إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2018/08/15

Sordid Chapter in the History of Capitalist Insurance


التأمين والعبودية: فصل بغيض في تاريخ التأمين الرأسمالي



نشرت أصلاً في مجلة الثقافة الجديدة، العدد 398-399، تموز 2018


إن الدول الرأسمالية الحديثة هي نتيجةُ تاريخٍ من العبودية وإبادة الشعوب والعنف والاستغلال، لا يقلّ الرعبُ فيه عن الصين أيام ماو تسي تونغ أو الاتحاد السوفييتي أيام ستالين. لقد وُلد النظام الرأسمالي هو الآخر ممزوجاً بالدم والدموع، ولكنه، بخلاف الستالينية والماوية، عاش مدة أطول وكافية لينسى جزءاً كبيراً من تلك الأهوال.

ترّي إيغلتون، لماذا كان ماركس مُحِقّاً، (2011)، الفصل الثاني، ص 12-13 في الأصل الإنكليزي للكتاب.
ترجمه عن الألمانية: إرينا داوود، ماجد داوود، طرطوس - الرمال الذهبية، 2013-2014، سورية

واحدة من الأهوال والمجازر المرتبطة بها التي لم يذكرها تيري إيغلتون بالنص هو تجارة العبيد (الهولوكوست الأفريقي) عبر الأطلسي بين الدول الأوروبية الكولونيالية (بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، البرتغال وغيرها) وجزر الهند الغربية والبرازيل وأمريكا الشمالية.  المثل الأشهر في هذا الهولوكوست هو رمي العبيد في البحر من على ظهر السفينة زونغ عام 1781، وهو ما سنحاول أن نعرضه في هذه الورقة من منظور التأمين، مع التأكيد على أننا لا ندعي بأن هذه الورقة ترقى إلى بحث تاريخي في المصادر.

سكوت الكتابات التأمينية عن تأمين تجارة العبيد

نزعم أن التأمين على العبيد كبضاعة أو القتل الجماعي للأفارقة لم يلقَ عناية في الكتابات التأمينية، فهذا النوع من التأمين وما ارتبط به من رمي البشر في البحر لا يجد له ذكراً، حسب علمنا، في الكتابات التأمينية العربية،[1] وحتى الكتب الموضوعة باللغة الإنكليزية عن التأمين، وخاصة التأمين البحري وتاريخ سوق لويدز، لا تذكرها.[2]  لكننا نجد إشارات مهمة لها في كتاب أريك وليامز الرأسمالية والعبودية.[3]  ونجد عرضاً لها أيضاً في كتاب عن تاريخ التأمين وإعادة التأمين[4] ودراسة موثقة عنها.[5]  وهناك كتاب مهم لمؤرخ متخصص بتاريخ تجارة العبيد الثلاثية الأبعاد عبر الأطلسي (أوروبا، أفريقيا الغربية، جزر الهند الغربية/الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية) مكرّس للموضوع يتناول جوانب مختلفة ومنها الجانب التأميني.[6]  وقد اعتمدنا على هذه المصادر في إعداد وكتابة هذه الورقة.

الخلفية العامة

إهمال الكتابات التأمينية لانشغال صناعة التأمين بالتأمين على العبيد والسفن التي كانت تنقلهم والفظاعات المرتبطة بها - رمي العبيد المختطفين في البحر jettison - الذي بدأ في القرن الخامس عشر وتزامن مع ظهور النظام الرأسمالي، مدعاة للتساؤل.  ترى هل أن سبب هذا الإهمال هو الخجل من إبراز هذا الفصل الكريه في تاريخ التأمين رغم أن المحصلة النهائية كان رفض مكتتبي التأمين لتعويض أصحاب السفينة زونغ؟  لقد كان مكتتبو التأمين جزءاً من النظام السائد وقيمه وممارساته ومن المشاركين في تجارة العبيد من خلال توفير الحماية التأمينية لهذه التجارة.  وتاريخياً، ترجع العلاقة بين التأمين ونظام العبودية إلى ما قبل القرن السابع عشر، أي قبل تسليع العبيد، كما يؤكد مؤرخ متخصص.[7]

يقول وليامز إن جميع الطبقات في المجتمع الإنكليزي قبل 1783 كانت تشكل جبهة موحدة فيما يتعلق بتجارة العبيد.  فالتاج، والحكومة، والكنيسة، والرأي العام عموماً، ساندت تجارة العبيد.  نعم، كانت هناك بعض الاحتجاجات إلا أنها لم تكن فعّالة.  (ص 39).  ويذكر في نفس الصفحة أن حملة للتجارة بالعبيد انطلقت برعاية من الملكة إليزابيث الأولى (1603-1533).

يربط أريك وليامز بين تجارة العبيد عبر الأطلسي ومختلف الصناعات والخدمات المالية وغيرها ومنها التأمين (ص 59).  ويذكر أن لويدز، كغيرها من شركات التأمين، كانت تقوم بالتأمين على العبيد وعلى السفن التي كانت تنقلهم عبر الأطلسي، وكانت مهتمة بشكل قوي بالأحكام القانونية المتعلقة بتحديد "الوفاة لأسباب طبيعية" و "الأخطار البحرية" أثناء المجازفة البحرية.  (ص 104).  الاقتباس التالي من كتاب نشر أواخر القرن الثامن عشر يلقي الكثير من الضوء على هذا الاهتمام:

The insurer takes upon himself the risk of the loss, capture, and death of slaves, or any other unavoidable accident to them: but natural death is always understood to be excepted: - by natural death is meant, not only when it happens by disease or sickness, but also when the captive destroys himself through despair, which often happens: but when slaves are killed, or thrown into the sea in order to quell an insurrection on their part, then the insurers must answer.

يتحمل المؤمِن [شركة التأمين] بنفسه خطر خسارة العبيد أو القبض عليهم أو موتهم أو أي حادث آخر لا يمكن تجنبه يتعرضون له: ولكن من المفترض دائماً أن الموت الطبيعي يُستثنى من ذلك: - ويعنى بالموت الطبيعي، ليس فقط عندما يكون [الموت] بسبب اعتلال في الصحة أو المرض، ولكن أيضاً عندما يُنهي الأسير [العبد] حياته بسبب اليأس، الذي يحدث في كثير من الأحيان: ولكن عندما يُقتل العبيد، أو يُلقون في البحر لقمع تمرد من جانبهم، فعلى المؤمنين [شركات التأمين] الاستجابة [لطالب التعويض].[8]

ولنا أن نشير بعجالة إلى أن المناخ الفكري في إنجلترا كان مناصراً لتجارة العبيد من خلال النظرة الدونية لغير البيض، كما هو الحال مع الفيلسوف التجريبي الإنجليزي جون لوك (1632-1704) الذي كان مساهماً في الشركة الأفريقية الملكية Royal African Company التي تخصصت في تجارة العبيد ومن ثم الذهب والعاج، والفيلسوف والاقتصادي والمؤرخ الأسكتلندي ديفيد هيوم (1711-1776).  والسياسي والفيلسوف أدموند بيرك (1723-1792).[9]
قضية زونغ: رمي العبيد في البحر

في العام 1781 اشترى قبطاناً يعمل لدى وليم ﮔرﮔسون William Gregson، أحد المشتغلين في تجارة العبيد في مدينة ليفيربول البريطانية، سفينة شراعية هولندية لنقل العبيد كانت محتجزة في ساحل الذهب وتحمل اسم زورغ Zorgue، نيابة عن ﮔرﮔسون وشركائه.  وقبل أن تبدأ السفينة في تجارة العبيد تمَّ تغيير اسمها لتكون زونغ Zong.

بدأت زونغ رحلتها من ساو تومي Sao Tome في غرب أفريقيا متجهة عبر المحيط الأطلسي نحو جامايكا وعلى متنها 442 من العبيد الأفارقة و 17 ملاحاً بإمرة القبطان لوك كولنغوود Luke Collingwood.  بسبب تعرُّض السفينة لرياح غير مواتية وخطأ ملاحي فقد استغرقت رحلتها 108 يوماً بدلاً من 61 يوماً.  ولكن قبل ثلاثة أسابيع من وصولها إلى محطتها النهائية فإن 7 من ملاحي السفينة و 62 عبداً ماتوا بسبب سوء التغذية والمرض.  كما أن العشرات من العبيد كانوا يعانون من الأمراض ومعرضون للموت بسببها.  وعند اكتشاف شحة مياه الشرب على متن السفينة قرر القبطان كولنغوود إنقاذ أكبر عدد من ملاحيه والبضاعة البشرية بإصدار الأمر لرجاله لاختيار العبيد الأكثر مرضاً ورميهم في البحر.  وهكذا وخلال ثلاثة أيام تم قتل 132 عبداً.  هذه هي الخطوط العامة للقضية لكن التفصيلات التي يعرضها لمؤرخون ترسم صورة أكثر تعقيداً لاختيار قبطان السفينة ومساعديه والملاحين والتعامل مع العبيد على ظهر السفينة.

كان القبطان يعرف بأن مكتتبي التأمين البحري يدفعون التعويض في حالة رمي البضاعة في البحر jettison من أجل إنقاذ السفينة والملاحين.  الرمي في البحر إجراء ملاحي قديم وأحد الأشكال البسيطة لما يعرف باسم العوارية العمومية general average ويعتبر من الحوادث التي تغطيها وثيقة اللويدز الكلاسيكية.[10]  وكما جاء في دراسة حديثة: "يتحقق حادث الرمي في البحر عندما يقوم ربان السفينة برمي قسم من البضاعة في البحر تحت ضغط أحوال طارئة لتفادي غرق السفينة، أو لتصحيح توازنها الذي اختل بسبب تعرضها للأنواء البحرية، أو لمنع وقوع تلك الأموال في أيدي دولة عدوة."[11]  وكان العبيد يعتبرون ببساطة بضاعة كالأخشاب والمعادن والحيوانات.  ولذلك كان رميهم في البحر، في حالة تعرض السفينة لخطر ما، موضوعاً للتعويض بموجب غطاء وثيقة التأمين المعتمدة لدى لويدز، لكن هذه الوثيقة لم تكن تغطي حالات الوفاة الطبيعية أو البضائع القابلة للتلف بسبب طبيعتها كالفواكه.

لقد استقرت الممارسة آنذاك على أن الأفارقة الذين يموتون بشكل طبيعي – بسبب المرض أو سوء التغذية أو سوء المعاملة أو اليأس – لم يكونوا يشكلون موضوعاً للمطالبة بالتعويض عن وفاتهم.  لكن قتلهم بسبب تمردهم كان قابلاً للتعويض بالمبلغ المؤمن عليهم كبضاعة.

كانت صياغة وثيقة لويدز للتأمين البحري معقدة وفيها تكرار، ولفائدة القراء نقتبس النص الإنجليزي[12] متبوعاً بترجمتنا له.

Touching the Adventure and Perils which we the Assurers are contented to bear and do take upon us in this Voyage, they are of the Seas, men-of-War, Fire, Enemies, Pirates, Rovers, Thieves, Jettison, Letters of Mart and Counter-Mart, Surprisals, Takings at Sea, Arrests, Restraints and detainments of all Kings, Princes and People, of what Nation, Condition or Quality soever, Barratry of the Master and Mariners, and of all other Perils, Losses and Misfortunes that have or shall come to the Hurt, Detriment, or Damage of the said Goods and Merchandises and Ship, etc, or any part thereof.

[نضمن بهذا] نحن المؤمنون ما له علاقة بالمجازفة [البحرية] والأخطار التي ارتضينا تحملها ونأخذها على عاتقنا في هذه الرحلة، وهي [أخطار] البحار، رجال الحرب، الحريق، الأعداء، القراصنة، روفرز [القراصنة]، اللصوص، الرمي في البحر، خطابات التفويض بمهاجمة سفن العدو وخطابات التفويض بالانتقام من سفن دولة معتدية، الاستيلاء على السفن بالقوة أو الشَرَك، توقيف السفينة في ميناء، القبض، الإيقاف والمنع والاحتجاز من جميع الملوك والأمراء والشعوب، [العائدة] لأية أمة وفي أية حالة وبأية صفة، خيانة الرُبّان والملاحين، وجميع الأخطار الأخرى والخسائر والمحن التي تُلحق الأذى أو الضرر أو الأضرار بالبضائع والسلع والسفن المذكورة، وما إلى ذلك، أو أي جزء منها. [التأكيد من عندنا]

مطالبة أصحاب السفينة زونغ بتعويضهم عن رمي العبيد في البحر

عندما وصلت السفينة زونغ إلى ميناء ليفيربول تقدم أصحابها بمطالبة لتعويضهم بواقع 30 جنيه إسترليني عن كل عبد رُمي في البحر، وكانت حجتهم أن قبطان السفينة أضطر إلى رميهم بسبب نقص مياه الشرب، أي أن ما قام به كان من باب الضرورة- التضحية بالبعض لإنقاذ البعض الآخر.  رفض مكتتبو التأمين المطالبة فلجأ أصحاب السفينة إلى المحكمة التي قضت لصالح أصحاب السفن، لكن محامو المكتتبين أثاروا مسألة فنية تتعلق باختفاء سجلات السفينة وأن المطالبة تنطوي على غش لتحميل المكتتبين كلفة خسارة رحلة بحرية غير مربحة.  كما استدعوا الاعتبارات الإنسانية وحقوق الإنسان لدعم موقفهم الذي أثار نقاشاً حامياً بين الناس واعتبار رمي العبيد مجزرة وليس مجرد رمي بضاعة مشحونة من السفينة.[13]  وانتهت قضية ﮔرﮔسون ضد جلبرت Gregson v. Gilbert لتعرض ثانية أمام المحكمة العليا، ولكنها لم تنجح وتخلّى أصحاب السفينة عنها بسبب الشكوك الكثيرة التي أثيرت على سوء تصرف القبطان والظروف المحيطة بدعوى نقص مياه الشرب (سقوط الأمطار أثناء انحراف الرحلة عن مسارها وتوفر فضل من الماء بعد وصول السفينة إلى نهاية رحلتها) واختفاء سجلات السفينة إضافة إلى الضغط المستمر لدعاة إلغاء العبودية.

يجمع الكتاب المتخصصون على أن الاستفادة من غطاء وثيقة التأمين الخاصة بالسفينة زونغ كانت الدافع وراء فعل القتل الجماعي للأفارقة.  لو كانت شحة ماء الشرب المتوفر هو السبب، لماذا لم يتم الإبقاء على حياة الأفارقة؟  لأن ذلك كان سيؤدي إلى وفاة البعض منهم أو معظمهم قبل الوصول إلى جاميكا، وبالتالي فإن أصحاب السفينة، تجار العبيد، لن يتمكنوا من المطالبة بالتعويض عن وفاتهم (وفاة طبيعي) في حين أن رمي 132 منهم في عرض البحر يمكّنهم من الحصول على تعويض بمقدار 30 جنيه استيرلني لكل واحد منهم.

من مفارقات هذه القضية لجوء محامي المكتتبين (ثلاثة محامين) إلى اعتبارات إنسانية لرد دعوى المطالبة بالتعويض في زمن كانت فيه مفاهيم حقوق الإنسان لا تمتد لغير البيض.  وهم في ذلك كانوا متوافقين مع دعاة إلغاء العبودية.  ومن المفارقات أيضاً أن دعوى المطالبة بالتعويض أمام المحكمة رُدت على أساس أنها قائمة على الغش وليس القتل العمد للأبرياء.

تبين قضية زونغ رواج التأمين على تجارة العبيد في سوق لويدز بموجب وثيقتها المطبوعة للتأمين البحري، وفهْمُ أصحاب السفن والتجار لهذه الوثيقة والخسارة التي لا تغطيها (خسارة العبيد، البضاعة البشرية) لأن سببها (الوفاة لأسباب طبيعية وليس بسبب حادث) لا يصنف كأحد الأخطار البحرية في حين أن رمي البضاعة البشرية بسبب التمرد يكون مضموناً بموجب الوثيقة.  لم تكن هناك مبادئ أخلاقية تقيد حرية التأمين فقد كانت العبودية تجارة كغيرها من النشاطات التجارية وكان ممارسو هذه التجارة بحاجة إلى وثيقة تأمين عليها لضمان ديمومة عملهم وأرباحهم.

وتبين القضية أيضاً كيف أن رئيس القضاة، اللورد مانسفيلد، اتخذ موقفاً لضمان عدم تشويش المبادئ الأساسية لعقد التأمين رغم أنه حكم في قضية سابقة (1772) بعدم جواز ترحيل عبد من إنجلترا إلى أمريكا[14].  وهكذا فإن حق العبيد في الحياة في قضية ﮔرﮔسون ضد جلبرت صار ضحية على مذبح الموقف التقني المجرد لرئيس القضاة، اللورد مانسفيلد، الذي ترأس المحكمة في هذه القضية، عندما قال "إن حالة العبيد هي نفسها كما لو أن الخيول قد ألقيت من على ظهر السفينة في عرض البحر."

تثير قضية زونغ مسألة تحويل الإنسان إلى ملك عيني، سلعة، يمكن الاستحواذ عليه، وهو قابل للبيع والشراء، ويمكن التأمين عليه.  امتلاك البشر بهذه الصفة يعطي أصحاب الملكية حق التصرف بها كما يشاؤون.  وكما ذكر نائب المدعي العام في هذه القضية أمام المحكمة العليا فإن التأمين على السفينة زونغ قد "حدد أن الأفارقة المؤمن عليهم هم بضائع وممتلكات، وسواء كان هذا الأمر صحيحاً أو خاطئاً فإنه لا علاقة لنا به."[15]  وكما يبين جيمس والڤن فإن نائب المدعي العام اختزل موضوع القتل الجماعي إلى خيار بسيط وقاسي وهو: أن ما حدث في السفينة زونغ كان إجراءاً لتجنباً شر أكبر.[16]

إلغاء التأمين على تجارة العبيد

مع ظهور قضية زونغ للعلن نشأت وتعززت حركة نشطة وقوية في بريطانيا لإلغاء تجارة العبيد كان من أشهر دعاتها غرينفيل شارب (1813-1735) Grenville Sharp، وعضو البرلمان وليم ولبرفورس (1833-1759) William Wilberforce الذي ارتبط اسمه بقانون إلغاء تجارة العبيد.[17]  لقد حاول شارب إثارة دعوى جزائية ضد أصحاب السفن وطاقمها إلا أن قانون الجريمة كما يبدو لم يكن ينطبق على زونغ ذلك لأنه لم تكن هناك سابقة قانونية تقضي بأن صفة البشر لا تنتفي عندما يتحولون إلى بضاعة مشحونة في سفينة.  فالعبد بهذا المقياس ليس إنساناً بل سلعة يمكن التصرف بها والتأمين عليها.

في ظل هذا الوضع فإن الممارسات التأمينية المرتبطة بوثيقة لويدز للتأمين البحري لم تعد قابلة للصمود أمام التحول الفكري البطيء الذي بدأه دعاة إلغاء العبودية.  وهم بذلك قد مهدوا السبيل لتعديل الوضع القانوني والتأميني.

إن ما أثار حنق الداعين لإلغاء العبودية هي حقيقة أن القتلة، تجار العبيد وبطانتهم، كانوا يتحدثون علناً عمّا قاموا به دون أي خوف من اتهامهم باقترافهم لجريمة إبادة جماعية.  كان الأمر سهلاً عليهم: تقتل أولاً لاعتبارات تجارية ثم تطالب بالتعويض، وإن رفض التعويض تلجأ إلى المحكمة.  لم يكن هناك أي وازع أخلاقي أو ديني يردعهم.  فتحقيق الربح والتراكم من تجارة العبيد يأتي في المقدمة.

ألغيت تجارة العبيد رسمياً في بريطانيا بموجب قانون إلغاء تجارة العبيد لسنة 1807 وتضمن في المادة الأولى منه حظر التجارة بالعبيد والمادة الخامسة حظر التأمين على هذه التجارة ومن يمارسه يخضع لغرامة 100 جنيه إسترليني/وثلاثة أضعاف قسط التأمين.[18]  ولفائدة القراء نقتبس النص الإنجليزي للمادة الخامسة أولاً (للتعرف على صياغتها واللغة المماثلة لغة وثيقة لويدز للتأمين البحري) متبوعاً بترجمتنا لها.

V. And be it further enacted, That from and after the said First Day of May One Thousand eight hundred and seven, all Insurances whatsoever to be effected upon or in respect to any of the trading, dealing, carrying, removing, transshipping, or other Transactions by this Act prohibited, shall be also prohibited and declared to be unlawful; and if any of His Majesty's Subject's, or any Person or Persons resident within this United Kingdom, or within any of the Islands, Colonies, Dominions, or Territories thereunto belonging, or in His Majesty's Possession or Occupation, shall knowingly and willfully subscribe, effect, or make, or cause or procure to be subscribed, effected, or made, any such unlawful Insurances or Insurance, he or they shall forfeit and pay for every such Offence the Sum of One hundred Pounds for every such Insurance, and also Treble the Amount paid or agreed to be paid as the Premium of any such Insurance, the One Moiety thereof to the Use of His Majesty, His Heirs and Successors, and the other Moiety to the Use of any Person who shall inform, sue, and prosecute for the same.

وبالإضافة إلى ذلك فقد شُرّعَ أنه اعتباراً من وبعد أول يوم من شهر مايو سنة ألف وثمانمائة وسبعة، فإن إجراء جميع التأمينات أياً كانت على أو فيما يتعلق بأي تجارة، تعامل، حمل، تحويل، مناقلة أو معاملات أخرى تصبح محظورة بموجب هذا القانون، كما أنها تعتبر محظورة وتعلن بأنها غير قانونية؛ وإذا كان أي من رعايا صاحب الجلالة، أو أي شخص أو أشخاص من المقيمين في هذه المملكة المتحدة، أو داخل أي من الجزر أو المستعمرات أو المناطق أو الأقاليم التي ينتمون إليها، أو في حيازة أو تحت احتلال صاحب الجلالة، قد قام بمعرفته وعن قصد بالاكتتاب أو إجراء، أو تسبب أو استدرج للاكتتاب بها، أو تنفيذها، أو القيام بأي من هذه التأمينات غير المشروعة أو التأمين، فإنه أو فإنهم سوف يُغرّمون ويدفعون عن كل مخالفة مبلغ مائة جنيه عن كل تأمين، وكذلك ثلاثة أضعاف المبلغ المدفوع أو المتفق عليه كقسط تأمين لمثل هذا التأمين، يستخدم نصفه من قبل صاحب الجلالة وورثته وخلفائه، والنصف الآخر لاستخدام أي شخص يقوم بالإبلاغ وبذل الهمة والمقاضاة بشأن هذه التأمينات.

كانت نهاية القضية على يد محامي المكتتبين الذين أقنعوا المحكمة بالغش الذي تقوم عليه مطالبة أصحاب السفن، وبدلاً من متابعة القضية فقد تخلى أصحاب السفينة عن القضية دون صدور حكم من المحكمة.

لقد كانت قضية زونغ حقاً المفتاح الذي آذن بنهاية التأمين على تجارة العبودية.


31 تشرين الأول 2017



[1] لا يرد له ذكر في أحد الكتب العربية "الكلاسيكية" عن التأمين البحري: جمال الحكيم، التأمين البحري: دراسة علمية عملية قانونية (القاهرة: د.ن، ط 2، ط1 1955).

[2] على سبيل المثل:
Frederick Templeman, Marine Insurance: Its Principles & Practice (London: Macdonald & Evans Ltd, 4th Edition, 1934.  First Ed 1903)

D E W Gibb, Lloyd’s of London: A Study in Individualism (London: Macmillan & Co Ltd, 1957).
هناك إشارة للعبودية في هذا الكتاب، ص 11، ضمن نظام الإلزام بالعمل للخدم (العمل بالسخرة) لفترة معينة، وهم من الإنكليز والويلشين والاسكتلندين، في جزر الهند الغربية والساحل الشرقي لأمريكا الشمالية التي ازدهرت في النصف الثاني من القرن السابع عشر واستبدالهم فيما بعد بالزنوج (دون شرح لاختطافهم من أفريقيا وشحنهم كبضاعة إلى أمريكا الشمالية).

أما كتاب
Harold E Raynes, A History of British Insurance (London: Sir Isaac Pitman & Sons Ltd, 1964. 1st Ed. 1948)
فلا يرد فيه ذكر لتأمين تجارة العبيد أو قضية زونغ، لكنه يعرض مساهمات اللورد مانسفيلد، رئيس القضاة في إنجلترا، في تطوير قوانين التأمين وإجراءات المحاكم الخاصة بها، ص 158 على سبيل المثل.

[3] على سبيل المثل:
Eric Williams, Capitalism and Slavery (London: Andre Deutsch, 1964, first ed. 1944), p 46.
يبين أريك وليامز أن رأس المال المتراكم من المتاجرة في العبيد والسلع المنتجة من عمل العبيد عبر الأطلسي ساهمت في تمويل صناعة تكرير السكر البريطاني وتقطير شراب الرام وتصنيع المعادن وصناعة الأسلحة والقطن والبنية التحتية للنقل وحتى محرك البخار لجيمس وات.  فرضيته الأساسية هي أن الأرباح المتأتية من "التجارة الثلاثية الأبعاد" بين أوروبا وأفريقيا والعالم الجديد قدمت إسهاما هائلا للتنمية الصناعية في بريطانيا.  وهو ما لم يعتمده ماركس بشكل مستقل عندما كتب فصل "ما يسمى بالتراكم" (كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول، عملية إنتاج رأس المال، 2013)، ترجمة د. فالح عبد الجبار، ص 880 وما بعدها.  ومع ذلك فقد أشار ماركس إليها: "إن اكتشاف مناجم الذهب والفضة في أمريكا، واقتلاع سكانها الأصليين من مواطنهم واستعبادهم ودفنهم أحياء في المناجم، وبدايات غزو الهند الشرقية ونهبها، وتحويل أفريقيا إلى ساحة محمية لصيد ذوي البشرة السوداء، إن ذلك كله يميز فجر عهد الإنتاج الرأسمالي.  وتؤلف هذه العمليات الرغيدة العناصر الرئيسية للتراكم الأولي." (المصدر السابق، ص 24).

لمتابعة مناقشة هذه الأطروحة راجع:
Robin Blackburn, The Making of New World Slavery: from the Baroque to the Modern, 1492-1800 (London: Verso, 1997).

وجاء ذكر زونغ في سياق الحكم الذي أصدره اللورد مانسفيلد (1793-1705)، كبير قضاة إنكلترا: "إن حالة العبيد هي نفسها كما لو أن الخيول قد ألقيت من على ظهر السفينة في عرض البحر."  وسنعرض ذلك فيما بعد.

[4] Harold James, Peter Borscheid, David Gugerli & Tobias Straumann, The Value of Risk: Swiss Re and the History of Reinsurance (Oxford: Oxford University Press, 2013), p 30.

[5] Geoffrey Clark, “The Slave’s Appeal: Insurance and the Rise of Commercial Property,” Ch 3 in The Appeal of Insurance, edited by Geoffrey Clark, Gregory Anderson, Christian Thomann and J-Matthias von der Schulenburg (Toronto: University of Toronto Press, 2010), pp 52-74.

[6] James Walvin, The Zong: A Massacre, The Law & the End of Slavery (New Haven: Yale University Press, 2011).

[7] Geoffrey Clark et al, op cit, p 57-58; also, note 22, p 72.

[8] John Wesket, A Complete Digest of the Theory Law and Practice of Insurance, London, 1781, p. 525, quoted by James Walvin, op cit, page 112.

[9] هناك دراسات ومقالات متناثرة في الإنترنيت حول موقف بعض المفكرين الكبار من تجارة العبيد، يبين كتابها أن تطور هذه التجارة ارتبط بتأسيس إيديولوجية عنصرية لتبريرها، اعتمدت على الحَطّ من القيمة الإنسانية للأفارقة وغير البيض عموماً واعتبارهم بدون حضارة ووصمهم بالكسل والخمول وأكلة لحوم البشر.  أنظر على سبيل المثل:
Friday Interview: John Locke and Slavery

Making excuses for Hume: slavery, racism and a reassessment of David Hume’s thoughts on personal liberty

The Roots of Modern Racism

Nathaniel Adam Tobias, “British Utilitarianism's justification of Negro Slavery”

[10] كانت وثيقة التأمين تكتب بخط اليد وتم طباعة وثيقة اللويدز لأول مرة عام 1680-1681، ولم يتغير شكل وصياغة الوثيقة التي صارت تعرف باسم Lloyd’s S & G Policy لغاية إعادة النظر بها وتنقيحها سنة 1779.

[11] بهاء بهيج شكري، المعجم الوسيط في مصطلحات وشروط التأمين، الجزء الثاني (عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2016)، ص 9-11.

[12] النص مقتبس من كتاب جيمس والڤن، ص 113-114.
[13] يتناول جيمس والڤن أطروحة "الضرورة" في الفصل الثامن من كتابه: James Walvin, op cit, p 138-159.
[14] تفاصيل القضية المعروفة باسم قضية سومرست Somerset Case معروضة فيp 130-136  James Walvin, op cit,، وكذلكGeoffrey Clark, op cit, p 63

[15] نقلاً عن James Walvin, op cit, p 145

[16] James Walvin, op cit, p 145-146

[17] James Walvin, op cit, passim
[18] يمكن قراءة نص هذا القانون باستخدام الرابط التالي:
47 Georgii III, Session 1, cap. XXXVI, http://www.pdavis.nl/Legis_06.htm


2018/07/08

The Role of Insurance in Economic Life: Farouk Younis Inteview with Misbah Kamal


حول دور التأمين في الحياة الاقتصادية


نشر هذا الحوار أصلاً في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:



تقديم


حاورت الزميل مصباح كمال سابقاً، وقد نشر الحوار بعنوان "حوار مع مصباح كمال حول بعض قضايا التأمين في العراق" في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

يمكن النظر إلى الحوار الحالي الذي أجريته مؤخراً على أنه استكمال لبعض ما فاتني من أسئلة حول دور التأمين في الحياة الاقتصادية.  ربما يجد القارئ في العنوان "دور التأمين في الحياة الاقتصادية" مبالغة لكنني استخدمته من باب الإثارة وبهدف التنبيه إلى أننا يمكن أن نكتشف جوانب للدور الاقتصادي لمؤسسة التأمين من خلال أسئلة عن وثائق تأمين محددة، مثلاً، وهذا ما فعلته.  لذلك، آمل من الزملاء الاقتصاديين المساهمة معنا في سبر غور هذه المؤسسة والكشف عن المضامين الاقتصادية النظرية والتطبيقية.

لا يسعني الا تقديم شكري الجزيل لمساعي الزميل مصباح كمال المستمرة للنهوض بقطاع التامين العراقي.  اكرر شكري وتقديري لاستجابته السريعة والاجابة على الأسئلة – كعادته - بموضوعية ودقة علمية.  وتبقى المشكلة التي تواجه الباحثين تتمثل في قلة المعلومات وعدم الشفافية من جانب شركات التامين في الافصاح عما في جعبتها من ارقام وبيانات ومشاريع وخطط مستقبلية.


فاروق يونس**
30 حزيران 2018


نص الحوار

السؤال الاول: لا اذيع سرا بان هناك فجوة كبيرة بين التأمين في العراق وبقية دول العالم المتقدم.  هل يرجع السبب الى ندرة الخبرات التأمينية وضعف الثقافة التأمينية ام ضعف الفرص المتاحة امام شركات التأمين العراقية؟

هو كل ذلك.  فالخبرات التأمينية، أي تلك التي تتمتع بمستوى عالٍ من المعرفة التأمينية العامة والمتخصصة في فرع معين والمقترنة بالتجربة العملية هي حقاً تكاد أن تكون نادرة، إذ لا نعدم وجود كوادر متمرسة متناثرة هنا وهناك، إضافة إلى كوادر إدارية جيدة على رأس شركات التأمين العامة ومعظم شركات التأمين الخاصة.  لكن الملاحظ أن البعض من أصحاب الخبرة والقدرات الإدارية ينتمون إلى جيل ما قبل 2003، وقسم من هؤلاء يرجع تاريخه إلى ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم.  وهؤلاء هم من الذين تتلمذوا على يد أساتذة أجلاء في التأمين.  من المؤسف القول بإن الجيل الحالي يفتقر إلى أساتذة يمكن الاقتداء بهم.  ولم تعمل الدورات التدريبية التي تديرها جمعية التأمين العراقية على خلق الكوادر والقيادات التي يمكن أن تحمل مهمة تطوير قطاع التأمين.  ربما تكون هذه الملاحظة قاسية، لكني أقول علينا أن نكون قساة في تقييم ما أنجزناه وإلا سنستمر في المراوحة في نفس المكان.

أما الثقافة التأمينية فهي الأخرى لم تتغير عمّا كانت عليه في الماضي لا بل أنها تراجعت عما كانت عليه.

إن موضوع الثقافة التأمينية لم يبحث في العراق، وجلّ ما نقرأه ينحصر تحت عنوان غياب الوعي التأميني، وهو يردد من العاملين في شركات التأمين دون تفكيك عناصر هذا الوعي المفترض، والمقصود به غياب الوعي بالتأمين لدى الناس، وبذلك يتخلص قطاع التأمين وأجهزة الدولة من المسؤولية عن الوضع القائم في قطاع التأمين، أعني ضعف التغلغل التأميني (نسبة التأمين إلى الناتج القومي الإجمالي).

كيف تنتشر الثقافة التأمينية إذا لم ترتبط بالحياة العامة؟  تنشر الحكومة موازنتها وليس لقطاع التأمين موقف؛ تجري الانتخابات ولا يقدم القطاع موقفاً لإيلاء المرشحين، النواب المرتقبين، اهتماماً بشؤون التأمين؛ تنشر الحكومة برنامجها وفيه إشارة للتأمين ولا يتحرك قطاع التأمين؛ تحصل حرائق في محلات تجارية وأخرى عائدة للقطاع العام ودوائر الدولة ولا نقرأ تصريحاً أو نتعرف على موقف من أركان التأمين؛ يتصحر العراق وتتقلص حصة العراق من المياه بفعل سياسات دول الجوار ولا يعلق أي من مدراء شركات التأمين على هذا الموضوع وآثاره؛ وقل مثل ذلك إزاء كوارث الطبيعة.  هذا كما يقال غيض من فيض.  لا يمكن أن تشيع ثقافة التأمين وأنت منعزل عن الحياة العامة.  نعم إن عقد مؤتمر للتأمين مفيد وكذلك الإعلانات إلا أنها ليست كافية.

هل تدري أن قطاع التأمين العراقي لا يمتلك مجلة تأمينية، مطبوعة أو إلكترونية منذ أن توقف صدور مجلة رسالة التأمين أواخر ثمانينيات القرن الماضي بعد إلغاء المؤسسة العامة للتأمين التي كانت تتولى إصدارها.[1]  المجلة هي إحدى مصادر الثقافة التأمينية للعاملين والعاملات في شركات التأمين.  هل قرأت يوماً في صحيفة عن البحوث التي تقوم بها طالبات وطلاب الماجستير في جامعة بغداد؟  وهل قرأت يوماً عرضاً لكتاب عن التأمين في جريدة أو مجلة عراقية؟  ألا تلاحظ ندرة التعليقات في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين على ما ينشر من موضوعات عن التأمين؟  ماذا يكشف لك هذا وغيره؟  هل لاحظت أن المسؤولين لا يكلفون أنفسهم تحمل "مشقة" التعليق؟  إنه اللامبالاة بالتأمين ودوره في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والجماعات.

تضمن سؤالك إشارة إلى ضعف الفرص المتاحة امام شركات التأمين العراقية لتفسير الفجوة بين التأمين في العراق وبقية دول العالم المتقدم.  من الأفضل أن نحصر هذه الفجوة بالمقارنة مع أسواق التأمين في دول الجوار والدول العربية.  جاء في دراسة لأسواق التأمين العربية أن حجم أقساط التأمين المباشر تقدّر بمبلغ 58 مليار دولار.[2]  ما هي حصة العراق في هذا المبلغ؟  لا يسعني الجواب لأن الإحصائيات ليست متوفرة، ولكني أجازف بالقول إن حجم أقساط التأمين المكتتبة في العراق قد لا تتجاوز ربع 250 مليون دولار إن لم يكن أقل (أرجو من له علم بالموضوع أن يصححني لفائدة القراء).

أظن بأن المعني بالفرص المتاحة هو الطلب على التأمين.  إن مصادر الطلب على التأمين في العراق لم يخضع للدراسة، ولذلك ليست هناك بيانات جاهزة عن الأفراد والشركات ودوائر الدولة التي تشتري الحماية التأمينية.  تاريخياً، تأسست شركة التأمين الوطنية (1950) لتوفير التأمين للمؤسسات والدوائر الحكومة.  ومنذ العام 2000 بدأ تأسيس شركات تأمين خاصة.  واليوم هناك أكثر من ثلاثين شركة تأمين تتنافس على "كعكة" أقساط صغيرة.  عدا الطلب من القطاع العام ودوائر الدولة، وهي غير متماسكة وحتى أن بعض الشركات لا تشتري التأمين وبعض عقود الدولة لا تنص على شرط للتأمين مع شركة تأمين عراقية (وقد تناولت هذا الموضوع في مقالات منشورة في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين)، هناك الطلب من شركات القطاع الخاص والمحلات التجارية.  أما الطلب الفردي فهو ينصب أساساً على تأمين السيارات التكميلي، والقليل من التأمين الصحي والتأمين الفردي على الحوادث الشخصية والحياة.  ومن الملاحظ أن بعض أنواع التأمين جماعية إذ أن المؤسسات، العامة والخاصة، هي من تتولى شرائها كالتأمين الجماعي على الحياة والتأمين الصحي.

إن دراسة واقع النشاط التأميني في العراقي بحاجة إلى بحث في ضوء الإحصائيات المتوفرة، واستخدام الأدوات التحليلية لتقييم الأداء.[3]

السؤال الثاني: الا ترون بان ما يقدمه قطاع التأمين العراقي من خدمات تأمينية وتمويلية لا ترقى الى مستوى رفع الكفاءة الاقتصادية لهذا القطاع الحيوي؟

لنتعرف أولاً على الخدمات التي يقدمها قطاع التأمين فهي، من رأي، لا تشمل خدمات تمويلية إن كان المراد بهذه الخدمات المساهمة في تمويل المشاريع الصناعية والزراعية وغيرها.  ذلك لأن التوظيفات الأساسية تنحصر بإنشاء أو شراء المباني، والاستثمار في أسهم بعض الشركات.  ويساهم القطاع، كغيره، في تمويل خزينة الدولة من خلال الضرائب والرسوم التي يدفعها.

فخدمات القطاع، إذن، تأمينية صرفه، وهذه تتمثل بتوفير حماية (تعويض نقدي) للمؤمن لهم، من أفراد وشركات، عندما تتعرص أموالهم لخسارة أو ضرر عرضي؛ وفي حالة الأشخاص تعويض الإصابات الشخصية التي تلحق بهم وكلفة العلاج الطبي، وتعويض ورثتهم في حال وفاتهم.  ونضيف إلى ذلك، تعويض المسؤوليات القانونية والتعاقدية للأفراد والشركات.

يمكن أن نتوسع في تعريف الخدمة، وخاصة في مجال تأمين الممتلكات، لتشمل تقديم التوصيات لتحسين نوعية الخطر risk improvement recommendations (الأصول المادية المؤمن عليها).  لكن هذه الوظيفة لم تتطور في قطاع التأمين العراقي، ولكننا نشهد حضوراً لها عندما يقوم معيدو التأمين أو وسطاء إعادة التأمين الدوليين بإرسال مهندسيهم للمعاينة الموقعية لمحل التأمين؛ وخير مثال على ذلك هو الكشف الميداني على مصافي النفط وغيرها من المنشآت الصناعية الكبيرة التي تستدعي إعادة التأمين عليها خارج العراق.

إن مستوى هذه الخدمات ليست عالية عند مقارنتها مع ما تقدمه شركات التأمين في أسواق التأمين المتقدمة.  من تجربتي الماضية أستطيع أن أؤكد بأن بعض الشركات فقيرة حتى في إنتاج وثيقة التأمين بشكل مقبول، مثلما أعرف أن غيرها متقدمة في هذا المجال خاصة إذا كانت وثيقة التأمين باللغة الإنجليزية ومقدمة من قبل وسيط إعادة التأمين الدولي.

إذا كنت تعني بالكفاءة الاقتصادية الاستغلال العقلاني والأمثل للموارد المتوفرة لتعظيم الإنتاج فإن القطاع مقصر من هذه الناحية وإلا كان حجم أقساط التأمين المكتتبة أكبر.  في تقييم الأداء علينا أن نفرق بين شركات التأمين العامة (بضمنها شركة إعادة التأمين العراقية العامة) وشركات التأمين الخاصة.  إن الانطباع العام هو أن استخدام الموارد في الشركات العامة ليست بالأمثل وذلك بسبب التخمة الموجودة في عدد الموظفين والموظفات، وضعف المهارات الفنية واللغوية لديها (وهذا يمتد أيضاً على معظم شركات التأمين الخاصة).  الانطباع العام هو أن المدخلات أكبر من المخرجات في العملية التأمينية (أقول انطباع لأن الموضوع لم يخضع للبحث أو ربما بحث وظلت نتائج البحث محفوظة لدى المعهد أو الجامعة التي تم فيها البحث).  كمثل، قيل لي إن عدد أعضاء وفد قطاع التأمين العراقي إلى الاجتماعات السنوية للتفاوض على تجديد اتفاقيات إعادة التأمين العراقية مع معيد التأمين القائد، التي تعقد خارج العراق، كبير جداً.  ففي حين يضم وفد المعيد القائد شخصين فإن الوفد العراقي قد يضم عشر أشخاص أو أكثر.  من معرفتي لما كان يجري في الماضي فإن المدير العام لم يكن ضمن الوفد، وكان الوفد لا يضم إلا مدير قسم إعادة التأمين وربما مدير قسم آخر.  الكفاءة الاقتصادية ضمن هذا التوصيف السريع ضعيف في الوقت الحاضر لأن العمل ينطوي على هدر في الموارد البشرية والمالية وكلفة الفرصة البديلة.

مشكلة الكفاءة الاقتصادية، من المنظور الإداري، ليست مقصورة على قطاع التأمين.  فهذا القطاع يمثل حالة مصغرة للوضع العام في العراق.

السؤال الثالث: هل لكم ان تقدموا بعض المعلومات عن التأمين الزراعي في العراق؟  كيف يمكن للتأمين الزراعي تشجيع المزارعين على ادخال التكنولوجيا الحديثة واستخدامها في الزراعة؟

لقد ناقشنا بعض جوانب هذا الموضوع في مناسبة سابقة، وأرى من المفيد أن أقتبس ما يفيد موضوع سؤالك.

إن شركة التأمين الوطنية تكاد أن تكون الوحيدة في ممارسة التأمين الزراعي.  وقد باشرت في تطبيقه عام 1982.  وكانت محفظة التأمين الزراعي تضم وثائق التأمين التالية: تأمين المحاصيل الزراعية، تأمين المركبات الزراعية، تأمين المواشي، تأمين الدواجن وتأمين خيول التربية أو السباق.

لم يكن إقبال المزارعين والفلاحين وغيرهم على جميع هذه الوثائق قوياً باستثناء التأمين على المواشي.  ربما تتذكر استيراد مديرية الثروة الحيوانية للأبقار الهولندية Friesian وعرضها بأسعار متهاودة على المزارعين بهدف تطوير زيادة إنتاج الحليب، ونفوق أعداد كبيرة من هذه الأبقار ولأسباب عديدة، ترتب عليه خسائر كبيرة لشركة التأمين الوطنية.  وكذلك التأمين على حقول الدواجن التي انتشرت بفضل قروض المصرف الزراعي التعاوني.  وهي الأخرى تعرضت إلى أضرار كبيرة فاقمت من خسائر فرع التأمين الزراعي في الشركة.  ولم يكن هناك طلب حقيقي للتأمين على المحاصيل الزراعية ووثائق التأمين الأخرى، رغم أن الشركة وبالتعاون مع جهات مختلفة أطلقت حملة ترويجية لهذه الوثائق.

واعتماداً على ذاكرة الزميل فؤاد عبد الله عزيز (يعمل الآن في البحرين)، الذي أسس فرع التأمين الزراعي في شركة التأمين الوطنية (1982)، "فقد جرت محاولة عبر مبادرة من وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي وبالتعاون مع فرع التأمين الزراعي بتأييد من إدارة شركة التأمين الوطنية لإعداد مشروع لجعل هذا النوع من التأمين إلزامياً لما يحققه من ابعاد اجتماعية وحماية للثروة الزراعية.  وقد نجحت الوزارة في ايصال المشروع إلى المجلس الوطني، وحضرتُ مناقشات المجلس للمشروع وتبين لي ان غالبية اعضاء المجلس كانوا ضد اقراره لمبررات اهمها عدم الرغبة في إلزام المزارعين على اجراء تأمين يقع ضمن دائرة اختيارهم ورغبتهم، عليه فقد جرى التصويت على رفض المشروع.  وخرجتُ من المجلس وانا مقتنع ان المشروع لم يكن مدعوما من القيادات العليا للدولة ليحقق التأثير المطلوب على اعضاء المجلس لإقراره وبذلك خسرت هذه التجربة فرصة كبيرة في ان تتطور بالشكل الذي أصبحت عليه في البلدان المذكورة [بريطانيا، يوغوسلافيا] وبقيت أعماله محدودة لغاية الوقت الراهن."  (فؤاد عبد الله عزيز، ثلاثة عقود في شركة التأمين الوطنية، مذكرات قيد الإعداد).

إن الكتابات العراقية المنشورة عن التأمين الزراعي شحيحة.  هناك دراسة مهمة للزميل د. عبد الزهرة عبد الله (يعمل الآن في الأمارات العربية المتحدة) بعنوان "نحو تأمين المحاصيل الزراعية في العراق" (مجلة رسالة التأمين، العدد 39، حزيران 1979، ص 52-59.  أشكر الزميل منعم الخفاجي على إرسال المجلة).  وقد كتبها عندما كان يعمل في شركة إعادة التأمين العراقية.  في عرضه لمشكلات التأمين الزراعي ذكر أموراً في غاية الأهمية ما زالت آثار بعضها قائمة وبعضها الآخر تمَّ تذليلها أثناء الإعداد لتأسيس فرع التأمين الزراعي في شركة التأمين من خلال التدريب المكثف مع المؤسسات التأمينية المختصة خارج العراق، والاستفادة من المعرفة العلمية للعديد من العاملين في مجال الإنتاج الزراعي في العراق.  نقتبس هنا بالكامل ما عرضه زميلنا تحت عنوان "مشكلات تأمين المحاصيل الزراعية":

"1- انخفاض مستوى الوعي التأميني، وهي مشكلة عامة تقف عائقاً أمام التأمين بمختلف أنواعه، إلا أنها تزداد حدة بالنسبة للفلاحين نظراً لتدني المستوى الثقافي العام وانتشار الأمية، مما يتطلب وضع تخطيط إعلامي لخلق الوعي بأهمية التأمين وفوائده لدى الفلاحين.

2-    صعوبة الوصول إلى المناطق الزراعية بالسهولة والسرعة والكلفة المعقولة، حيث يندر هناك وجود الطرق المعبدة ووسائط النقل اللازمة إضافة إلى بعد المناطق الزراعية عن مراكز الإدارات المحلية أو مراكز الشرطة مما يحد من إمكانية التحري الكامل عن أسباب الحوادث وظروفها التي أدت إلى تحقق أضرار مشمولة بالتأمين.

3-    انخفاض مداخيل الفلاحين وقدرتهم المالية المحدودة التي يتعذر عليهم معها التفكير في دفع ثمن ما مقابل حصولهم على الخدمة التأمينية.

4-    عدم توفر إحصائيات كاملة ووافية ولسنوات عديدة بحيث يمكن الاعتماد عليها عند دراسة أي مشروع للتأمين الزراعي وتقدير درجة الخطورة واحتساب قسط التأمين المناسب.

5-    عدم توفر الخبرة الفنية في مجال التأمين الزراعي سواء أكان على مستوى القطاع الزراعي أو على مستوى قطاع التأمين."

تبين تجربة التأمين الزراعي في العراق إن عدم تطورها لم يكن بسبب تقصير من جانب شركة التأمين الوطنية وقت تأسيس فرع التأمين الزراعي أو بعد ذلك، فقد تظافرت عوامل خارج الشركة لتحول دون تحقيق رواج هذا النوع من التأمين.  وقد أتى الزميل عبد الزهرة عبد الله علي على ذكر بعض هذه العوامل كما عرضنا في الاقتباس منه أعلاه.  وقد ظل هذا الفرع ضعيفاً فحسب أخر إحصائية متوفرة كانت أقساط التأمين الزراعي للفترة 2014-2015 كالتالي:[4]

اقساط التامين الزراعي (2014-2015):
ألف دينار:
2015
2014
اسم الشركة/السنة
170,376
182,741
شركة التامين الوطنية

إن مسألة إدخال واستخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة لا تقع على عاتق قطاع التأمين.  يمكن للقطاع أن يلعب دوراً بعد إدخال واستخدام هذه التكنولوجيا.  ويتمثل هذا الدور بالتأمين عليها، والتعويض عن الخسائر والأضرار المادية التي تلحق بها من جراء حادث حريق أو سرقة أو أي حادث عرضي أثناء العمل أو الخزن، ومعاينتها وتقديم الاستشارة حول أفضل السبل لإدارة المخاطر المرتبطة بها (هذا بافتراض توفر القدرات الهندسية والتقنية المناسبة لدى شركة التأمين).  وبهذا فإن قطاع التأمين يطمئن أصحاب ومستخدمي التكنولوجيا الزراعية الحديثة أنها جاهزة لحمايتهم من خلال التعويض النقدي للأضرار التي تلحق بالمكائن المستخدمة.

السؤال الرابع: هل تساهم شركات التأمين العراقية في تأمين الآلات الصناعية والزراعية ضد العطلات الميكانيكية بهدف استمرار العمل والانتاج دون توقف وتعويض الخسائر المتحققة؟

ليست لدي معلومات دقيقة إن كانت شركات التأمين العراقية تساهم في تأمين الآلات الصناعية والزراعية.  (تحدثت عن بعض جوانب التأمين الزراعي في جوابي على السؤال الثالث).  هناك وثيقة تأمين تعرف باسم وثيقة تأمين عطب المكائن، تصنف ضمن وثائق التأمين الهندسي.  وأذكر بأنني قد ترجمت نموذجاً إنجليزياً منه إلى العربية أوائل سبعينيات القرن المنصرم، عندما كنت أعمل في قسم التأمين الهندسي في شركة التأمين الوطنية.  وكان هدف إدارة القسم هو المباشرة بترويج وبيع هذه الوثيقة لشركات ومؤسسات القطاع العام بالدرجة الأولى.  لكن الهدف لم يتحقق إذ أن العديد من الشركات التي اتصل بها قسم التأمين الهندسي كانت تقول بأنها ليست بحاجة لهذا التأمين.  والسبب هو أنها تقوم بالصيانة الدورية على مكائنها وأن لها قطع غيار كافية ومكائن إضافية مخزونة.  وفي ظني إن الوضع لم يتغير لا بل أنه تراجع إذ أن العديد من الشركات، ومنها المصافي، تدير عملياتها دون حماية تأمينية.

بالنسبة لتأمين الآلات الزراعية فإن أسواق التأمين المتقدمة تعرض ما يعرف باسم وثيقة التأمين الزراعي الشاملة التي تغطي حوادث الحريق والسرقة والمركبات الزراعية على أنواعها والمسؤوليات المدنية الناشئة عنها تجاه الطرف الثالث.

يمكن أن يوصف وثيقة تأمين عطب المكائن بأنه وثيقة تكاد أن تكون شاملة في تغطيتها، فهي تغطي الضرر المادي المفاجئ غير المنظور نتيجة لوجود خطأ في التصميم، عيب في المنتج، خطأ في التركيب، سوء الاستعمال، قله الخبرة، الإهمال غير المتعمد، نقص المياه في الغلايات (المراجل)، الانفجار الذاتي، تمزق جزئي بفعل القوة الطاردة أو التماس الكهربائي أو بفعل أي سبب أخر غير مستثنى صراحة في الوثيقة بشكل يقتضي التصليح أو الاستبدال.

وكغيرها من الوثائق تضم هذه الوثيقة عدداً من الاستثناءات ومنها: العُدد التي تستبدل دورياً والتي تتصف باستهلاكها السريع، الحريق، الصاعقة، الانفجار الكيماوي، الفيضان، الهزات الأرضية، السرقة، مسؤولية المجهز، الخطأ أو العطب الموجود وقت بدء سريان الوثيقة، الأعمال المتعمدة أو الإهمال الشديد من قبل المؤمن له، الاندثار غير المصحوب بحادث معين ... إلخ.[5]

فيما يخص استمرار العمل والانتاج دون توقف وتعويض الخسائر المتحققة بسبب التوقف فهناك وثيقة تعرف باسم وثيقة التأمين من خسائر الأرباح أو الخسائر التبعيةLoss of Profit Insurance or Consequential Loss  أو وثيقة تأمين توقف الأعمال Business Interruption Insurance.  وبموجب هذه الوثيقة يمكن التأمين على توقف الإنتاج بسبب حادث حريق (مؤمن بموجب وثيقة تأمين من الحريق) أو عطب ميكانيكي أو كهربائي أو أخطار أخرى (مؤمن بموجب وثيقة تأمين عطب المكائن).  تغطي وثيقة خسائر الأرباح، حسب رغبة المؤمن له، الربح الإجمالي "وهو الربح الذي يحققه المشروع قبل استبعاد المصاريف الثابتة ويستخرج من رقم المبيعات مضافاً إليها بضاعة آخر المدة (المصنعة ونصف المصنعة) وبعد طرح المشتريات (المصاريف المتغيرة) وبضاعة أول المدة (المصنعة ونصف المصنعة) والناتج يمثل الربح الإجمالي."  أو تغطي الربح الصافي "وهو الربح الذي تحققه المؤسسة والذي ينتج بعد طرح المصاريف المتغيرة والثابتة (عدا الضرائب) من رقم المبيعات." [6]

ومن المؤسف أن وثيقة تأمين خسارة الأرباح ليست منتشرة في العراق رغم أهميتها الفائقة في ضمان استمرار الشركات التجارية والصناعية في العمل بعد تعرضها لحادث حريق أو عطب في المكائن.

السؤال الخامس: هل تقوم شركات التأمين العراقية في استثمار جزء من اموالها في النشاط الصناعي؟

لا تتوفر عندي معلومات عن توزيع استثمارات شركات التأمين العراقية.  إن الإحصائيات التي تنشرها جمعية التأمين العراقية لا تبين وجوه الاستثمار.  حسب آخر إحصائية كانت إيرادات الاستثمار لسنة 2015 16,560,905,000 دينار.[7]

من المعروف أن شركات التأمين تميل، على العموم، إلى سياسة محافظة في الاستثمار للحفاظ على درجة من السيولة النقدية تستطيع بفضلها تسديد المطالبات بالتعويض.  ورغم شحة البيانات فإنني أزعم ان استثمار شركات التأمين يقتصر على شراء أسهم في الشركات الصناعية القائمة أو تشارك في شركات صناعية جديدة.

السؤال السادس: هل توجد في العراق تأمين هندسي؟  ان وجد ما هو دوره في توفير الغطاء اللازم لإنشاء المشاريع الجديدة؟

إن التأمين الهندسي موجود في العراق، وكان لشركة التأمين الوطنية منذ منتصف ستينيات وحتى أوائل ثمانينيات القرن المنصرم محفظة ضخمة من أعمال التأمين على أخطار المشاريع الهندسية المختلفة.  كانت محفظة التأمين الهندسي ثاني أكبر محفظة بعد التأمين البحري-بضائع.  وكان قسم التأمين الهندسي في الشركة يدار بكفاءة عالية ويضم فريقاً متمرساً من المهندسين.

يستخدم سوق التأمين العراقي نوعين من وثائق تأمين المشاريع الجديدة: وثيقة تأمين كافة أخطار المقاولين Contractors’ All Risks Insurance (CAR) لما يعرف بعقود مقاولات الإنشاء المدنية، ووثيقة تأمين كافة أخطار النصب Erection All Risks Insurance (EAR) لعقود المقاولات الهندسية الكهربائية والميكانيكية والكيمياوية.  وهناك وثيقة التأمين من خسارة الأرباح المتوقعة بعد إكمال المشروع يعرف بأسماء مختلفة لعل الأشهر منها هو Advance Loss of Profit Insurance (ALOP).  وهذه الوثيقة غير معروفة في العراق، ولا أظن أن أياً من أصحاب المشاريع الجديدة، الحكومية منها والخاصة، قد قام بشراء مثل هذا الغطاء التأميني.

الدور الأساس لوثيقتي أخطار المقاولين وأخطار النصب هو تعويض المقاول أو رب العمل (إن كان هو حامل وثيقة التأمين) عن كلفة تصليح الأضرار والخسائر المادية منذ المباشرة بالمشروع، مروراً بأعمال الإنشاء والتركيب، والاختبار والتشغيل التجريبي وانتهاءاً بالصيانة.  إذ تقوم شركة التأمين بتوفير السيولة للمقاول للشروع بأعمال التصليح وطلب المواد واستيراد المكائن والمعدات المتضررة.  وفي الغالب، وخاصة في حالات الخسائر الكبيرة، فإن شركة التأمين، وبتوصية من مسوّي الخسارة loss adjuster، تُقدّم للمقاول ما يعرف بدفعة على الحساب payment on account لتسهيل البدء بأعمال التصليح والاستبدال.

السؤال السابع: يعاني العراق من مشكلة البطالة.  ما هي مساهمة شركات التأمين العراقية في حل مشكلة البطالة؟

إن المساهمة الأساسية لشركات التأمين العراقية في حل مشكلة البطالة هو توفير مصدر عمل مباشر.  إن عدد العاملين في قطاع التأمين ليس معروفاً إذ أن إحصائيات جمعية التأمين العراقية لا تضم جدولاً بعدد العاملين في كل شركة تأمين.  وفي تقديري فإن العدد في كامل القطاع هو أقل من 2,000 موظف وموظفة.

عندما يتم دمج شركة التأمين العراقية العامة مع شركة التأمين الوطنية العامة، أتوقع أن ينخفض عدد العاملين والعاملات نتيجة لتجنب الازدواجية في الوظائف.  وهذا هو الحال في معظم عمليات الاندماج.

قد تكون واحدة من نتائج الدمج هو توفر من تنتهي خدماته للعمل في شركات التأمين الخاصة، وهي، من رأي، بحاجة إلى عناصر مدربة ومجربة، ولو أن بعض الشركات الخاصة تفكر عميقاً قبل استخدام موظفين سابقين في الشركات العامة خشية أن يحملوا معهم ما يسمونه بعقلية الموظف العام التي لا تتوائم مع متطلبات وبيئة العمل في شركة تأمين خاصة.  وهذا خوف غير مبرر إذ أن عناصر مهمة تعمل في الشركات الخاصة بنجاح، وبعضها على مستوى الإدارة، كانت تعمل سابقاً في شركات التأمين العامة.


مصباح كمال
27 حزيران 2018


[1] استمرت شركة التأمين الوطنية بعد ذلك، ولفترة، إصدار مطبوعة بعنوان نافذة على التأمين، وكان ذلك بفضل المرحوم د. سليم الوردي ومساعدة تحريرية من الصحفية المتمرسة السيدة سلوى زكّو.
[3] هناك دراسة مهمة بعنوان "قطاع التأمين في العراق: الإمكانيات والتحديات،" إعداد السيدة نور شدهان عداي، باحثة في وزارة المالية، الدائرة الاقتصادية، قسم السياسات الاقتصادية، صدر في بغداد/2015 ومنشور في الموقع الرسمي لوزارة المالية تحت باب البحوث والدراسات: http://www.mof.gov.iq/Pages/MainMof.aspx
إضافة إلى ورقة منعم الخفاجي، "التحديات التي يواجهها قطاع التأمين في العراق،" المنشور في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين:

[4] جمعية التأمين العراقية، احصائية نشاط شركات التامين العاملة بالعراق لعام (2014 - 2015).
[5] لتعريف أساسي بوثيقة تأمين عطب المكائن راجع منعم الخفاجي، مدخل لدراسة التأمين (بيروت: منتدى المعارف، 2018)، ص 89-92.
[6] منعم الخفاجي، مصدر سابق، ص 139-173.
[7] جمعية التأمين العراقية، احصائية نشاط شركات التامين العاملة بالعراق لعام (2014 - 2015).