير على موازنة الدولة بالنسبة للقطاع العام أو البحث عن مصادر للتمويل بالنسبة للقطاعين المختلط والخاص، وترتكز شركات التامين في هـذا الـنـشـاط عـلى أسس يـقـف في مـقـدمـتهـا التخصص النوعي المعرفي لإدارة الخطر وملائتها المالية وقدرتها عـلى نـقـل جـزء مـن الأخطار الـتي تـقـبـلـهـا إلى شركات أخرى متخصصة في إعادة التامين وإعادة إعادة التامين.
وضمن هذا المنظور فقد كان الإطار العام لنشاط شركات التامين وإعادة التامين منذ تأسيسها من الناحيتين الاقتصادية والفنية يتميز بما يلي:
1 - رغم ان شركة التامين الوطنية كونهـا شركة حكومية كانت قد احتكرت أعمال دوائـر ومـؤسـسـات الدولة منذ تأسيسها عام 1950 إلا ان بقية الشركات غير الحكومية استمرت بمساهمتها في توفير الحماية للقطاع الخاص وأجواء تنافسية معقولة لغاية صدور قرارات التأميم عام 1964.
وبغض النظر عن طبيعة الخدمات التي قـدمـتهـا الـشـركـات الحكومية منذ ذلك التاريخ ولحد الآن إلا أنها ساهمت وبدرجة كبيرة في تـوفـيـر الحماية التأمينية لقطاع الدولة والـقـطاعـيـن المختلط والخاص وخدمات تكميلية اقل ما يقال عنها انها كانت مقبولة سيما وأن العملية التأمينية بحد ذاتها بقيت إلى حد ما ذات طابع تجاري غايتها الحـمايـة وتطمين احـتـيـاجـات المؤمن لهم وبما يحقق الربحية لشركات التامين.
وقد توفر لقطاع التامين العراقي قدر لا بأس بـه مـن الأموال نتيجة لتراكم احتياطياته بمختلف أشكالها والتي تـقـتـطـع مـن إرباحه السنوية لأغراض هذه الاحـتـيـاطـيـات والـتي تـزيـد بالنتيجة من قدراته وملاءته المالية. وفي واقـع الحال كان ذلك هو احد أهداف احتكار الدولة لهذا القطاع لـتـمكـيـنه من المساهمة في عملية التنمية القومية بتوظيفه لهذه الأموال إلا ان من المعروف ان شركات التامين بآلية عـمـلهـا غير ميالة لاستثمار أموالها في مـشـاريـع طويلة الأمد انطلاقـا مـن ان الأموال التي تتوفر لديها لابد ان تكون مهيأة لدفع التعويضات التي قد تطالب بها نتيجة لحصول حوادث طارئة عرضية غير محسوبة غير محسوبة للظروف الاعتيادية وهـو الغرض من تراكم الاحتياطيات لديها ولذلك فإنها ساهمت بنسبة مـن هـذه الأموال في مشاريع صناعية وخدمية ذات مردود سريع مـن خلال تأسيس شركات مخـتـلـطـة أو خاصة أو المساهمة فـي الشركات القائمة بعد تقديم دراسات للجدوى الاقتصادية مــن هذه المساهمات، واتجه كذلك جزء مـن الأموال إلى شراء الأراضي والبنايات وبـقـيـت الأموال الأخرى فـي المصارف كودائع لتجني منها عوائد مضمونة بأسعار الفائدة المقررة من البنك المركزي العراقي.
وبذلك نستطيع القول ان قطاع التامين العراقي ساهم بشـكـل بسيط على قـدر إمكانياته في دعم عملية التنمية الاقتصاديـة في العراق وكانت هذه المساهمة متروكة للقطاع بحرية تامة على وفق نظرته الخاصة في استثمار الأموال المتوفرة لديه وبالذات في موازنة الدولة الاسـتـثـمـاريـة التي تعد جداولها بالاعتماد على مشاريع كافـة مؤسسات الـدولـة مع إعدادها لتقديرات موازنة الدولة الجارية.
2 – تميز النشاط التأميني والـتـعـامـل مع الأخطار المكـتـتـب بها قبل صدور قرارات المقاطعة الاقتصادية عام 1990 بما يلي:
أ – تقوم شـركـات الـتـامـيـن الـمـبـاشـر بالاحتفاظ بالأخطار الصغيرة والتي غالبا ما تكون مـبـالـغ تأمينها بسيطة ومحدودة كالمحلات التجارية ودور السكن.
ب – حيث تشكل الأخطار الكبيرة مسؤوليات كبيرة وبمبالغ تامين عالية فان السوق العراقية وبطاقاتها الاحتفاظية المحدودة تقوم بإسناد الجزء الأكبر مـن هـذه الأخطار بضمنها الحصة الإلزامية أو الاختيارية الـمـسـنـدة إلى شركة إعادة لتامين العراقية إلى السوق الدولية عـن طريق شراء خدمات إعادة التامين اتفاقيا واختياريا مع شركات إعادة تامين عالمية بشكل مباشر أو عن طريق الوسطاء في سوق لندن .
ج – كان الغرض من تأسيس شركة إعادة التامين العراقـيـة هو التقليل من استيراد خدمات إعادة التامين الخارجية وزيادة الطاقة الاحتفاظيـة للسوق العـراقـيـة وتـصـديـر خدمات إعادة الـتـامـيـن إلى الخارج وإيجاد توازن في ميزان مدفوعات القطاع,وقد نجحت الشركة في الدخول بهذه المعادلة رغم عدم قدرتها على الاحتفاظ بـنـسـبـة عالية من الأخطار الكبيرة الـمـسـنـدة إليها في العراق إلا انها حققت نسب جيدة من العمل في الأسواق العالمية بالنظر لتمتعها بسمعة مهنية عالية في خدماتها وبالذات سدادها للتعويضات المستحقة عـلـيـهـا وتدريبها لكوادر شركات التامين التي تتعامل معها , وقد جاء الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق ومن ثم الظروف غير الاعتيادية التي سادت في فترة ما بعـد الاحـتـلال لتوقف إلى أمد غير معلوم عـودة الشركة إلى السـوق العالمية بالشكل الذي كانت عليه سابقا.
د – ان عمليـة شراء خدمات إعادة التامين وفي ظل نظام مركزي تحتكر فيه الدولة كافة النشاطات الاقتصادية كانت تجري عن طريق تحويل كلف عـمـلـيـة الشراء
بالـنـقـد الأجنبي بواسطة البنك المركزي العراقي في الظروف الاعتيادية وعـنـد اندلاع الـحـرب العراقـية بدأت كلف إعادة التامين الـتي تـمـثـل كـافـة الأعمال الصادرة لقطاع التامين العراقي تـشكل عـبـئـا عـلـى موجودات الخزينة مـن الـنـقـد الأجنبي مـع ان البنك المركزي بدأ منذ ذلك الحين بجدولة هذه الكلف وتسديد دفعات عليها كلما تيسر ذلك وعلى وفق الأولويات في مثل تلك الظروف مـمـا أدى بالنتيجة إلى تراكم مبالغ لا بأس بها من الديون على الشركات لصالح المعيدين الأجانب.
ولم تتأثر اتفاقيات إعادة التامين بسـبـب هـذه الديون حتى نهاية عام 1990 بسبب العلاقات المهنية الطيبة التي تربط قطاع التامين العراقي بالسوق الدولية.
هـ - وبغض النظر عـن مجمل الأوضاع فـقـد قـدم قطاع التامين العراقي خـدمـات جـيـدة لمختلف القطاعـات الاقتصادية رغم احتكار السوق وفرض أسعار تامين تعريفية عالية وإتباع سـيـاسـة مـتـشـددة في تسويـة التعويضات وعدم تحقق منافسة حقيقية بين شركات التامين المباشر ويعود ذلك إلى ان نشأة قطاع التامين العراقي كانت على أسس تجارية وحافظ عليها إلى حد ما حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي.
وقد بدأت الخدمة التأمينية تتردى تدريجيا بعد أحداث آب 1990 خاصة بعد صدور قرارات المقاطعة الاقتصادية وحجب تسهيلات إعادة التامين الدولية عن السوق العراقية فتأثرت الحماية التأمينية الـتـي تمنح لكل القطاعات الاقـتـصـاديـة وبالذات للأخطار الكبيرة بسبب ذلك مما أدى إلى عدم قدرة شركات التامين على تحمل المسؤوليات التي تترتب عليها عـنـد التامين على هــذه الأخطار بقيمتها الحقيقية.
ولكي لا تنحسر الخدمة التأمينية كليا فقد لجأت الشركات إلى اعتماد قاعدة الخسارة الأولى عند إجراء التامين ( First Loss Basis ) أي تحديد أقصى مسؤولية تتحملها الشركة بنسبة معينة من مبلغ التامين والتي تستطيع الـوفـاء بـهـا على وفق قدرتها وطاقتها المالية مـمـا جعل التامين فـي السنوات الأولى مـن الحصار غير ذي جدوى بالنسبة لكثير من المؤسسات عندما تقارن حدود مسؤولية شركات التامين عند الخسارة الكلية التي تبلغ بضعة ملايين من الدنانير بعد انخفاضه بشكل حاد كنتيجة للتضخم بمبالغ التامين التي تمثل القيمة الحقيقية لموجودات هذه المؤسسات الـتـي وصلت مبالغها بمليارات الدنانير، يضاف إلى ذلك قيام الشركات بوضع العديد مـن الشروط والمحددات القاسية عـنـد إجراء التامين على مختلف أنواع التامين وبالذات على تامين السيارات والمحلات التجارية ودور السكن وحتى على الأخطار الكبيرة في مجال مـنـع الخسائر وتحكيم محلات التامين لمنع وقوع حوادث السرقة مما أدى إلى ابتعاد جمهور المؤمن لهم عن التامين إلى حد كبير.
لقد حاولت شركات التامين الحكومية وبعدها شركات التامين الخاصة بالتعاون مع شركة إعادة التامين العراقية لتحسين أغطيتها التأمينية وزيادة قدراتها الاحـتـفـاظـيـة وتـأسـيـس صندوق للأخطار الكبيرة لمختلف أنواع التامين تديره شركة إعادة التامين العراقـيـة الغاية منها استيعاب اكبر مسؤولية مـن هـذه الأخطار عـن طريق تعبئة احتفاظ كافة الشركات إضافة لما تستوعبه شركة إعادة التامين العراقية من حدود المسؤولية النهائية، وقـد حقق ذلك من الناحية العملية تطور نسبيا في الخدمة التأمينية إلا انها لـم تؤثر على بقاء السياسة المتشددة بإضافة شروط والتزامات على المؤمن لهم عـنـد إجراء التامين.
الآفاق المستقبلية لقطاع التأمين العراقي
رغم رفع الحصار الاقتصادي عن العراق بعد 9 / 4 / 2003 وعودة العراق إلى المجتمع الدولي وإعادة تسهيلات اتفاقيات إعادة التامين للسوق العراقية إلا ان نشاط قطاع التامين العراقي على مستوى استيعابه للأخطار وانـتـشـار خـدمـاتـه لازال محدودا جدا ولا يتناسب مع حجم موجودات الاقتصاد العراقي على مستوى القطاعات الاقتصادية المختلفة إذ لم تتجاوز الأقساط الإجمالية لكافة شركات التامين العراقية حكومية وخاصة مبلغ ثمانية ملايين دولار للعام 2004 وعند مقارنة هذا الرقم مع أقساط شركة التامين الوطنية لوحدها التي بلغت أقساط التامين البحري فيها في إحدى سنوات الثمانينات من القرن الماضي مبلغ ( 300 ) مليون دولار وإقساط التأمينات العامة ( غير البحري ) بمبلغ مقارب لهذا الرقم يتضح لنا حجم انحسار النشاط التأميني على مستوى الاقتصاد العراقي وكمثال آخر من الإقليم العربي فان إجمالي أقساط تامين سوق تامين قطر عربي مجاور (الأردن) بـلغت عام 2004 مبلغ يزيد عن ( 200 ) مليون دولار وهو قطر تقل موجوداته وإمكانياته الاقتصادية عن العراق كثيرا كدليل آخر عن حجم انحسار النشاط التأميني في العراق. ولعل من المهم ان نذكر هنا أمرين آخرين كان لهما تأثيرهما الكبير في هذا المجال وهما:
1 – عدم تقيد قطاع الدولة بإجراء التامين على موجوداته بالــقـيمـة السوقية بل تصر بعض الـمـؤسـسـات على إجراءه بالـقـيـمـة الدفترية وبخلافـه عـدم إجراء الـتـامـيـن بـحـجـة عـدم وجـود تخصيص مالي يصرف منه لأغراض التامين.
2 – عدم إجراء التامين لدى الشركات الوطنية فيما يتعلق بالبضائع المستوردة على مختلف أشكالها للعـراق وكـذلـك الـمـشـاريـع الخاصة بما يدعى بإعادة اعمار بعض المنشآت وغـيـرها مما هو غير معلن ومعروف، ويعتقد ان هذه التأمينات تذهب إلى شركات أجنبية معروفة إضافة إلى انها تـسـتـحوذ على كـافـة التأمينات الأخرى ذات العلاقة بسلطة ما بعد الاحتلال.
ان الانتقال بقطاع التامين العراقي من وضعه الحالي الذي يتسم بالتذبذب في تحديد أهدافه الراهنة والمستقبلية إلى حالـة مفهومة ومؤثرة وتساهم بشكل فعال في عملية بناء العراق والمساهمة بالتأثير في الاقتصاد العراقي وحمايته وزيادة حجم أعماله بما يتناسب وحجم هذا الاقتصاد وبالصيغ المقترحة أدناه:
1 – بناء قطاع تامين واعي بموجبات المرحلة التي يمر بها العراق بما يتطلبه هذا البناء من تطوير أسس التعامل بين كافة شركات التامين على قاعدة التنافس المهني الـذي يـعـزز دورها فـــي تقديم أفضل الخدمات التأمينية للاقـتـصـاد الـعـراقي في ضوء القواعد القانونية لقانون تنظيم أعمال التامين الجديد.
2 – الاهتمام بالأخطار الكبيرة من حيث نوعية الاكتتاب واستمرار خدمتها خلال فـتـرة سـريـان التامين وحيث تتجاوز أقيام هـذه الأخطار طاقة كافة الشركات ومع الحفاظ على حقوق الشركة المسوقة فان المنافسة تنحسر في هذا المجال إلى أضيق حدودها ويصبح من مصلحة السوق والاقتصاد العراقي استيعاب أقصى مسؤولية مـن الخطر الواحد بتعبئة الطاقات الاحتفاظية للسوق بأكمله عـن طـريـق تأسيس مجمعات للأخطار الكبيرة تديرها شركة إعادة التامين العراقية وسيساعد ذلك الشركات كافة بل الناشئة من القطاع الخاص لتطوير محافظها وتشجيعها عـلـى زيادة طاقتها الاحتفاظية لاسيما وان القانون الجديد كان قد ألغى احتكار الشركات الحكومية في تامين أموال الدولة وحدد إجراء التامين عليها بـالــمـنـاقـصـة العلنية الـتي يشارك فـيـهـا جميع المؤمنين المجازين في العراق.
3 – انسجاما مع ما تقدم فان تكييف أغطية إعادة التامين مع السوق الدولية لتحقيق هذا الغرض يصبح ضروريا عن طريق إسناد ما يزيد عـن الطاقة الاحتفاظية للسوق العراقية إلى اتـفـاقـيـات إعادة التامين.
4 - التعاون بين ديوان التامين العراقي وجـمـعـيـة شركات التامين وإعادة التامين في العراق عـلـى إيجاد صيغ متطورة لإدارة التأمينات الإلزامية خاصة التامين الإلزامي عـلـى الـسـيـارات وإصدار الـبـطـاقـة الـبـرتـقـالـيـة للسيارات التي تغادر العراق أو تدخل اليه بما يسهم في تطوير هذه التأمينات ومشاركة كافة الشركات فـيهـا وإعادة النظر بالقرارات والتعليمات الصادرة بشأنها.
5 – إعادة النظر في مرحلة لاحقة بهيكلية شركات التامين الحكومية بما ينسجم مع التطورات الاقتصادية في العراق وبما يرفع من أعباء الدولة بإدارة مثل هذه النشاطات عن طريق الـمـشـاركة أو دخول استثمارات عربية وأجنبية في النشاط التأميني لزيادة القدرات المالية لهذه الشركات وبما يؤهلها لمواكبـة التطورات الكبيرة التي تحققت في صناعة التامين عالميا من الناحـيـتـيـن الفنية وتطور أساليب العمل.
6 – الالتزام بتعليمات ديوان التامين في ممارسة إعادة التامين بـمـا ينسجم مع ما تقدم وعلى ان يراعى في المراحل الأولى طاقـة السوق وقدراته على الحصول على أفضل الـشـروط لاتفاقيات إعادة التامين وبما يعزز من دور شركة إعادة التامين العراقية على الصعيدين المحلي والخارجي والتي يقع في مقدمة أهدافها تحقيق موازنة معقولـة لميزان المدفوعات قـدر تـعـلـق الأمر بنشاط التامين وإعادة التامين.في مجال تطوير وتحسين الخدمات التأمينية يمكن ان يثار عدد كبير من المقترحات نورد منها ما يأتي:
1 – وفر قانون التامين الجديد المتطلبات القانونية لتأسيس شركات وساطة تامين وتنظيم أعمال وكالات التامين ويقع على شركات التامين تشجيع هذه المنافذ التسويقية الهامة ودعـمـهـا وتـوفـيـر عمولات الإنتاج المناسبة لها لكي تتمكن مـن ترويج وتسويق أعمالها بفعالية.
2 – إعادة النظر بكافة التحديدات والـشـروط الطارئة والاستثنائية التي وضعت في التسعينات عـلـى وثائق التامين والعودة إلى أغطية وشروط التامين الاعتيادية التي كانت توفرها قبل ذلك التاريخ.
3 – الاهتمام بتامين السيارات الشامل باعتباره اقرب أنواع التامين المؤثرة جماهيريا حيث ان عودة الجمهور لاقتناء وثـائـق هذا النوع مـن التامين يـعـتـبـر مـدخـلا لشراء كافة أنواع التامين الأخرى ويعيد ثقة الجماهير بشركات التامين وصدق حمايتها لأموال المواطنين ولا بد من توسيع نطاق مسؤولية الشركات في هذا المجال بالتامين على القيمة الحقيقية للسيارات بمختلف أنواعها لا سيما وان أغطية إعادة التامين توفر مرونة واسعة في تحقيق ذلك.
4 – تطوير التامين عـلى الـحـيـاة ليستوعب الارتفاع فـي معدلات التضخم والعمل على تحسين المنافع في جانبي الحماية الادخار ببدائل مختلفة تشجع على تسويق واقتناء هذا النوع من التامين.
5 – التوسع في تسويق وثيقة الحوادث الشخصية جماعـيـا وفرديـا لما توفره هـذه الـوثـيـقـة مـن حماية جيدة ذات بـعـد اجتماعي للمواطنين مـن الحوادث الطارئـة وبأسعار بسيطة ومـقـبـولة بالإضافة إلى أنها تشكل منفذا آخرا لتسويق وثـائـق تأمينية أخرى من خلال الوعي بأهمية إجراء التامين لكافة النشاطات.
6 – تسويق وثائق لتامين الزراعي بشكل موسع لما يحققه هذا النوع من التامين من قاعدة عددية كبيرة وحجم أقساط عالي بالإضافة لـمـا يـوفـره للعملية الزراعية نباتية وحيوانية مـن حماية وهـي من أهم مرتكزات الاقتصاد العراقي.
7 – طرح أغطية تأمينية غـيـر منتشرة بشكل كـبـيـر فـي العراق بالتعاون مع كافة الأجهزة التسويقية مثل وثائق التامين الصحي وتامين المسؤولية كتامين المسؤولية الـعـشـريـة والمسؤولـيـة المهنية ومسؤولية المنتجات وتامين النشاط الائتماني والتوسع بطرح أغطية تأمينية بسيطة لتوفير حماية للشرائح الاجتماعية الوسطى بأسعار تامين مقبولة للمحلات التجارية ودور السكن والبحث بـشـكـل مستمر فـي آخـر مستجدات الحماية التأمينية على مستوى العالم للاستفادة منها في هذا المجال.
8 – الـقـيـام بـحـمـلـة توعية عـن التحسينات في الأغطية التأمينية والخدمة التعويضية تترافق مع عمليات تسويقية شـامـلـة بـعـد تهيئة كـافـة القنوات التسويقية لـهـذه المهمة ولا ننسى ان خدمة التعويضات وإيصالها للمتضرر بأقصر فترة ممكنة مـن خلال تبسيط الإجراءات هي أفضل أنواع الدعاية للتامين وأهدافه.
9 – دراسـة ومتابعة هـذه المقترحات مـن خلال جـمـعـيـة شركات التامين وإعادة الـتـامـيـن في العراق والاستمرار بـبـحـث كل ما يوفر مستلزمات تـحـقـيـق خـدمـات كبيرة وفعالـة للاقتصاد العراقي والالتزام بالتعليمات التي ستصدر عـن ديوان التامين كـجـهـة رقـابـيـة مشرفـة عـلـى قطاع التامين العراقي بموجب القانون الجديد وبما يكفل تطوير سوق التامين العراقية وحماية حقوق المؤمن لهم والمستفيدين من أعمال التامين.
فؤاد عبدالله عزيز
[1] فؤاد عبدالله عزيز من شيوخ التأمين في العراق. عمل في شركة التأمين الوطنية ثم صار رئيساً ومديراً عاماً لشركة إعادة التأمين العراقية التي تقاعد منها أصبح رئيساً لديوان التأمين العراقي سنة 2004 وهو أول رئيس لهذه الجمعية التي تشكلت بموجب قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005. في سنة 2006 انتقل إلى العمل في البحرين. أنتخب مؤخراً عضواً في جمعية البحرين التأمينية.
في رسالة إلكترونية مؤرخة في 27/5/2007 ذكر الكاتب أن "التامين في العراق هو بحث قدم من قبلي بمواصفات مقررة من لجنة أشرفت على المؤتمر المالي الأول عام 2002 وهو ليس مؤلفا شاملا لتجربة التامين في العراق وإنما كانت محاولة لوضع لبنة يمكننا ان نبني عليها لاحقا . أرسل إليك نسخة من الدراسة بعد ان أضفت عليها بعض الملاحظات التي رأيت انها ستغطي البعض القليل من الكثير الذي يمكن ان يغني هذه الدراسة"
وقد نهضت الفرصة مؤخراً للتحدث عن موضوع التأمين في العراق وهو ما يفسر قيامنا بنشره الآن فما يزال يحتفظ بأهميته في عرض جوانب من تاريخ التأمين وواقعه ومستقبله.
مصباح كمال
2008/07/14
أخبار العراق التأمينية في الصحافة
مصباح كمال
[1]
نشرنا في هذه المدونة تعليقاً قصيراً في 5 آذار 2008 بعنوان: "ملاحظة نقدية على خبر توقيع مذكرة تفاهم في مجال التأمين بين العراق وإيران" نقتبس منه الفقرة التالية لعلاقتها بموضوعنا الحالي "أخبار التأمين في الصحافة":
"قلما تنشر الصحافة العراقية أخباراً وتعليقات عن النشاط التأميني في العراق. وقد يعود سبب ذلك إلى عدم اهتمام قراء الصحف بهذا النشاط أو عدم اهتمام المحررين بالموضوع. ونضيف إلى ذلك ضعف، أو قل انعدام المبادرة، لدى شركات التأمين ذاتها في ترويج دورها وإصدارها لمواد صحفية للنشر وهو أمر مألوف في العلاقات العامة. هذه الحالة ليست مقتصرة على العراق إذ أن صحافة العديد من الدول العربية أيضاً لا تبالي كثيراً بقطاع التأمين. ولعل هذا الوضع يفصح عن الدور الثانوي والضعيف الذي يحتله التأمين في مجمل النشاط الاقتصادي لهذه البلاد. وإن نهضت الفرصة لتوريد خبر أو نشر تعليق فإنه يكتب بلغة ضعيفة وعدم اهتمام بصحة المعلومات والصياغة اللغوية." http://misbahkamal.blogspot.com/2008_03_01_archive.html
لا ندعي معرفة جيدة باللغة العربية للتعليق على سلامة الصياغة اللغوية في ما ينشر من أخبار وتعليقات وتحقيقات وما يسمى تجاوزاً حوارات وغيرها عن النشاط التأميني لكننا نزعم بأننا نعرف بعض جوانب هذا النشاط عن كثب، وهو ما يدعونا إلى تقديم أمثلة، من مصادر مختلفة، عن الكتابة الصحفية الضعيفة المهلهلة، والمضللة للمواطن أحياناً، والمستهينة بحصافة القارئ. وهدفنا من ذلك هو التنبيه على أهمية الصياغة الدقيقة للأخبار وتقديم المعلومات الصحيحة لردم الفجوة المعرفية بالتأمين لدى المواطنات والمواطنين.
[2]
لنبدأ بقراءة الخبر التالي بقلم روبرت نورث تحت عنوان "ازدهار التأمين ضد الإرهاب في العراق" وعنوان ثانوي "شركة تأمين مملوكة للدولة: أبوابنا مفتوحة حتى للمقاتلين." (جريدة الشرق الأوسط، 22 آذار 2006) http://www.aawsat.com/details.asp?section=1&article=354345&issueno=9976
نلاحظ أولاً أن الخبر مترجم من اللغة الإنجليزية وهذا ربما يفسر ضعف التعبير في الفقرة التالية حيث يظهر اسم شركة التأمين العراقية وكأنها إحدى شركات التأمين الخاصة وهي ليست كذلك إذ أنها شركة عامة كانت متخصصة في تأمينات الحياة حتى أواخر ثمانينات القرن الماضي وعندها بدأت الاكتتاب في فروع التأمين الأخرى. ونلاحظ الإثارة الصحفية في العنوان: "أبوابنا مفتوحة للمقاتلين."
"انتعشت نشاطات شركات التأمين في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، رغم حالة الكساد التي يعاني منها الاقتصاد. لكن ذلك يعود جزئياً إلى «التأمين على الإرهاب»، الذي استحدث بسبب أعمال العنف. ففي عام 2004 أنشئت ست شركات تأمين خاصة، أصبحت تتنافس مع الشركات المملوكة للدولة وأبرزها «شركة التأمين العراقية»."
ثم يأتي الخبر على أن "فكرة توفير التأمين للناس العاديين في العراق" تعود "إلى مدير «شركة التأمين العراقية» عباس شهيد الطائي الذي يعتبر الأمر «نوعا من الهدية للشعب العراقي»، إذ «وسعنا مبادئ التأمين على الحياة لتغطية كل شيء يحدث في العراق». ... ويشير إلى أن البوليصة التي تغطي الإرهاب لا تميز بين من يطلق النار أو يفجر القنابل. وهو على استعداد لتوفير التأمين حتى للمقاتل رغم أنه لم يقم بذلك حتى الآن، على حد علمه. ويبرر ذلك بكونها [من هي. أهو المقصود التأمين؟] «سوقا، لا تعرف الفرق (بين الزبائن). نحن نقيّم جيوب الناس قبل كل شيء»".
لا نعرف إن كان حصر امتلاك الفكرة لشركة التأمين العراقية صحيحاً ولعل زملاء المهنة في العراق يبادرون إلى الكتابة عن خلفية إطلاق تأمين خطر الإرهاب كملحق لوثيقة تأمين الحوادث الشخصية الجماعية.
والقول: "وسعنا مبادئ التأمين على الحياة لتغطية كل شيء يحدث في العراق" يقوم على مبالغة. كيف تم توسيع مبادئ التأمين على الحياة "لتغطية كل شئ يحدث في العراق." نقف مشدوهين أمام هذا الذي سماه المتحدث "كل شئ" فهو غير دقيق ولا يقدم معلومة صحيحة عن الحماية التي توفرها آلية التأمين للناس والأموال. أما اعتبار هذا التأمين "نوعاً من الهدية للشعب العراقي" ففيه مجانية غير مبررة. فالهدية تقوم على تقديم منفعة، مادية أو خدمية، دون استيفاء عوض، في حين أن عقد التأمين لا يستقيم دون وجود العوض (قسط التأمين من المؤمن عليه والوعد بالتعويض من شركة التأمين). كيف يتأتى للشركة تقديم هدية للشعب العراقي. إن هذه العبارة غير صحيحة إذ أن من يقرأها سيفهم منها أن الشعب العراقي قد أصبح موضوعاً لحماية تأمينية من خطر الإرهاب وأن الحماية هي هدية (ربما يتذكر القارئ هنا المكرمة والمكرمات التي كان يمنحها مهندس المقابر الجماعية، كما الحكومة الحالية أحياناً، بدلاً من تقديم حلول عقلانية لمشاكل اقتصادية عامة وخاصة يعاني الناس من وطأتها).
والآن أقرأ: "البوليصة التي تغطي الإرهاب لا تميز بين من يطلق النار أو يفجر القنابل. وهو على استعداد لتوفير التأمين حتى للمقاتل رغم أنه لم يقم بذلك حتى الآن، على حد علمه. ويبرر ذلك بكونها «سوقا، لا تعرف الفرق (بين الزبائن). نحن نقيّم جيوب الناس قبل كل شيء»"." ماذا يعني هذا الكلام؟ ربما يعني أن الإصابة البدنية التي تلحق بالمؤمن عليه بفعل عمل إرهابي (إطلاق النار أو تفجير قنبلة) يكون خاضعاً لغطاء التأمين. أما الاستعداد " لتوفير التأمين حتى للمقاتل" فهو يستحق الإدانة القوية على المستوى الأخلاقي. وهو مرفوض من موقع تأميني بحت إذ لا يكافأ المؤمن له على الفعل (والفعل هنا إجرامي: قتل الغير) المتعمد بقصد الاستفادة من غطاء التأمين، كما أن تأمين مثل هذا الفعل هو ضد السياسة والمصالح العامة. وتبرير تأمين المقاتل (وفي السياق يعني ذلك الإرهابي وليس الشرطي أو الجندي) باسم سيادة السوق وقوة المال (القدرة على شراء التأمين – وهو ما اسماه المتحدث بتقييم جيوب الناس) الذي لا يقيم وزناً للوازع الأخلاقي لا ينادي به حتى أعتى المدافعين عن مبدأ الربح الرأسمالي والاستفادة من الفرص بغض النظر عن نتائجها الاجتماعية والأخلاقية.
"ويشرح الطائي طريقة عمله في جلب الزبائن قائلاً: «عندما نتحدث معه [طالب التأمين] حول الموت أو الحوادث، يجب أن نشير إلى أنفسنا: قد أموت غدا، على سبيل المثال. وعندما نتحدث عن الدفع نقول إن الشركة تدفع لك» لا لأسرتك." يراد من الحديث "عن الدفع" دفع التعويض وكان من الأحرى التخصيص هنا لتقديم المعلومة الصحيحة والدقيقة للقراء. ويبدو أن هناك خطأ طباعي فالتعويض لا يدفع للمؤمن عليه (ففي السياق المذكور يكون المؤمن عليه ميتا) وإنما لأسرته (ورثته) في حين يوحي النص بغير ذلك.
[3]
عندما تختلط الترجمة السيئة مع نص فضفاض تضيع وتتشوه المعلومات. فتحت عنوان: "العراقيون يتسابقون فى شراء اقساط //التأمين ضد الهجمات الارهابية//" نقرأ في صحيفة الشعب اليومية اونلاين هذا الخبر: http://arabic.people.com.cn/31662/4238821.html
"بكين 27 مارس/ فى عام 2005، تخلص شاب عراقى يدعى سيد مرتين من الموت. وفى فبراير من هذا العام، انفق 90 دولارا امريكيا فى شراء قسط // التأمين ضد الهجمات الارهابية// من شركة التأمين الحكومية العراقية. اذا لقى مصرعه لسوء الحظ بسبب انفجار السيارة المفخخة والاغتيال والخ فستدفع شركة التأمين له 3500 دولار امريكى، وذلك يعادل رواتب شرطى عراقى لعام واحد. افادت الانباء الواردة من صحيفة نيويورك تايمز يوم 21 مارس ان شراء مثل قسط التأمين هذا اصبح فى العراق نوعا من الاتجاهات . ان شركة التأمين العراقية تبقى الان قيد المناقشة مع بعض الهيئات الحكومية والمؤسسات حول التأمين الجماعى للالاف من عامليها. قد يتعرض العراقيون فى كل وقت للهجمات عندما يمشون فى الشوارع، فلا تعلق الجماهير آمالها على الحكومة ومستخدميها فى حماية سلامة حياتها. ولكن الشاب سيد قال بعد شراء قسط التأمين: هل ثمنى 3500 دولار امريكى فقط؟ من الواضح ان هذا ليس اسلوبا لحل المسألة."
يتوقف المرء مشدوهاً أمام عبارة "شراء أقساط التأمين" فهي غير مفهومة للمواطن. وكذا الأمر بالنسبة لتسابق العراقيين لشراء الحماية التأمينية ضد خطر الإرهاب. تخيل مشهد التسابق نحو شركة التأمين العراقية، أو غيرها من شركات التأمين العامة والخاصة، وهي تستلم طلبات التأمين! كم يبدو غريباً هذا الوصف والعراقيون، كما يرد في الخبر، يتعرضون "للهجمات عندما يمشون في الشوارع." كيف يستقيم هذا الوصف مع حركة التسابق؟
هذا الخبر مثال جيد على غياب المعرفة الصحيحة بالموضوع المكتوب عنه، وسنأتي على مثال آخر مشابه له في الفقرة [5] من هذه المقالة.
[4]
ونقرأ العنوان التالي في جريدة طريق الشعب العدد 165 ليوم 22/4/2008 ننقله بأكمله: http://www.iraqcp.org/Articlesokicpnet/view.php?id=8359
"مدير عام شركة التأمين العراقية العامة خدماتنا تمتد لنصف قرن وشعارنا تدبير اليوم لضمان الغد عبد الرحمن الشافعي تم إيجاد غطاء تأميني للأمراض الخطرة"
في قراءة متفحصة للمقابلة لم نعثر على ذكر "إيجاد غطاء تأميني للأمراض الخطرة" فمن أين جاء معد المقابلة بهذا الموضوع؟ وحتى "وثيقة التأمين الصحي الجماعي وتغطي العمليات الجراحية والمستشفيات الأهلية داخل العراق وخارجه" التي وردت في قائمة الخدمات التأمينية التي تقدمها الشركة لا علاقة لها بموضوع تأمين الأمراض الخطرة.
ويرد في المقابلة أن شركة التأمين العراقية عمدت "إلى إيجاد أغطية جديدة للتأمين ومنها غطاء التأمين للحوادث الإرهابية والتي تغطي حوادث الوفاة بسبب السيارات المفخخة والقتل من جراء الحوادث المسلحة المجهولة. وقد تم بالفعل التأمين للموظفين العاملين في القطاعات الخطرة ومنها موظفي وزارة الكهرباء و (F.p.s) ووزارة المالية والموارد المائية وامانة بغداد."
ترى ما هي هذه الـ (F.p.s)؟ ربما يعرف المواطن العراقي في بغداد ما يعنيه هذا المختصر ولكن أليس من المناسب شرحه لمن لم يمر عليه؟
"* هل من كلمة أخيرة؟ - نود أن نتقدم بالشكر إلى وزارة المالية لدعمها اللامحدود لاعمال الشركة وتذليل العقبات التي تقف حائلاً دون تطويرها وختاماً أدعو كافة المواطنين للاستفادة من خدمات الشركة حيث إن التأمين هو تدبير اليوم لضمان الغد والمستقبل."
يا لبؤس هذا السؤال المبتذل والجواب الفضفاض عليه: الدعم اللامحدود وتذليل العقبات؟ دور وزارة المالية يحتاج إلى مراجعة خاصة معمقة، وقد أتينا في الماضي على ذكر بعض منه.
[5]
ونختم موضوع هذه المقالة باقتباس "متابعة" في جريدة العراق اليوم (السنة الخامسة العدد (607) الأحد 23/9/2007) بعنوان: "استحداث مكاتب للتأمين في المحافظات ودول العالم" http://www.iraqalyoum.net/archf/607/iraq/pag2.htm
"اعلنت شركة التأمين الوطنية العراقية خطة لاستحداث مكاتب للتأمين في بعض المحافظات وعدد من دول العالم. وقال مصدر في وزارة المالية في تصريح صحفي: ان هذه الخطة التي تهدف الى نشر وعي التأمين في عموم المحافظات ودول العالم تتضمن فتح فروع في جميع محافظات العراق ودول الجوار حيث تم شراء شركتين خاصتين بالتأمين في خارج العراق وهنالك ثلاث شركات حكومية عاملة في العراق حاليا وهي شركة التأمين الوطنية والتأمين العراقية واعادة التأمين وتعمل هذه الشركات في جميع المجالات ومنها التأمين الشخصي والتجاري والطيران والاقتصادي والسفن والالزامي والاشخاص والسيارات واستيراد البضائع والزراعي والحوادث المختلفة. وأضاف: هناك اتفاقيات جديدة ستعقد مع ألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وبعض دول الجوار لتوسيع نشاط الشركة وتوزيع الخطر على الشركات"مبينا: "ان الشركة ستطرح وثيقة السفر بحيث يستطيع المسافر أخذها من أي منفذ وفي جميع المحافظات. وكانت شركة التأمين الوطنية العراقية قد حددت في وقت سابق مبالغ التأمين على الحياة بالنسبة للموظفين حيث ارتفعت قيمة التأمين من مليونين إلى عشرة ملايين للموظف الواحد."
نقرأ هذه المتابعة البائسة وعجبنا يزداد: خطة شركة التأمين الوطنية لاستحداث مكاتب للتأمين في عدد من دول العالم. خطة لنشر وعي التأمين في دول العالم. فتح فروع في جميع دول الجوار. إتمام شراء شركتين خاصتين بالتأمين في خارج العراق. شركات التأمين العامة تعمل في جميع المجالات ومنها التأمين الاقتصادي. اتفاقيات جديدة ستعقد مع ألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وبعض دول الجوار لتوسيع نشاط الشركة وتوزيع الخطر على الشركات. أهذه معلومات أم تهويمات في عالم الخيال؟ هل قامت شركة التأمين الوطنية بوضع الأمور في نصابها الصحيح إن كانت إدارتها على علم بهذه المتابعة؟ شركة التأمين الوطنية لم تستطع لحد الآن فتح فروعها في إقليم كوردستان العراق وها هي تقتحم دول الجوار ودول العالم تشتري الشركات وتستحدث المكاتب وتقوم بمهمة نشر الوعي التأميني في العالم. ثم نتعرف على غطاء تأميني لم نسمع به وهو "التأمين الاقتصادي." يا لها من خطط جبارة ويا لها من متابعة لنشاطات لم يعلمنا بها هذا النص أصلاً.
[6]
الدرس المهم الذي نريده من هذا العرض هو ضرورة الدقة في تقديم المعلومات كي لا نوصل ما هو غير صحيح ومبالغ فيه إلى القارئ العادي ونتجنب تشويه الحقائق، ونأخذ بنظر الاعتبار ذكاء أولئك القراء المتابعين للشأن التأميني ونتذكر دائماً أن هناك خبراء في الموضوع الذي نتعامل معه. والمهم أيضاً قيام إدارات شركات التأمين العراقية بمتابعة ما ينشر عن نشاطها وتصحيح الأخطاء فيها أو توضيح ما يستغلق منها على الفهم لدى القراء. هذه فرص، على قلتها، يمكن أن تكون نوافذ للوصول إلى القراء وتأسيس علاقة معهم بعيداً عن التهويل والتبجيل وإيصال المعلومات الصحيحة والإبقاء على ثقة الناس بالتأمين.
مصباح كمال 13 تموز 2008
مصباح كمال
[1]
نشرنا في هذه المدونة تعليقاً قصيراً في 5 آذار 2008 بعنوان: "ملاحظة نقدية على خبر توقيع مذكرة تفاهم في مجال التأمين بين العراق وإيران" نقتبس منه الفقرة التالية لعلاقتها بموضوعنا الحالي "أخبار التأمين في الصحافة":
"قلما تنشر الصحافة العراقية أخباراً وتعليقات عن النشاط التأميني في العراق. وقد يعود سبب ذلك إلى عدم اهتمام قراء الصحف بهذا النشاط أو عدم اهتمام المحررين بالموضوع. ونضيف إلى ذلك ضعف، أو قل انعدام المبادرة، لدى شركات التأمين ذاتها في ترويج دورها وإصدارها لمواد صحفية للنشر وهو أمر مألوف في العلاقات العامة. هذه الحالة ليست مقتصرة على العراق إذ أن صحافة العديد من الدول العربية أيضاً لا تبالي كثيراً بقطاع التأمين. ولعل هذا الوضع يفصح عن الدور الثانوي والضعيف الذي يحتله التأمين في مجمل النشاط الاقتصادي لهذه البلاد. وإن نهضت الفرصة لتوريد خبر أو نشر تعليق فإنه يكتب بلغة ضعيفة وعدم اهتمام بصحة المعلومات والصياغة اللغوية." http://misbahkamal.blogspot.com/2008_03_01_archive.html
لا ندعي معرفة جيدة باللغة العربية للتعليق على سلامة الصياغة اللغوية في ما ينشر من أخبار وتعليقات وتحقيقات وما يسمى تجاوزاً حوارات وغيرها عن النشاط التأميني لكننا نزعم بأننا نعرف بعض جوانب هذا النشاط عن كثب، وهو ما يدعونا إلى تقديم أمثلة، من مصادر مختلفة، عن الكتابة الصحفية الضعيفة المهلهلة، والمضللة للمواطن أحياناً، والمستهينة بحصافة القارئ. وهدفنا من ذلك هو التنبيه على أهمية الصياغة الدقيقة للأخبار وتقديم المعلومات الصحيحة لردم الفجوة المعرفية بالتأمين لدى المواطنات والمواطنين.
[2]
لنبدأ بقراءة الخبر التالي بقلم روبرت نورث تحت عنوان "ازدهار التأمين ضد الإرهاب في العراق" وعنوان ثانوي "شركة تأمين مملوكة للدولة: أبوابنا مفتوحة حتى للمقاتلين." (جريدة الشرق الأوسط، 22 آذار 2006) http://www.aawsat.com/details.asp?section=1&article=354345&issueno=9976
نلاحظ أولاً أن الخبر مترجم من اللغة الإنجليزية وهذا ربما يفسر ضعف التعبير في الفقرة التالية حيث يظهر اسم شركة التأمين العراقية وكأنها إحدى شركات التأمين الخاصة وهي ليست كذلك إذ أنها شركة عامة كانت متخصصة في تأمينات الحياة حتى أواخر ثمانينات القرن الماضي وعندها بدأت الاكتتاب في فروع التأمين الأخرى. ونلاحظ الإثارة الصحفية في العنوان: "أبوابنا مفتوحة للمقاتلين."
"انتعشت نشاطات شركات التأمين في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، رغم حالة الكساد التي يعاني منها الاقتصاد. لكن ذلك يعود جزئياً إلى «التأمين على الإرهاب»، الذي استحدث بسبب أعمال العنف. ففي عام 2004 أنشئت ست شركات تأمين خاصة، أصبحت تتنافس مع الشركات المملوكة للدولة وأبرزها «شركة التأمين العراقية»."
ثم يأتي الخبر على أن "فكرة توفير التأمين للناس العاديين في العراق" تعود "إلى مدير «شركة التأمين العراقية» عباس شهيد الطائي الذي يعتبر الأمر «نوعا من الهدية للشعب العراقي»، إذ «وسعنا مبادئ التأمين على الحياة لتغطية كل شيء يحدث في العراق». ... ويشير إلى أن البوليصة التي تغطي الإرهاب لا تميز بين من يطلق النار أو يفجر القنابل. وهو على استعداد لتوفير التأمين حتى للمقاتل رغم أنه لم يقم بذلك حتى الآن، على حد علمه. ويبرر ذلك بكونها [من هي. أهو المقصود التأمين؟] «سوقا، لا تعرف الفرق (بين الزبائن). نحن نقيّم جيوب الناس قبل كل شيء»".
لا نعرف إن كان حصر امتلاك الفكرة لشركة التأمين العراقية صحيحاً ولعل زملاء المهنة في العراق يبادرون إلى الكتابة عن خلفية إطلاق تأمين خطر الإرهاب كملحق لوثيقة تأمين الحوادث الشخصية الجماعية.
والقول: "وسعنا مبادئ التأمين على الحياة لتغطية كل شيء يحدث في العراق" يقوم على مبالغة. كيف تم توسيع مبادئ التأمين على الحياة "لتغطية كل شئ يحدث في العراق." نقف مشدوهين أمام هذا الذي سماه المتحدث "كل شئ" فهو غير دقيق ولا يقدم معلومة صحيحة عن الحماية التي توفرها آلية التأمين للناس والأموال. أما اعتبار هذا التأمين "نوعاً من الهدية للشعب العراقي" ففيه مجانية غير مبررة. فالهدية تقوم على تقديم منفعة، مادية أو خدمية، دون استيفاء عوض، في حين أن عقد التأمين لا يستقيم دون وجود العوض (قسط التأمين من المؤمن عليه والوعد بالتعويض من شركة التأمين). كيف يتأتى للشركة تقديم هدية للشعب العراقي. إن هذه العبارة غير صحيحة إذ أن من يقرأها سيفهم منها أن الشعب العراقي قد أصبح موضوعاً لحماية تأمينية من خطر الإرهاب وأن الحماية هي هدية (ربما يتذكر القارئ هنا المكرمة والمكرمات التي كان يمنحها مهندس المقابر الجماعية، كما الحكومة الحالية أحياناً، بدلاً من تقديم حلول عقلانية لمشاكل اقتصادية عامة وخاصة يعاني الناس من وطأتها).
والآن أقرأ: "البوليصة التي تغطي الإرهاب لا تميز بين من يطلق النار أو يفجر القنابل. وهو على استعداد لتوفير التأمين حتى للمقاتل رغم أنه لم يقم بذلك حتى الآن، على حد علمه. ويبرر ذلك بكونها «سوقا، لا تعرف الفرق (بين الزبائن). نحن نقيّم جيوب الناس قبل كل شيء»"." ماذا يعني هذا الكلام؟ ربما يعني أن الإصابة البدنية التي تلحق بالمؤمن عليه بفعل عمل إرهابي (إطلاق النار أو تفجير قنبلة) يكون خاضعاً لغطاء التأمين. أما الاستعداد " لتوفير التأمين حتى للمقاتل" فهو يستحق الإدانة القوية على المستوى الأخلاقي. وهو مرفوض من موقع تأميني بحت إذ لا يكافأ المؤمن له على الفعل (والفعل هنا إجرامي: قتل الغير) المتعمد بقصد الاستفادة من غطاء التأمين، كما أن تأمين مثل هذا الفعل هو ضد السياسة والمصالح العامة. وتبرير تأمين المقاتل (وفي السياق يعني ذلك الإرهابي وليس الشرطي أو الجندي) باسم سيادة السوق وقوة المال (القدرة على شراء التأمين – وهو ما اسماه المتحدث بتقييم جيوب الناس) الذي لا يقيم وزناً للوازع الأخلاقي لا ينادي به حتى أعتى المدافعين عن مبدأ الربح الرأسمالي والاستفادة من الفرص بغض النظر عن نتائجها الاجتماعية والأخلاقية.
"ويشرح الطائي طريقة عمله في جلب الزبائن قائلاً: «عندما نتحدث معه [طالب التأمين] حول الموت أو الحوادث، يجب أن نشير إلى أنفسنا: قد أموت غدا، على سبيل المثال. وعندما نتحدث عن الدفع نقول إن الشركة تدفع لك» لا لأسرتك." يراد من الحديث "عن الدفع" دفع التعويض وكان من الأحرى التخصيص هنا لتقديم المعلومة الصحيحة والدقيقة للقراء. ويبدو أن هناك خطأ طباعي فالتعويض لا يدفع للمؤمن عليه (ففي السياق المذكور يكون المؤمن عليه ميتا) وإنما لأسرته (ورثته) في حين يوحي النص بغير ذلك.
[3]
عندما تختلط الترجمة السيئة مع نص فضفاض تضيع وتتشوه المعلومات. فتحت عنوان: "العراقيون يتسابقون فى شراء اقساط //التأمين ضد الهجمات الارهابية//" نقرأ في صحيفة الشعب اليومية اونلاين هذا الخبر: http://arabic.people.com.cn/31662/4238821.html
"بكين 27 مارس/ فى عام 2005، تخلص شاب عراقى يدعى سيد مرتين من الموت. وفى فبراير من هذا العام، انفق 90 دولارا امريكيا فى شراء قسط // التأمين ضد الهجمات الارهابية// من شركة التأمين الحكومية العراقية. اذا لقى مصرعه لسوء الحظ بسبب انفجار السيارة المفخخة والاغتيال والخ فستدفع شركة التأمين له 3500 دولار امريكى، وذلك يعادل رواتب شرطى عراقى لعام واحد. افادت الانباء الواردة من صحيفة نيويورك تايمز يوم 21 مارس ان شراء مثل قسط التأمين هذا اصبح فى العراق نوعا من الاتجاهات . ان شركة التأمين العراقية تبقى الان قيد المناقشة مع بعض الهيئات الحكومية والمؤسسات حول التأمين الجماعى للالاف من عامليها. قد يتعرض العراقيون فى كل وقت للهجمات عندما يمشون فى الشوارع، فلا تعلق الجماهير آمالها على الحكومة ومستخدميها فى حماية سلامة حياتها. ولكن الشاب سيد قال بعد شراء قسط التأمين: هل ثمنى 3500 دولار امريكى فقط؟ من الواضح ان هذا ليس اسلوبا لحل المسألة."
يتوقف المرء مشدوهاً أمام عبارة "شراء أقساط التأمين" فهي غير مفهومة للمواطن. وكذا الأمر بالنسبة لتسابق العراقيين لشراء الحماية التأمينية ضد خطر الإرهاب. تخيل مشهد التسابق نحو شركة التأمين العراقية، أو غيرها من شركات التأمين العامة والخاصة، وهي تستلم طلبات التأمين! كم يبدو غريباً هذا الوصف والعراقيون، كما يرد في الخبر، يتعرضون "للهجمات عندما يمشون في الشوارع." كيف يستقيم هذا الوصف مع حركة التسابق؟
هذا الخبر مثال جيد على غياب المعرفة الصحيحة بالموضوع المكتوب عنه، وسنأتي على مثال آخر مشابه له في الفقرة [5] من هذه المقالة.
[4]
ونقرأ العنوان التالي في جريدة طريق الشعب العدد 165 ليوم 22/4/2008 ننقله بأكمله: http://www.iraqcp.org/Articlesokicpnet/view.php?id=8359
"مدير عام شركة التأمين العراقية العامة خدماتنا تمتد لنصف قرن وشعارنا تدبير اليوم لضمان الغد عبد الرحمن الشافعي تم إيجاد غطاء تأميني للأمراض الخطرة"
في قراءة متفحصة للمقابلة لم نعثر على ذكر "إيجاد غطاء تأميني للأمراض الخطرة" فمن أين جاء معد المقابلة بهذا الموضوع؟ وحتى "وثيقة التأمين الصحي الجماعي وتغطي العمليات الجراحية والمستشفيات الأهلية داخل العراق وخارجه" التي وردت في قائمة الخدمات التأمينية التي تقدمها الشركة لا علاقة لها بموضوع تأمين الأمراض الخطرة.
ويرد في المقابلة أن شركة التأمين العراقية عمدت "إلى إيجاد أغطية جديدة للتأمين ومنها غطاء التأمين للحوادث الإرهابية والتي تغطي حوادث الوفاة بسبب السيارات المفخخة والقتل من جراء الحوادث المسلحة المجهولة. وقد تم بالفعل التأمين للموظفين العاملين في القطاعات الخطرة ومنها موظفي وزارة الكهرباء و (F.p.s) ووزارة المالية والموارد المائية وامانة بغداد."
ترى ما هي هذه الـ (F.p.s)؟ ربما يعرف المواطن العراقي في بغداد ما يعنيه هذا المختصر ولكن أليس من المناسب شرحه لمن لم يمر عليه؟
"* هل من كلمة أخيرة؟ - نود أن نتقدم بالشكر إلى وزارة المالية لدعمها اللامحدود لاعمال الشركة وتذليل العقبات التي تقف حائلاً دون تطويرها وختاماً أدعو كافة المواطنين للاستفادة من خدمات الشركة حيث إن التأمين هو تدبير اليوم لضمان الغد والمستقبل."
يا لبؤس هذا السؤال المبتذل والجواب الفضفاض عليه: الدعم اللامحدود وتذليل العقبات؟ دور وزارة المالية يحتاج إلى مراجعة خاصة معمقة، وقد أتينا في الماضي على ذكر بعض منه.
[5]
ونختم موضوع هذه المقالة باقتباس "متابعة" في جريدة العراق اليوم (السنة الخامسة العدد (607) الأحد 23/9/2007) بعنوان: "استحداث مكاتب للتأمين في المحافظات ودول العالم" http://www.iraqalyoum.net/archf/607/iraq/pag2.htm
"اعلنت شركة التأمين الوطنية العراقية خطة لاستحداث مكاتب للتأمين في بعض المحافظات وعدد من دول العالم. وقال مصدر في وزارة المالية في تصريح صحفي: ان هذه الخطة التي تهدف الى نشر وعي التأمين في عموم المحافظات ودول العالم تتضمن فتح فروع في جميع محافظات العراق ودول الجوار حيث تم شراء شركتين خاصتين بالتأمين في خارج العراق وهنالك ثلاث شركات حكومية عاملة في العراق حاليا وهي شركة التأمين الوطنية والتأمين العراقية واعادة التأمين وتعمل هذه الشركات في جميع المجالات ومنها التأمين الشخصي والتجاري والطيران والاقتصادي والسفن والالزامي والاشخاص والسيارات واستيراد البضائع والزراعي والحوادث المختلفة. وأضاف: هناك اتفاقيات جديدة ستعقد مع ألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وبعض دول الجوار لتوسيع نشاط الشركة وتوزيع الخطر على الشركات"مبينا: "ان الشركة ستطرح وثيقة السفر بحيث يستطيع المسافر أخذها من أي منفذ وفي جميع المحافظات. وكانت شركة التأمين الوطنية العراقية قد حددت في وقت سابق مبالغ التأمين على الحياة بالنسبة للموظفين حيث ارتفعت قيمة التأمين من مليونين إلى عشرة ملايين للموظف الواحد."
نقرأ هذه المتابعة البائسة وعجبنا يزداد: خطة شركة التأمين الوطنية لاستحداث مكاتب للتأمين في عدد من دول العالم. خطة لنشر وعي التأمين في دول العالم. فتح فروع في جميع دول الجوار. إتمام شراء شركتين خاصتين بالتأمين في خارج العراق. شركات التأمين العامة تعمل في جميع المجالات ومنها التأمين الاقتصادي. اتفاقيات جديدة ستعقد مع ألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وبعض دول الجوار لتوسيع نشاط الشركة وتوزيع الخطر على الشركات. أهذه معلومات أم تهويمات في عالم الخيال؟ هل قامت شركة التأمين الوطنية بوضع الأمور في نصابها الصحيح إن كانت إدارتها على علم بهذه المتابعة؟ شركة التأمين الوطنية لم تستطع لحد الآن فتح فروعها في إقليم كوردستان العراق وها هي تقتحم دول الجوار ودول العالم تشتري الشركات وتستحدث المكاتب وتقوم بمهمة نشر الوعي التأميني في العالم. ثم نتعرف على غطاء تأميني لم نسمع به وهو "التأمين الاقتصادي." يا لها من خطط جبارة ويا لها من متابعة لنشاطات لم يعلمنا بها هذا النص أصلاً.
[6]
الدرس المهم الذي نريده من هذا العرض هو ضرورة الدقة في تقديم المعلومات كي لا نوصل ما هو غير صحيح ومبالغ فيه إلى القارئ العادي ونتجنب تشويه الحقائق، ونأخذ بنظر الاعتبار ذكاء أولئك القراء المتابعين للشأن التأميني ونتذكر دائماً أن هناك خبراء في الموضوع الذي نتعامل معه. والمهم أيضاً قيام إدارات شركات التأمين العراقية بمتابعة ما ينشر عن نشاطها وتصحيح الأخطاء فيها أو توضيح ما يستغلق منها على الفهم لدى القراء. هذه فرص، على قلتها، يمكن أن تكون نوافذ للوصول إلى القراء وتأسيس علاقة معهم بعيداً عن التهويل والتبجيل وإيصال المعلومات الصحيحة والإبقاء على ثقة الناس بالتأمين.
مصباح كمال 13 تموز 2008
2008/07/04
نظرات تاريخية في التأمين
تأليف: إيرفنغ فيفّر و ديفيد كللوك
ترجمة وتقديم: مصباح كمال
مقدمة: موقع شريعة حمورابي في تاريخ التأمين
النص التالي، بعد هذه المقدمة، هو ترجمة للصفحات 3-6 من الجزء الأول المعنون نظرات تاريخية من كتاب: نظرات في التأمين
Irving Pfeffer & David R. Klock, Perspectives on Insurance (Prentice-Hall, Inc, Englewood Cliffs, N.J., 1974)
لقد أقدمنا على ترجمة هذا النص لأنه بين أيدينا، وفيه فائدة للتعرف على بواكير فكرة التأمين كما وردت في شريعة حمورابي، وللتذكير بالعمق الحضاري للعراق.* لسنا ندعي معرفة تاريخية وما نذكره في هذه المقدمة القصيرة ليس إلا إشارات أولية واقتباس لبعض النصوص المتوفرة لدينا دون الغوص في التحليل والتعليق.[1] لعل المتمرسين في البحث التاريخي لحضارة العراق القديم يقومون بدراسة الإرث القديم لإظهار جذور فكرة التأمين وخاصة في التعامل التجاري الخارجي الذي أنشأ الحاجة لأشكال أولية من إدارة الخطر توزيعاً وتحويلاً له من خلال المشاركة.
لقد كان لنا اهتمام سابق بموضوع هذه المادة. ترجع معرفتي الأولية بالموضوع إلى أوائل سبعينات القرن الماضي عندما كنت أعمل في قسم التأمين الهندسي في شركة التأمين الوطنية. وقتها تعرفت على د. سليم الوردي، قسم التخطيط والمتابعة، ونشأت بيننا ألفة فكرية واهتماماً بالأشكال التي يمكن أن تتخذها آلية التأمين في التشكيلات الاقتصادية القديمة والحديثة. وكان الزميل الوردي يحدثني عن كاتب روسي، اسمه رايخر Raikher، تناول موضوع الأشكال الاجتماعية للتأمين في كتاب صدر بالروسية في أواسط أربعينيات القرن العشرين وكان يفكر بترجمته للعربية.[2]
وقتها قرأت دراسة لزهير العطية في رسالة التأمين (مجلة المؤسسة العامة للتأمين، لا أتوفر على نسخة منها ولا أتذكر مضمون المعالجة) عن الأصول الأولية للتأمين في مسلة حمورابي بقيت فكرتها العامة عالقة في ذاكرتي[3] لم أكن آنذاك قد تعرفت على بعض العناصر الشعبية المرتبطة بآلية التأمين كالتخفيف من آثار ما يلحق الإنسان من أذى وأضرار مادية من خلال صندوق العشيرة. كما لم أتعرف على الصيغة التكافلية للتأمين، التي أخذت بالشيوع منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، رغم أن هذه الصيغة كانت موضوعاً للتعليق عن مدى مشروعية التأمين التجاري في الشريعة الإسلامية. وكانت معرفتي بها لا تتجاوز ما يمكن إدراجه، مع شئ من التصرف، تحت عنوان التكافل الاجتماعي كالزكاة والصدقات والأوقاف والبر بالوالدين وكلها في رأي تجنح صوب تحقيق نمط من التوازن الاجتماعي والتخفيف من آثار التفاوت الطبقي بين الناس دون المساس بالبناء الاجتماعي.
وهذه، كغيرها، ليست صيغ تأمينية خالصة تقوم على نظرية للاحتمالات واتفاق واضح بين طرفين متعاقدين وقسط لقاء الحماية المالية من آثار الأضرار التي تصيب الإنسان وأمواله رغم وجود صندوق مالي (واصطلاحاً صندوق أقساط التأمين) يستفاد منه في التعويض وتنظيم شبه مؤسسي (للنشاط التأميني) يقوم بإدارة عملية توزيع عبء الخسارة التي تلحق بالبعض على عدد أكبر من أعضاء الجماعة.[4]
وهكذا فإن هذه الأشكال الأولية للتأمين، رغم غياب العناصر التي تنتظم التأمين التجاري، الرأسمالي، الحديث لم تكن إلا محاولات أولى لإدارة الخسارة والتعويض وتحويل عبء الخطر والتعاضد، وشكلت الخطوات الأولى في التطور اللاحق للتأمين كمؤسسة تجارية تقوم بوظيفة التعويض عن الأموال الهالكة وبالتالي تساهم في ديمومة الإنتاج.
âââ
نلاحظ في النصوص القديمة سيادة مبدأ القصاص لمن يتسبب بضرر أو خسارة تلحق بالغير لكننا لا نعدم استبداله بالتعويض المالي في بعض الحالات. ونلاحظ أيضاً إن معظم من يقتبس النصوص القديمة، الدنيوية والدينية منها، يركز على ما له علاقة بالشأن المادي ولا يرد لديهم ذكر تلك النصوص التي تمس جسم وحياة الإنسان ضمن منظومة العقوبات في غاية القسوة. لنستعرض بعضاً من هذه النصوص:
"لا تشفق عينك نفس بنفس عين بعين سن بسن يد بيد رجل برجل."
العهد القديم، سفر التثنية، الإصحاح 21:19
"وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل وكيّا بكي وجرحا بجرح ورضّا برضّ."
العهد القديم، سفر الخروج، الإصحاح 21: 23, 24, 25
وقد سبق ذلك القصاص قانون أورنامو (2111-2094 ق.م.) السومري إذ ورد في المادة الأولى منه: " .... إذا اقترف رجل جريمة قتل فإن ذلك الرجل يجب أن يقتل."[5]
والنصوص الدينية هذه مستقاة من الشرائع العراقية القديمة ووجدت طريقها إلى الأديان التوحيدية الأخرى. قطعاً لم تؤسس هذه النصوص البدائية الفظيعة في أحكامها أشكالاً أولية من التأمين على الحوادث الشخصية إلا فيما ندر إذ نجد في القوانين العراقية القديمة بعض المواد عن مبدأ تعويض الأضرار البدنية بالمال بدلاً من العقاب البدني.
كما نجد إشارة لتحمل المسؤولية نيابة عن الغير vicarious liability ففي قانون إشنونا يرد ما يلي:
المادة السادسة والخمسون
إذا كان (هناك) كلب مسعور، وأعلمت السلطات صاحبه بذلك، لكن هذا لم يحرس (ينتبه إلى) كلبه وعض (الكلب) إنساناً وسبَّبَ موته، فعلى صاحب الكلب أن يدفع ثلثي مينة فضة.[6]
حكم هذه المادة ينصب على "كلب مسعور" (لاحظ مستوى التنظيم الدقيق في قيام السلطات بإعلام صاحب الكلب بأن كلبه مسعور) ولكن المبدأ الذي ينتظم هذه المادة ينطبق على المسؤولية المدنية (القانونية أو التعاقدية) المعاصرة لرب البيت عن أفراد أسرته، وعن حيواناته التي قد تسبب ضرراً للطرف الثالث، ومسؤولية رب العمل عن أفعال مستخدميه وآخرين عن وكلائهم ومن يتصرفون باسمهم ونيابة عنهم. ولعلنا نستطيع الكتابة عن هذا الموضوع في المستقبل. ونلاحظ هنا أن التعويض لا يقوم على القصاص من صاحب الكلب المسعور بل التعويض النقدي.
âââ
تتألف شريعة حمورابي من 282 مادة. لم يقتبس المؤلفان، الذي نترجم لهما، ما يكفي من موادها للتوسع في توضيح أهميتها في تشكيل العناصر البدائية لفكرة التأمين خاصة وأنها أكثر ثراءً من نصوص العهد القديم الفقيرة من هذه الناحية وتميل إلى الجانب الديني والعلاقة الضيقة بين العبرانيين والأقوام الأخرى. إضافة إلى أن هذه النصوص العبرية تالية لشريعة حمورابي. وكما يؤكد الباحثون فإن بعضاً من مفردات العهد القديم مأخوذة من هذه وغيرها من الشرائع القديمة في العراق. اقتصر المؤلفان، في تجاوز أهمية شريعة حمورابي، على القول: "ويمكن إرجاع أصول بعض أشكال القرض البحري، أو التأمين البحري، لشريعة حمورابي أيضاً."
ونقتبس فيما يلي بعض مواد شريعة حمورابي ذات العلاقة بتطور مؤسسة التأمين في جانبه البحري وغير البحري لإكمال ما أهمله المؤلفان دون إضافة تعليقات عليها.
المادة مائة واثنتان
إذا أعطى تاجر فضة إلى بائع متجول كسلفة للتجارة بدون فائدة، وتعرض حيثما ذهب للخسارة، يجب عليه أن يعيد رأس المال فقط إلى التاجر.
المادة مائتان واثنتان وثلاثون
إذا أتلف ممتلكات (حاجات وأشياء) فعليه (أي البنّاء) أن يعوض كل ما أتلف ولأن البيت الذي لم يكن محكماً وسقط، عليه أن يبني البيت المتهدم على حسابه الخاص.
المادة مائتان وثلاث وثلاثون
إذا بنى بنّاء بيتاً ولم ينفذ عمله بإتقان وتصدع الجدار، فعلى هذا البنّاء أن يدعم الجدار على حسابه الخاص.
المادة مائتان وسبع وثلاثون
إذا استأجر إنسان ملاحاً وسفينة وحمّلها حبوباً أو صوفاً أو زيتاً أو بلحاً أو أي حمولة أخرى، وأغرق هذا الملاح السفينة نتيجة الإهمال، وضاع ما عليها، فعلى الملاح أن يعوض السفينة التي أغرقها مع كل ما كان عليها وفقد.
المادة مائتان وأربعون
إذا صدمت سفينة ذات مجاديف (سفينة تبحر مع التيار) سفينة شراعية (سفينة تبحر عكس التيار) وأغرقتها، فعلى صاحب السفينة الذي سفينته غرقت أن يذكر أمام الإله كل ما فقد في سفينته، وعلى صاحب السفينة ذات المجاديف (سفينة تبحر مع التيار) الذي أغرق السفينة الشراعية (سفينة تبحر عكس التيار) أن يعوضه سفينة وكل ما فقد.
âââ
يعتبر عقد القرض البحري bottomry أول صيغة للتأمين البحري، وهو أقدم أنواع التأمين. وبموجب هذا العقد، في أحد صوره، يتحمل المدين (ربان السفينة أو صاحب السفينة الناقلة للبضائع) مسؤولية تسديد الدين والفائدة في حالة وصول البضائع المشحونة سليمة إلى المكان المتفق عليه. وإن غرقت السفينة أو تعرضت للقرصنة وهلكت وما عليها من بضائع فإن المدين لن يكون مطالباً بإرجاع قيمة القرض أو الفائدة المتفقة عليها مع ربان السفينة أو صاحبها.
والقرض البحري بهذه الصفة هو اتفاق بين طرفين يقوم على المجازفة (وفيها عنصر الاحتمال بالتعرض لخسارة أو عدمها) وعلى تحويل عبء المجازفة (عبء الخطر) من طرف إلى آخر لقاء فائدة (قسط التأمين)، إذ يقوم أحد الطرفين بتمويل رحلة تجاريــــــــــة بحرية في شكل قرض بضمان السفينة bottom أو البضاعة cargo (وعندها يعرف العقد باسم respondentia) أو كليهما bottomry bond ، فإذا انتهت الرحلة البحرية بسلام استرد الدائن قيمة القرض مع الفائدة المحددة قبل قيام الرحلة وإن فشل ربان السفينة بسداد الدين في الموعد المحدد له فإن سفينته تصادر كسداد للدين.[7]
وقبل شريعة حمورابي كان هناك قانون ليبيت عشتار (1934-1924 ق.م.)، الذي تناول بعض مخاطر التجارة والنقل. فقد جاء في المادة الخامسة:
إذا استلم رجل سفينة وحُددت له المسافة المتفق على قطعها، لكن الملاّح غيرَّ الطريق وسُرقت السفينة، فعلى الذي استلم السفينة أن يدفع تعويضاً عنها."[8]
وكان هناك قانون إشنونا الذي دوّن في عهد الملك دادوشا (نحو 1800 ق.م.)[9]نقتبس منها الآتي والذي يتناول الفعل البشري (الإهمال) المؤدي إلى الخسارة وليس أعمال القوة القاهرة:
المادة الخامسة
إذا أغرق الملاح السفينة نتيجة الإهمال، فعليه أن يدفع كل ما أغرق كاملاً.
المادة السادسة
إذا استولى إنسان بطريقة غير شرعية على سفينة ليست له فعليه أن يدفع 10 شيقيل فضة.
ومن باب التوسع نقتبس مادتين من قانون إشنونا لهما علاقة بالضرر المادي الذي يستوجب التعويض:
المادة السادسة والثلاثون
إذا أعطى رجل ماله (حرفياً: أملاكه) كأمانة إلى (رجل) موثوق، وعلى الرغم من أن البيت (بيت الرجل الموثوق) لم يُقتحم والباب لم يُخلع والنافذة لم تُكسر، فُقد المال الذي أعطاه إياه (الرجل)، فعليه أن يعوَّضه عن ماله.
المادة السابعة والثلاثون
إذا نهب (سُرق) بيت الرجل، وفقد صاحب البيت شيئاً من أمواله مع المال المودَع الذي أعطاه إياه، فعلى صاحب البيت أن يقسم له بالإله عند بوابة معبد تيشباك (قائلاً): "مع مالك فقدت أمولاً أيضاً، لم أقترف غشاً أو كذباً" هكذا يجب أن يحلف له، بعد ذلك ليس لهذا أية مطالب عليه.
âââ
ختاماً لهذه المقدمة نورد ترجمة لأطروحة د. ترينيري Trenerry عن عقد القرض البحري. يقول في تلخيصه لنظريته ما يلي:
"1 إن صيغة العقد للقرض يعود إلى ما قبل 2250 ق.م. أنشأها البابليون اللذين قاموا بتطويرها اعتماداً على عرف تجاري شبيه لما يعرف بالـ Commenda of Islam [اتفاق تجاري كالقراض والمضاربة تشبه شركة التضامن].
2 إن البابليين ومن خلال تجارتهم عرّفوا الفينيقيين والهندوس على العقد، وقام هؤلاء بتغيير وتحوير العقد ليتماشى مع متطلباتهم.
3 إن الفينيقيين نقلوا العقد المحور من قبلهم إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط شاملاً الإغريق والروديين وغيرهم ...
4 إن الرومان اكتسبوا معرفتهم بالعقد من الإغريق أو، وهذا احتمال ضعيف، من الروديين.
5 إن العقد كما كان معروفاً ومستعملاً في العصور الوسطى قد جاء أساساً كمحصلة للعقد في صيغته الرومانية لكن مصدره في آخر الأمر يعود للبابليين."[10]
إن فكرة التعويض أو الضمان أو المشاركة في الخطر بحد ذاتها، كما ترد في شريعة حمورابي أو الكتب الدينية، ما هي إلا محاولات بدائية تضم عناصر تطورت فيما بعد لتشكّل آلية التأمين ويجب أن تقرأ في هذا السياق دون أن تُحمّل بما ليس فيها. ونعني بذلك الهوس الإيديولوجي في اكتشاف المؤسسات الحديثة في العالم القديم كمؤسسة التأمين والسوق والرأسمالية ..الخ. شريعة حمورابي تحتل مكانة مميزة في تاريخ التشريعات القانونية لشموليتها ووضوح الأحكام الواردة فيها، وهي تستحق مزيداً من الدراسة لإغناء تواصل العراقيين بجذورهم الحضارية والوقوف على سبق البابليين القدماء في إدخال قواعد معينة لإدارة العلاقات بين الناس وصارت تشكّل مع مرور الزمن أحد مصادر ابتداع آلية التأمين. نأمل أن يقوم زملاؤنا المعنيين بهذا الدرس.
مصباح كمال
4 تموز 2008
النص المترجم:
نظرات تاريخية في التأمين
بواكير تاريخ التأمين
ارتبط تطور التأمين مع بداية التاريخ الاقتصادي كآلية لتقليل الخوف والقلق الذي يلازم الناس في حياتهم المليئة بعدم التأكد. ورغم أن الآلية كانت تفتقر للنقاء الذي يتصف به التأمين المعاصر فإن المشاركة في الخطر وآليات تحويله موجودة في كل الحضارات القديمة. فقد تنبه الناس إلى الحاجة للتخفيف من وطأة الأخطار في حياتهم اليومية وتقليص عدم التأكد من المجهول بهدف تعظيم الأمان لأنفسهم. إن كل الحضارات التي درستها العلوم الاجتماعية ابتدعت آلية للتأمين بشكل أو آخر. فكلما كان القلق حاضراً في الشأن الاقتصادي ظهر التأمين كوسيلة لتحرير الفرد من بعض نتائج المثبطات أو الفوضى الاقتصادية.
فكرة التأمين
يبحث المؤرخ عن تعريف للتأمين يتصف بعمومية ليشمل الممارسات المؤسسية المختلفة في أكثر من مكان. واعتماداً على ذلك يكون التعريف العام التالي مناسباً:
التأمين آلية لتخفيض عدم التأكد لدى طرف، يسمى المؤمن له، من خلال تحويل أخطار معينة لطرف آخر، يسمى المؤمِن [بكسر الجيم]، الذي يوفر استرداداً، جزئياً على الأقل، للخسائر الاقتصادية التي تعرض لها المؤمن له.[11]
المفاهيم الأساسية في هذا التعريف هي: "تخفيض عدم التأكد" وهو إنقاص قلق المؤمن له الفرد؛ "تحويل أخطار معينة" الذي يدل ضمناً على عدم قابلية تحويل جميع مصادر الخسارة؛ "استرداد الخسائر الاقتصادية" يعني أن كل أنواع الخسائر التي يتعرض لها المؤمن الفرد ليست قابلة للتعويض، فليس هناك مؤمن يستطيع أن يأمل باستعادة حب من رحل عن الدنيا أو استعادة القيمة الجمالية لعمل فني أصيل. كل ما يأمله المؤمن هو التعويض الجزئي للخسارة الاقتصادية. هذا هو كل ما يقوم به التأمين اليوم، وهو كل ما يستطيع التأمين القيام به تقريباً.[12]
ولادة التأمين
تخبرنا الأساطير أن التجار الصينيين الذين كانوا يسيّرون رحلاتهم في نهر يانغتزي الغادر كانوا يوزعون شحن بضائعهم على قوارب مختلفة بدلاً من حصرها في قارب واحد. وهكذا فإن القارب الواحد كان يحمل بضائع تعود لأكثر من تاجر. فإذا أنقلب القارب فإن خسارة كل تاجر كانت محددة بجزء صغير من مجمل بضاعته. ويفترض هنا أن قانون المعدل law of average يلعب دوره في الحفاظ على القسم الأعظم من البضائع المشحونة بهذه الطريقة.
النسخة العربية لهذه الحكاية تتعلق بالقوافل التي تجوب الصحراء وتقع ضحية لقطاع الطرق واللصوص والقراصنة. فمن خلال توزيع بضاعته على عدة قوافل وبين أكثر من جمل في القافلة الواحدة يمكن للتاجر أن يكون متأكداً بما يكفي إن وقعت مصيبة وذلك لأن جزءاً يسيراً من بضاعته تتعرض للخسارة.
وفي نسخة أخرى من هذه الحكاية تكون الإشارة إلى الإبحار قرب الشواطئ في آسيا الوسطى حيث كانت الخسائر الناتجة عن أعمال القرصنة أو الأنواء البحرية تقلل بنفس الطريقة – أي توزيع البضاعة.
ربما كان أول ذكر لمفهوم التحويل التأميني هو ذلك المتعلق بالضمان suretyship إذ يقوم طرف بضمان أداء العقود من قبل طرف آخر. ويضم العهد القديم العديد من الملاحظات عن ممارسة مثل هذا الضمان.
يَا ابْنِي، إِنْ ضَمِنْتَ صَاحِبَكَ، إِنْ صَفَّقْتَ كَفَّكَ لِغَرِيبٍ، إِنْ عَلِقْتَ فِي كَلاَمِ فَمِكَ، إِنْ أُخِذْتَ بِكَلاَمِ فِيكَ، إِذًا فَافْعَلْ هذَا يَا ابْنِي، وَنَجِّ نَفْسَكَ إِذَا صِرْتَ فِي يَدِ صَاحِبِكَ، اذْهَبْ تَرَامَ وَأَلِحَّ عَلَى صَاحِبِكَ.
ضَرَرًا يُضَرُّ مَنْ يَضْمَنُ غَرِيبًا، وَمَنْ يُبْغِضُ صَفْقَ الأَيْدِي مُطْمَئِنٌّ.
اَلإِنْسَانُ النَّاقِصُ الْفَهْمِ يَصْفِقُ كَفًّا وَيَضْمَنُ صَاحِبَهُ ضَمَانًا.
خُذْ ثَوْبَهُ لأَنَّهُ ضَمِنَ غَرِيبًا، وَلأَجْلِ الأَجَانِبِ ارْتَهِنْ مِنْهُ.
لاَ تَكُنْ مِنْ صَافِقِي الْكَفِّ، وَلاَ مِنْ ضَامِنِي الدُّيُونِ.
كُنْ ضَامِنِي عِنْدَ نَفْسِكَ. مَنْ هُوَ الَّذِي يُصَفِّقُ يَدِي؟
قد أفسد الضمان العديد من أصحاب الأموال وهزهم كموج البحر؛ وأخرج العظام من الرجال من بيوتهم وانتهوا يجوبون في أراضي غريبة. [13]
اتخذت أقدم العقود التأمينية، في معناها الاصطلاحي، شكل ترتيبات قانونية، قبل قرون عديدة من التاريخ الميلادي، تضمنت عناصر لما أصبح يعرف فيما بعد بالتأمين الاجتماعي والتأمين البحري. والدليل الرئيسي لهذه الرؤية هو شريعة حمورابي (حوالي 1750-1750 ق.م.) التي نصت:[14]
المادة الثالثة والعشرون
إذا لم يُضبط السارق يذكر الرجل المسروق أشيائه المفقودة أمام الإله، ويجب على المدينة والوالي، الذي حدثت السرقة في أرضهم ومنطقتهم، أن يعوضوه عن مسروقاته.[15]
إن أحكام "التأمين" في القوانين البابلية تستحق اهتماماً خاصاً من مؤرخي التأمين. والأحكام ذات العلاقة هي:
المادة الرابعة والعشرون
إذا (كانت هناك) ضحية (حرفياً: نفس – حياة) فيجب على المدينة والوالي أم يدفعا إلى أهلها (أهل الضحية) مينة واحدة من الفضة.
المادة الخامسة والعشرون
إذا شبت نار في بيت إنسان، وذهب إنسان للإطفاء، ورفع عينيه على أغراض صاحب البيت، وأخذ أغراض صاحب البيت، (فإن) هذا الإنسان يُلقى في هذه النار.
المادة الخامسة والأربعون
إذا أعطى إنسان حقله مقابل أجرة إلى مزارع (حرفياً: حارث)، واستلم أجرة حقله. فيما بعد أغرق أدد[16] الحقل أو أخذه فيضان فالخسارة يتحملها المزارع.
المادة الثامنة والأربعون
إذا كان على إنسان دين، وأغرق أدد حقله أو أخذه فيضان، أو بسبب عدم وجود الماء لم تنبت حبوب في الحقل، فإنه في هذه السنة لا يسدد دائنه حبوباً، وتغير وثيقته (حرفياً تطرى لتغييرها كونها مصنوعة من الطين)، ولا يدفع فائدة عن هذه السنة.
المادة مائة وسبعة عشرة
إذا تراكمت ديون على إنسان (ما)، وأعطى زوجته أو ابنه أو ابنته مقابل الفضة (أي الدين) أو أعطاهم إلى عبودية الدين (أي وضعهم تحت تصرف دائنه)، فعليهم أن يعملوا في بيت مشتريهم أو مستعبدهم مدة ثلاث سنوات، وفي السنة الرابعة يجب أن يطلق سراحهم.
المادة مائة وخمسة وعشرون
إذا أعطى إنسان شيئاً ما للحفظ، وحيث أعطى، نتيجة ثغرة (في البيت) أو تسلق (جدار) فقُد الشيء مع شيء يعود إلى صاحب البيت، فعلى صاحب البيت الذي أهمل، وجعل ما أُعطي إليه للحفظ يضيع، أن يعوض صاحب الشيء الخسارة كاملة، وعلى صاحب البيت أن يبحث عما فقده ويأخذه من سارقه.[17]
ويمكن إرجاع أصول بعض أشكال القرض البحري bottomry loan، أو التأمين البحري، لشريعة حمورابي أيضاً.
* الهوامش
الهوامش المطبوعة باللون الأزرق من وضع المترجم.
[1] للتعريف بشريعة حمورابي راجع: قانون حمورابي (مشروع كتاب)، إعداد وتجميع د.إسراء جاسم العمران. يمكن قراءة هذه الدراسة باستخدام الرابط التالي:
http://www.ao-academy.org/docs/hamorabi%20law.doc
[2] أثناء دراستي لنيل الماجستير في لندن (1977-1978) تعرفت على عنوان الكتاب
V. K. Raikher, Obshchestvenno-istoricheskie tipy strakhovania (Social Types of Insurance in History), Moscow – Leningrad, 1947.
وملخصاً لأفكار مؤلفه في كتاب: Bernard Rudden, Soviet Insurance Law (Leyden: A. W. Sijthoff, 1966)
[3] عندما كنت طالباً للماجستير تعرفت على كتاب عن الأصول التاريخية للتأمين في كتاب كان أصلاً أطروحة للدكتوراه:C. F. Trenerry, The Origin and Early History of Insurance (London: P. S. King & Son, 1926) يعرض المؤلف في الفصول الأولى منه بعض الأشكال الأولية للنشاط التأميني المتمثل بتحويل عبء الخطر من طرف إلى آخر ويكرس جزءاً من أطروحته لعقد القرض البحري في العراق القديم. وتعرفت فيما بعد على نصوص شريعة حمورابي بشكل أفضل في كتاب قوانين بلاد ما بين النهرين، تعريب: عيد مرعي (دمشق: دار الينابيع، 1995).
[4] هذه المقاطع مستلة بتصرف من ورقة غير منشورة كتبتها عن تجربتي في شركة التأمين الوطنية 1968-1977.
[5] عيد مرعي، مرجع سابق، ص 16.
[6] مرعي، مصدر سابق، ص 43.
[7] تعرف دائرة المعارف البريطانية (طبعة سنة 1911) عقد القرض البحري كما يلي:
“BOTTOMRY, a maritime contract by which a ship (or bottom) is hypothecated in security for money borrowed for expenses incurred in the course of her voyage, under the condition that if she arrive at her destination the ship shall be liable for repayment of the loan, together with such premium thereon as may have been agreed for; but that if the ship be lost, the lender shall have no claim against the borrower either for the sum advanced or for the premium . The freight may be pledged as well as the ship, and, if necessary, the cargo also . In some cases the personal obligation of the shipmaster is also included . When money is borrowed on the security of the cargo alone, it is said to be taken up at respondentia; but it is now only in rare and exceptional cases that it could be competent to the shipmaster to pledge the cargo, except under a general bottomry obligation, along with the ship and freight . In consideration of the risks assumed by the lender, the bottomry premium (sometimes termed maritime interest) is usually high, varying of course with the nature of the risk and the difficulty of procuring funds.”
http://encyclopedia.jrank.org/BOS_BRI/BOTTOMRY.html
للمزيد من الشرح والتوثيق راجع:
C. F. Trenerry, The Origin and Early History of Insurance including the Contract of Bottomry (London: P. S. King & Son, 1926)
الذي يقتبس التعريف أعلاه في ص 45 من كتابه.
[8] عيد مرعي، مصدر سابق، ص 25. ويعلق د. مرعي على قانون ليبيت عشتار بالقول: "ويقوم قانون ليبيت عشتار على مبدأ تعويض الخسارة بالمال، وليس كقانون حمورابي على مبدأ العين بالعين والسن بالسن. وعقوبة الموت التي ترد كثيراً في قانون حمورابي لا تذكرها المواد المكتشفة من قانون ليبيت عشتار." ص 23.
[9] كل هذه المعلومات والنصوص مستقاة من مرعي، مصدر سابق، ص 34.
[10] Trennery، مصدر سابق، ص 46.
[11] Irving Pfeffer, Insurance and Economic Theory (Homewood, Ill.: Richard D. Irwin, Inc., 1956), p 53.
[12] يختلف باحثو التأمين في تحديد أصول مؤسسة التأمين اعتماداً على التعريفات التي يستخدموها. فالبعض يعتبر وجود "عقود التأمين" أساسياً، ويجادل آخرون بأهمية "العلوم الإكتوارية" أو ابتداع "قانون الأعداد الكبيرة" وكونها أساسية. فكرة التحويل مشتركة في معظم تعريفات التأمين. للإطلاع على مناقشة مستفيضة لهذا الموضوع راجع Pfeffer ، مصدر سابق، ص 12 وما بعدها، وكذلك:
Herbert S. Denenberg “The Legal Definition of Insurance,” The Journal of Insurance, Vol. 30, No. 3 (Se[t. 1963), pp 319ff.
[13] العهد القديم، الأمثال،6: 1-2؛ 11: 15؛ 17: 18؛ 20: 16.
العهد القديم، أيوب، 17: 3.
العهد القديم، الجامعة، 29: 18
الترجمة العربية لنصوص الكتاب المقدس مقتبسة من الإنترنيت باستثناء النص المقتبس من سفر الجامعة، 29: 18 الذي لم نستطع الوصول إليه ولم نجده في النسخة العربية المطبوعة من الكتاب المقدس (نسخة جمعيات الكتاب المقدس المتحدة، 1966) وقمنا بترجمته.
لا ترقى هذه الإشارات إلى مستوى التشريع الذي نجده في شريعة حمورابي حتى أن كتاباً مكرساً للموقف من التأمين لدى الأحبار لا يعتمد على مثل هذه النصوص ولا يذكر الكتاب المقدس عند عرض الخلفيات اليهودية وغير اليهودية للتأمين. راجع:
S, M. Passmaneck, Insurance in Rabbinic Law (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1974), pp 1-32.
وفكرة الضمان والرهن موجودة أيضاً في قوانين العصر الآشوري الوسيط (1363-973 ق.م.). أنظر: مرعي، مصدر سابق، المادة الثالثة والمادة الرابعة والمادة السابعة، ص 133 و 134.
[14] اقتبسنا الترجمة العربية لهذه النصوص من عيد مرعي، قوانين بلاد ما بين النهرين (دمشق: دار الينابيع، 1995).
[15] C.H.W. Johns, Babylonia and Assyrian Laws, Contracts and Letters (New York: Charles Scribner’s Sons, 1904), p. 5.
يحدد معظم الكتاب تاريخ شريعة حمورابي حوالي 2250 قبل الميلاد بحسب ما ذكره C.H.W. Johns، مصدر سابق. ويختلف علماء الآثار بشأن تحديد تاريخ دقيق إلا أن إحدى المدارس الرئيسية المعاصرة تحدد تاريخ حكم حمورابي قبل 2067-2025 قبل الميلاد. أنظر G.R.Driver and John C. Miles, The Babylonian Laws, Vol. 1 (London: Oxford University Press, 1952) pp. xxiv-xxvi; W.F.Leemans, Foreign Trade in the Old Babylonian Period (Leiden, Holland: E.J.Brill, 1960) p. 3 الذي يعتمد الفترة 1792-1750 قبل الميلاد كتاريخ لحكم حمورابي.
شريعة حمورابي محفورة في مسلة من الحجر البركاني الأسود بارتفاع 2.25 متر ويستدق طرفها من 1.95 متر إلى 1.65 متر في محيطه. وقد وجدها دي مورغان De Morgan [1857-1924] في سوسة، بيرسيبولس القديمة، في ديسمبر 1901 و يناير 1902 متناثرة وتم تجميعها بعدئذ. وقامت وزارة التعليم الفرنسية بنشر بصماتها ككليشيهات في الجزء الرابع من Mèmores de la Dèlègation en Perse. وتضم المسلة خمس وأربعون عموداً وحوالي ثلاثة آلاف وستمائة خط.
[16] أدد (بالأكادية) وإشكور (بالسومرية) وهدد (بالآرامية): إله المطر والريح والعاصفة، سلاحه البرق والرعد. شاعت عبادته ليس فقط في بلاد الرافدين بل في سورية أيضاً. من مراكز عبادته المشهورة آشور وحلب. راجع: عيد مرعي، مصدر سابق.
[17] Johns, op. cit, Ch. 11.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
