إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/11/13

Stagnation of Iraq's Insurance Market

ركود سوق التأمين العراقي:
مناقشة لرأي اقتصادي



نص الرأي

مرة أخرى نعود للحديث عن الكتابة التأمينية في الصحافة العراقية في ضوء الخبر التالي الذي نقلته الوكالة الإخبارية للأنباء في 30 تموز 2011 تحت عنوان "اقتصادي يدعو شركات التأمين الى توعية المواطن":[1]

بغداد (الإخبارية)..علل الخبير الاقتصادي باسم جميل [انطون] سبب ركود سوق التأمين العراقي وذلك لتردي الوضع الأمني وقلة الشركات في العراق، مشيراً الى أن التأمين يحتاج الى الوعي والتثقيف الذي لا زال يفتقره المواطن العراقي.

وقال جميل في تصريح لمراسل (الوكالة الإخبارية للإنباء) اليوم: أن أسباب ركود سوق التأمين العراقي يعود الى قلة شركات التأمين وتردي الأوضاع الأمنية الغير مستقرة في البلد، اضافة الى ان المواطن العراقي لا يمتلك وعياً وثقافة للتعامل مع هذه الشركات.

ودعا الخبير الاقتصادي الى توعية المواطن وزيادة ثقافته بهذا الموضوع عن طريق الدورات والندوات التثقيفية، مشيراً الى دور الإعلام الفاعل في توعية ذلك.

ويذكر ان شركات التامين الخاصة والعامة مارست اعمالها في فترة النظام السابق وقد ادى الحصار الاقتصادي المفروض على العراق الى مقاطعة شركات التامين الدولية لقطاع التامين وبعد سقوط النظام صدر قانون تنظيم اعمال التامين رقم 10 لسنة / 2005 ./أنتهى/8.ر.م/[2] [التأكيد من مصباح كمال]

اهتمامنا بهذا الحديث القصير، الذي لم توفر لنا وكالة الأنباء خلفيته، ينبع من كونه صادراً عن خبير اقتصادي وخبير صناعي أيضاً وعضو في مجلس إدارة اتحاد الصناعات العراقية والمدير المفوض لفندق بابل.  وهو معروف بنشاطه في الكتابة الرصينة عن الشأن الاقتصادي في الصحافة العراقية والتصريحات الصحفية عن جوانب مختلفة للاقتصاد العراقي.  ونحن العاملين في قطاع التأمين نرحب بكل ما يكتبه الاقتصاديون والخبراء عن النشاط التأميني لأنه يُعلّى من مكانة التأمين ويساهم في التوعية به وتعزيزه لدى القراء.

تعليل "ركود سوق التأمين العراقي" بقلة شركات التأمين وتردي الأوضاع الأمنية، وعدم امتلاك المواطن العراقي للوعي والثقافة للتعامل مع هذه الشركات فيه شيء من التبسيط والتجني على المواطن العراقي.  ربما لم يُنقل رأي الخبير بكامله أو بالشكل الصحيح، وربما تعرّض الرأي المصرح به للتشويه من دون قصد.  نرجو ذلك.

المواطن العراقي
وغياب الوعي والثقافة في التعامل مع شركات التأمين

لنبدأ بتحليل القول بعدم امتلاك المواطن العراقي للوعي (والمواطنة العراقية، لحسن حظها، تقع خارج دائرة الموضوع)، ففيه تعميم لا يقوم على منطق سليم ولا ينهض به الواقع.  فليس كل المواطنين سواسية في وعيهم وثقافتهم، والقول بغير ذلك هو افتئات على قدراتهم الفكرية.  لو حصرنا الوعي والثقافة بمفهوم التأمين والمعرفة لدى شركات التأمين، فهناك ما لا يقل عن ألفي شخص، وربما أكثر، يعملون حصراً في قطاع التأمين، يضاف لهم الأفراد والمؤسسات الصناعية والتجارية والخدمية التي تشتري أغطية تأمينية مختلفة من شركات التأمين العراقية.  كل هؤلاء لا ينقصهم الوعي بالتأمين بغض النظر عن مستوى هذا الوعي.

ثُم: هل هناك علاقة سببية بين ركود السوق ووعي وثقافة المواطن؟  تُرى هل أن توفر الوعي والثقافة لدى المواطن، وخاصة الفقير والمحدود الدخل، ستدفعه صوب شركات التأمين لشراء الحماية منها وهو لا يمتلك دخلاً يكفيه لتمويل حاجياته الأساسية؟  أليس القول السائر "العين بصيرة واليد قصيرة" (وبلغة الاقتصاد غياب الطلب الفعّال لتدني حجم الدخل الفائض بعد الإنفاق الضروري على البضائع والخدمات الأساسية) هو الأوفر حظاً في التقرُّب من جواب لتفسير ركود السوق أو قل نموه البطيء، وهو ما نميل له وما يمكن قياسه بالرجوع إلى الإحصائيات.

التعكُّز على افتقار المواطن للوعي والثقافة، وهما مترابطان، في شرح ركود السوق يرهن الظاهرة الاقتصادية بحالة فكرية (المقترب الذاتي) بدلاً من محاولة استكشاف قوى وعوامل موضوعية تؤثر مباشرة على عرض الحماية التأمينية والطلب عليها.  لا شك أن التكوين الاجتماعي (العائلة والعشيرة) وما يرتبط به من المفاهيم التقليدية السائدة (الإيمان بالقضاء والقدر، الاتكالية، التعاضد الأسري والقرابي والعشائري، وربما التحريم الديني) يشكل خلفية مهمة في صياغة الوعي بالتأمين والإقبال عليه من عدمه وكذلك تطوير ثقافة التدبر للمستقبل من خلال البدائل الحديثة كالادخار والاعتماد على آلية التأمين.  هذه الخلفية الثقافية، مع تعقيداتها التي تنتظر الكشف، لها تأثير على حجم الطلب على التأمين.  لكن الاعتماد على هذا التوصيف لوحده ليس كافياً لشرح حالة ركود سوق التأمين.  علينا، إضافة لذلك، البحث في حجم الدخل المتوفر للإنفاق على الحماية التأمينية، والتكييف القانوني لشراء التأمين بضمنه إلزامية التأمين على أنواع معينة من الأخطار، والحد من تسرب أقساط التأمين إلى خارج العراق بسبب قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، وأسعار التأمين، وكفاءة تقديم الخدمات التأمينية وخاصة في تسوية المطالبات وغيرها بما فيها الترويج للتأمين من خلال الإعلانات و"الدعاية المسلحة" عند تسديد شركة التأمين لتعويض كبير متى ما ركّزت شركة التأمين على الاستفادة منه.

ولنا أن نضيف على ذلك حجم التجارة الخارجية (الطلب على التأمين البحري على البضائع والسفن)، عدد الوحدات الصناعية والتجارية والخدمية والزراعية التي تخصص بنداً في ميزانياتها لشراء التأمين، حركة البناء والمشاريع .. الخ.  وبعبارة أخرى، البحث في مكونات الطلب على التأمين في ظل الظروف السائدة.

ولمعالجة حالة ركود سوق التأمين العراقي يدعو "الخبير الاقتصادي الى توعية المواطن وزيادة ثقافته بهذا الموضوع عن طريق الدورات والندوات التثقيفية، مشيراً الى دور الإعلام الفاعل في توعية ذلك."

دورات وندوات تثقيفية لمن؟  لكل المواطنين العراقيين، وكيف يتم ذلك؟  من خلال الإعلام؟  هذه دعوة مشكوك في صحتها.  ربما كان الخبير يفكر في الدعاية، المرئية والمسموعة، على النمط الغربي (عملية تكييف واستحواذ على عقل المستهلك) أما دور الإعلام فهو أمر آخر قابل للتحقيق ولكنه لا يتم من خلال بضعة دورات وندوات.  نتمنى على الخبير باسم جميل أنطون التوسع في شرح ما يرمي إليه ووسائل تحقيقه.

تردي الأوضاع الأمنية والتأمين

السبب الآخر الذي ذكره الخبير لتفسير ركود سوق التأمين هو تردي الأوضاع الأمنية.  وهذه الأوضاع أصبحت الشماعة التي صرنا نعلق عليها كل مشاكلنا الاقتصادية وغيرها لكننا قلما حاولنا تفكيك هذه الأوضاع للتعرّف عليها وتقييم آثارها على النشاط التأميني.  ربما نكون متعسفين في هذا القول وعسى أن يدلنا القارئ الحصيف على دراسات تدحض موقفنا.  ومن المناسب هنا التذكير بأن تدهور الأوضاع الأمنية هو استمرار لتدهور عام بدأ في عهد الدكتاتورية واستمر خلال حروب النظام والعقوبات الدولية[3] وتفاقم مع الغزو والاحتلال الأمريكي سنة 2003.

في الحالة العراقية يتمظهر غياب الأمن بالتفجيرات على أنواعها، مختلف العمليات الإرهابية، عمليات الخطف، إكراه الناس على مغادرة بيوتهم لأسباب طائفية، القتل على الهوية، تصفية خصوم الفكر، قتل الصحفيين والأكاديميين، عمليات الانتقام وغيرها.  ولم تنجح الحكومات المنتخبة في القضاء على الإرهاب وتحقيق الأمن الضروري للتنمية الاقتصادية.

نعرف بأن النشاط التأميني لا يجري في فراغ بل ضمن ضوابط قانونية ورقابية وفي بيئة تتوفر فيها درجة من الاستقرار والاطمئنان على النفس وحرية الحركة.  أي أن الإنتاج التأميني يتم في وضع يتوفر فيه الأمان على النفس والمال.  ويتأثر هذا النشاط بالمتغيرات الاقتصادية ومنها التضخم النقدي، السياسة المالية، التركيبة السكانية، البطالة، الأزمات المالية، الكساد، حركة الإنشاءات وغيرها.

يُقيد غياب الأمن حركة العاملات والعاملين في قطاع التأمين وهو ما يؤثر على الإنتاجية (إنتاج وثائق تأمين جديدة، تجديد وثائق تأمين على وشك الانتهاء، تقديم الخدمات لحملة وثائق التأمين).  ويؤثر أيضاً على وصول طالبي التأمين إلى شركات التأمين أو متابعة مطالباتهم بالتعويض معها بسبب غلق الشوارع.

ويؤدي غياب الأمن، وكذلك الفساد المالي، إلى تأجيل المشروعات أو تقليصها وحتى إلغائها، وهذه من المصادر المهمة لفرع التأمين الهندسي.  كما يؤدي لدى البعض إلى ضعف الإقبال على شراء الحماية التأمينية، في حالة توفر فائض في دخل الأفراد، لعدم الاطمئنان على ما تخبئه الأيام.

كما أن سوء الأوضاع الأمنية يُصعّبُ على شركات التأمين شراء حماية إعادة التأمين من الشركات الإعادية العالمية ويقلّص ويُضعف من نطاق هذه الحماية، إذ لا تتوفر هذه الحماية إلا بأسعار وشروط مُكلفة.  وبالتالي، فإن ضعف الحماية الإعادية يؤثر سلباً على القدرات الاكتتابية واحتفاظ شركات التأمين بالأقساط.

غياب الأمن يساهم في خلق مُناخ ملوث يشجع على استفحال الفساد المالي والإداري وحالات الغش والتزوير لأن من يقوم به يدعم سلوكه بقوة السلاح أو بالتواطؤ مع عناصر في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية أو بالتغاضي عن التطبيق الصارم للقوانين.  وهنا يثور سؤال: هل يستطيع الطرف المتضرر إقامة دعوى على مسبب الضرر دون وجل؟  وهل يستطيع الاعتماد على أجهزة الشرطة في تسجيل حادث واستصدار المستندات المناسبة من هذه الأجهزة وغيرها؟  أخبار الفساد ومرتبة العراق في سلم الفساد على المستوى العالمي لا تنقطع في الصحف العراقية والأجنبية، وما يهم موضوع هذه الورقة هو مساهمة الفساد في تعطيل توقيع العقود الإنشائية والمباشرة بإنجازها.[4]  وحتى عند توقيع العقود فإن شركات التأمين العراقية لا تنتفع إلا بالنزر اليسير من هذه العقود بسبب شروط التأمين في هذه العقود والموقع القوي للشركات النفطية العالمية وغيرها من الشركات.

لكننا لا نعدم بعض "الآثار الإيجابية" لتدهور الأوضاع الأمنية ومنها قيام شركات التأمين على إدخال منتجات تأمينية جديدة للتخفيف من نتائج الأوضاع المتدهورة كما حصل مع توسيع وثيقة تأمين الحوادث الشخصية الجماعية ليشمل حالات الإصابة والوفاة جراء العمليات الإرهابية.  وكذلك تكوين مجمعات لتأمين أخطار معينة مستثناة من عقود إعادة التأمين الاتفاقي ومنها مجمع تأمين النقد ومجمع تأمين المخازن.[5]

محاولة للتعريف بركود سوق التأمين العراقي

الركود بالمعنى الاقتصادي هو تباطؤ النمو لفترة طويلة، واقترانه بالبطالة، وعدم القدرة على الاستفادة من الطاقات الانتاجية المتاحة لضعف الطلب الفعّال الذي يؤدي بدوره إلى عدم القيام بتوظيفات إنتاجية جديدة أو توسيع ما هو قائم منها.

مقياس الركود في التأمين بهذا المعنى هو تباطؤ نمو الأقساط (حجم أعمال التأمين المكتتبة من قبل شركات التأمين) أو، في أحسن الحالات، قد يعني الركود مرواحة أقساط التأمين المكتتبة في مكانها دون تقدم يذكر مقارنة بالفترة الماضية أو الفترة منذ 2003 وفي كلتا الحالتين فإن الفترة طويلة – ما يزيد عن العقد في كل فترة.

ينمو النشاط التأميني ويزدهر في أوقات السلم والاستقرار وتوفر الأمن.  وهذه قاعدة عامة معروفة شريطة أن لا يكون الاقتصاد الوطني في حالة ركود ومثالها الكساد العظيم في 1929-1933.  وفي العراق، وكما حاولنا أن نبين في الفقرات أعلاه، فإن تدهور وغياب الأمن أثَّر على النشاط التأميني لكن التأثير كان مختلطاً فالمحصلة النهائية، رغم استمرار زيادة دخل الأقساط المكتتبة، كانت ضعيفة وأسبابها ليست كامنة في تردي الأوضاع الأمنية حصراً.  فتطور أقساط التأمين من 7 ملايين دولار تقريباً قبل 3 سنوات إلى ما يزيد عن 30 مليون دولار سنة 2010 ومن المتوقع أن يتضاعف مع انتهاء السنة دليل على أن الأوضاع الأمنية لم توقف تطور الأقساط لكنها، أي الأقساط، كانت ستكون أكبر مما هي عليها لو أن الأوضاع الأمنية تحسنت أكثر وأزداد عدد المشاريع وتم التأمين عليها وعلى تجارة الاستيراد مع شركات تأمين مسجلة ومجازة في العراق.  هذا التطور يشهد على أن الزعم بركود السوق ليس صحيحاً.

هناك عوامل أخرى، سنأتي على ذكرها تحت عنوان قلة الشركات، تفسر عدم تطور الانتاج التأميني بأكثر مما تحقق منه حتى الوقت الحاضر.

قلة شركات التأمين؟

أما السبب الآخر الذي أورده الخبير لبيان ركود سوق التأمين فهو قلة شركات التأمين.  وهذا الزعم لا يسنده الواقع الحالي لسوق التأمين العراقي.

عندما أممت شركات التأمين سنة 1964 كانت موزعة على تسع شركات تأمين و 15 فرع ووكالة لشركات تأمين عربية وأجنبية.  وبموجب الموقع الإلكتروني لديوان التأمين العراقي فإن عدد الشركات المسجلة (في آخر زيارة لنا له في 29 أيلول 2011) هو 12 شركة في حين ان العدد الحقيقي هو 24 شركة: شركتين عامتين، شركة إعادة تأمين عامة واحدة، خمس شركات في إقليم كوردستان (أربيل والسليمانية)، واحدة في النجف، وواحدة في تكريت والباقي في بغداد.

قلة عدد الشركات لا علاقة لها بالركود.  في الفترة من تأميم قطاع التأمين سنة 1964 لغاية سنة 1997 عندما تم تغيير قانون الشركات للسماح بعمل الشركات الخاصة (بدأت أول شركة تأمين خاصة بالعمل سنة 2000) كان سوق التأمين محتكراً من الدولة ويتكون من شركتين للتأمين وشركة واحدة لإعادة التأمين.  ومع هذا العدد القليل تطورت أقساط التأمين باستمرار ووصلت أوجها في فترة "الخطة الانفجارية" السيئة السيط[6] إلى مئات الملايين من الدولارات.  وقتها كان سوق التأمين العراقي رائداً بين أقرانه في العالم العربي.

في سنة 1964 كان عدد الشركات 24 شركة وعددها الآن (تشرين الأول 2011) 24 شركة أيضا!  ربما كان هذا ما يدور في ذهن الخبير في تعليله لركود قطاع التأمين.  ربما كان يفكر بعدد السكان الذي كان قرابة 10 ملايين نسمة في ستينيات القرن الماضي وأصبح 31,234,000 عام 2009 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي في حين ظل عدد شركات التأمين، بالصدفة، على حاله.  وقل مثل ذلك فيما يخص الناتج القومي الإجمالي وعنصره الأساسي: الموارد النفطية.  ربما كان في ظنه أن قلة عدد الشركات يسبب ركود سوق التأمين لأنها لا تتناسب مع حجم السكان وحجم الناتج القومي، وهما عنصران يؤثران على حجم الطلب على الحماية التأمينية.  أو أنه يعتقد أن هناك طلباً على الحماية التأمينية لا تستطيع الشركات القائمة على تلبيته (وليست هناك بيانات تدل على ذلك)؛ أو انه يعتقد بموضوعة أن "العرض يخلق الطلب" حسب مقولة الاقتصادي الفرنسي جان بابتيست ساي (1767–1832)، أي كلما زاد عدد شركات التأمين خَلَقَ الطلب على الحماية التأمينية.  وبالنسبة لموضوعنا يتمثل العرض بعدد شركات التأمين التي توفر الحماية التأمينية وبقدراتها الاكتتابية، ويتمثل الطلب بالحاجة للحماية التأمينية المدعومة بتوفر الدخل لشرائها.  القبول بتعليل الخبير الاقتصادي يعني أن سوق التأمين يعاني من عدم توازن بين العرض (القليل) والطلب (الكبير)، أي إننا أمام أزمة ركود – كما يوحي رأي الخبير.

هذه تكهنات نظرية فيها الكثير من التبسيط أثرناها في محاولة لاكتشاف التحليل الاقتصادي المضمر في مقولة قلة عدد شركات التأمين وتسببها بأزمة ركود سوق التأمين العراقي.  ومن الملاحظ أن زيادة عدد الشركات تؤجج المنافسة على الأسعار وقد تؤدي إلى نتائج سلبية كتدهور الخدمات المرتبطة بوثائق التأمين وربما قيام شروط إفلاس بعض الشركات بسبب عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤمن لهم أو مقابلة ديونها، وعندها قد تتدخل الدولة (جهاز الأشراف والمراقبة على قطاع التأمين)، خاصة في الدول النامية، من خلال رفع حدود رأس المال والدفع باتجاه الدمج بين الشركات الضعيفة في رأسمالها لتكوين كيان يتمتع بملاءة مالية أفضل.  ومن الملاحظ أيضاً بروز ميل عند بعض الشركات نحو الاستحواذ والاندماج للحفاظ على حصتها من السوق وحماية هامش أرباحها، وهذا ميل سائد في الاقتصاد الرأسمالي.

قلة عدد شركات التأمين أو تضخم عددها يحتاج إلى دراسة مستقلة لبنية سوق التأمين العراقي لتقدير عناصر العرض والطلب على الحماية التأمينية، وهل أن السوق الآن بحاجة حقاً إلى عدد أكبر من الشركات أم ان الشركات القائمة بحاجة إلى تطوير وان التشريعات ذات العلاقة بالتأمين تحتاج إلى إعادة نظر جذرية لتأكيد دور هذه الشركات .. الخ.

هل هناك حقاً أزمة ركود في سوق التأمين العراقي؟

نحن لا نتفق مع هذه الأطروحة.  فلا تدهور الأوضاع الأمنية ولا قلة عدد شركات التأمين يشكلان سبباً كافياً لتفسير ضعف الإنتاج التأميني، وهما لم يمنعا تحقيق قطاع التأمين لبعض التقدم في حجم أعماله المكتتبة، وزيادة عدد العاملين في شركات التأمين وظهور شركات تأمين جديدة، وتأسيس جمعية لشركات التأمين.  وهذه كلها من مظاهر النمو.

نحن نرى أن القطاع كان سيستطيع تحقيق المزيد من خلال: الضغط على معيدي التأمين لتعديل وتحسين شروط اتفاقيات إعادة التأمين التي تؤثر على مجمل النشاط التأميني؛ إعادة النظر بقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 وكذلك شرط التأمين في قانون الاستثمار الاتحادي والإقليمي لضمان التأمين مع شركات مسجلة في العراق ومجازة من ديوان التأمين؛ الحد من شروط تعامل الشركات العالمية العاملة في العراق مع شركات التأمين العراقية مما يتطلب إعادة النظر في شروط التأمين في العقود الموقعة مع هذه الشركات.  هذه وغيرها من الإجراءات، ومنها ما يخص التنظيم الداخلي للشركات وبناء القدرات، تساهم في تعزيز مكانة قطاع التأمين وحجم انتاجه مع بقاء عدد الشركات على حاله.

عندما يتحدث خبير اقتصادي ورجل أعمال متمرس عن قطاع التأمين بهذا الشكل غير المكتمل في التصور والتحليل فإن ذلك يفصح، مع الأسف، عن تقصير من جانبه للتعرّف على القطاع عن كثب.[7]  ولكننا نعفيه من هذا النقد لو أن وكالة الأنباء كانت هي المسؤولة عن عدم الدقة في نقل الحديث.

وعلى أي حال فإن "الحل" الوحيد الذي اقترحه الخبير للخروج من أزمة ركود سوق التأمين هو الدورات والندوات التثقيفية ودور الأعلام الفاعل في توعية المواطن العراقي.  ولم يخطر على باله، مثلاً، اقتراح التنسيق والتعاون بين جمعية التأمين العراقية واتحاد الصناعات، ورجال الأعمال، وغرف التجارة، أو التوسع في قنوات توزيع المنتجات التأمينية، أو ابتداع منتجات متهاودة في أسعارها لترغيب الطبقات الفقيرة بها أو طبقات معينة كالفلاحين أو العمال، وغيرها من مقترحات لتعزيز مكانة قطاع التأمين العراقي.  اكثرية العراقيين لا توفر من دخولها شيئاً، وما تكسبه منها ينفق على الحاجات الأساسية: الغذاء، السكن، الملبس، الصحة لإعادة انتاج قوة العمل.  إزاء هذا التقييم يجب إعادة التفكير بالوسائل التي تساهم في تعظيم الكثافة التأمينية والتغلغل التأميني.

لو سلمنا جدلاً بركود سوق التأمين فإنه من ركود الاقتصاد العراقي (بضمنه القطاع المالي) وحالته الريعية، وما لم يخرج الاقتصاد من ركوده سيظل النشاط التأميني عاكساً وتابعاً لحالة الاقتصاد.  لا نأتي بجديد في القول ان الاقتصاد وكذلك النشاط التأميني المرتبط به يخضع للتغير إلا أنه في المرحلة الحالية لا يتمتع بالدينامية الكافية لتحقيق نقلة نوعية كتجاوز طبيعته الريعية ليحتل القطاع المالي (المصرفي والتأميني كمثال) مكانة أكبر في التنمية الاقتصادية.  هذا الوضع يعكس غياب الرؤية الاقتصادية والسياسات الموجهة مثلما يعكس حالة "الحصار" غير المعلنة على نشاط القطاع: قوانين وعقود غير ملائمة (قوانين التأمين والاستثمار وشروط التأمين في عقود الدولة)، ضعف الحماية الإعادية، غياب سياسة تأمينية وطنية، يضاف لها هشاشة الثقافة التأمينية على المستوى المؤسسي والشعبي – وهو ما ذكره الخبير باسم أنطون الذي وفر لنا فرصة تدبيج هذه الورقة. فشكراً له ونتوقع منه المزيد من الكتابة في الشأن التأميني.

لندن 4 تشرين الأول 2011.

نشرت، بتلخيص، في جريدة المدى بتاريخ 11 تشرين الأول 2011


[1] نشر هذا الخبر وتحت نفس العنوان في المجلة اللبنانية المراقب الإنمائي، العدد 238، أيلول 2011، ص 156، دون الإشارة إلى المصدر.
[2] الفقرة التوضيحية لمحرر الخبر مفيدة جداً خاصة للقارئة والقارئ غير الملم بالنشاط التأميني.  كل المعلومات التي أوردها المحرر صحيحة لكنه كان بالإمكان صياغتها بشكل أفضل والإضافة إليها خاصة وأن هذه الفقرة تنسجم مع دعوة الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطون للاستفادة الفعّالة من دور الأعلام في التوعية التأمينية.

[3] للتعرف على آثار العقوبات على قطاع التأمين راجع: مصباح كمال، "التأمين في العراق وعقوبات الأمم المتحدة" في الكتاب الجماعي دراسات في الاقتصاد العراقي: دراسات مختارة (لندن: المنتدى الاقتصادي العراقي، 2002) ص73-96
[4] “Corruption probe stalls Iraq projects” and “Contract scrutiny delays Iraq offshore oil export award” MEED, 30 September-6 October 2011, p 7 and 12.
[5] هذا العرض لا يعدو غير محاولة أولية لرصد بعض مكونات الأمن وما يترتب على غيابه من آثار تطال قطاع التأمين والمتعاملين معه.  نأمل أن يقوم آخرون بدراسة موضوع الأمن وعلاقته بالنشاط التأميني بعمق وبالأرقام.
[6] مصباح كمال، "تأميم قطاع التأمين في العراق،" مجلة التأمين العربي، القاهرة، الاتحاد العام العربي للتأمين، العدد 109، 2011، ص 7.

[7] كتبنا العديد من المقالات عن مواقف رسمية لوزراء عراقيين لم يعيروا قطاع التأمين العراقي ما يستحقه من عناية ومنها نكران وجود شركة تأمين في العراق.  أنظر بهذا الشأن "رسالة غير مكتملة إلى جمعية شركات التأمين وإعادة التأمين العراقية: لنعمل على وقف الإساءة لقطاع التأمين العراقي،" مجلة التأمين العراقي، 31 كانون الثاني 2009 http://misbahkamal.blogspot.com/2009/01/blog-post_23.html

2011/09/07

Absence of Insurance in Government Programme for 2011-14

تعليق على غياب التأمين في

برنامج الحكومة للسنوات 2011- 2014

مصباح كمال

ترددت في كتابة هذا التعليق بانتظار أن يقوم أحد الزملاء في قطاع التأمين بذلك، أو أن تقوم جمعية شركات التأمين وإعادة التأمين بذلك كونها، في تقديري، الجهة المهتمة بمكانة قطاع التأمين في الحياة العامة. ربما قام أحدهم بذلك ولكني لم استهدي إليه. وقد كتبت في الماضي[1] أن قرارات وبرامج الحكومات والأحزاب السياسية، وخاصة تلك المعروضة أثناء الانتخابات البرلمانية العامة والمؤتمرات، توفر الفرصة للقطاع، أفراداً وكيانات، لإبداء موقف منها. لكن شيئاً من هذا التمني لم يجد له تعبيراً في الواقع، وهكذا بات علينا، مرة أخرى، أن نرصد ونعلق على أمر ذو علاقة بقطاع التأمين، ولنذكّر بعضنا بأهمية الإعلان عن قطاع التأمين للحكومة والصحافة من خلال إبداء المواقف تجاه قضايا تمس القطاع مباشرة أو بصورة غير مباشرة. إعلان المواقف من شأنها أن تساهم في تعزيز الوعي بالتأمين.


مناسبة هذا التعليق هو نشر جريدة الصباح بتاريخ 18 تموز 2011 لنص رسالة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى مجلس النواب المتضمنة الإطار العام لبرنامج الحكومة الاستراتيجي للسنوات 2011- 2014. وسنقتبس بعض الفقرات من الرسالة والبرنامج ما نعتقد بأنها تمس قطاع التأمين الغائب تماماً من تصورات الحكومة.


جاء في رسالة رئيس الوزراء أن السنوات الماضية شهدت تركيز الحكومة على


"ضرورة توفير الأمن والاستقرار المهددين في بلدنا، وقد عملنا جاهدين حتى تحسن الوضع الأمني تحسناً ملحوظا وإن بقيت بعض التهديدات هنا وهناك وبسبب هذا التركيز لم تلق إعادة الإعمار والتنمية الوقت والجهد والإمكانات الكافية، فنرى معاناة المواطنين في توفير الكهرباء لمنازلهم، وضعف الرعاية الصحية والتعليم والسكن المناسب والحصول على فرص العمل الكريمة "


قد لا نختلف على أن الأمن، وما يترتب عليه من استقرار، عنصر مهم في إدارة الحياة العامة والخاصة وتحقيق التراكم لكن تعليق غياب السياسات الاقتصادية، ومنها ما يتعلق بالنشاط التأميني، على شماعة الأمن ليس إلا تبريراً يفتقد إلى شرح كامل ومقنع. لا نية لنا في مناقشة هذا الموضوع ونكتفي بالقول أن الحكومات، منذ 2003، انشغلت بالمغانم والمحاصصات واستغرقت النخبة الحاكمة والمنتفعين منها ومؤسسات الدولة ، على ضعفها، في التسابق عليها بحيث أصبح الاهتمام بإعادة الإعمار والتنمية لا يلقى إلا القليل من الاهتمام. والحال هذا يذكرنا بأطروحة الثوريين وأصحاب الدعوات القومية بتعليق الديمقراطية والحريات العامة لحين التخلص من الاستعمار أو تحقيق الوحدة القومية.


وذكر رئيس الوزراء أن


"هذه الوثيقة .. هي برنامج الحكومة الستراتيجي، وفيها تظهر المحاور الآتية في لغة واضحة وستكون نصب أعيننا في خلال فترة رئاستنا لهذه الحكومة:


1- أمن العراق واستقراره

2- الارتقاء بالمستوى المعاشي والحياتي للمواطن العراقي

3- تحقيق اقتصاد أفضل وزيادة القدرة التنافسية للمؤسسات العامة والخاصة

4- زيادة إنتاج النفط والغاز لتحسين الاستدامة المالية

5- إصلاح الخدمة المدنية

6- تنظيم العلاقات الاتحادية – المحلي."


"هذه المحاور جميعها ضرورة ملحة ومتساوية وإن كانت الحاجة مستمرة ً للأمن وتحقيق الاستقرار لما لها من تأثير في تحسين الخدمات العامة التي تؤسس لحياة سعيدة في مجتمع حديث، لذا فإن إنتاج النفط والغاز إنتاجاً مستمراً مهم لتمويل إعادة الإعمار والتنمية التي يحتاجها بلدنا، ويحتاج أيضاً إلى اقتصاد متنوع وحديث ليكون مصدراً للثروة وفرص العمل. والمحاور جميعها تعكس الحاجة لخطط مدروسة بعناية لكي تنفذ تنفيذاً كاملاً وفقاً للدستور. وإن ما يواجهنا في عملنا هي البيروقراطية الحكومية، لذلك فإننا نحتاج إلى إصلاحات إدارية وتحسينات كثيرة لدعم التنمية في البلد.


ستكون هذه الموضوعات (المحاور آنفة الذكر) محور عملنا، وسنقوم بتقديم التقارير تقديما منتظماً عن أي تقدم محرز. ونحن نرحب بالآراء والتعليقات حول جعل العراق بلداً آمناً وحراً كريماً للعيش السعيد.


نوري المالكي رئيس مجلس الوزراء."


لنلاحظ أن رئيس الوزراء يرحب بالآراء والتعليقات وليس الدعوة إلى التقييم النقدي. هناك تهيب من النقد لذلك فإن الدعوة له لا يرد في الرسالة وفي البرنامج. ولعله انعكاس لميل تسلطي كامن قائم على أن المعرفة ليست متاحة للجميع وهو أقرب ما يكون إلى التفكير الديني.


لنترك التعليق العام والانجرار نحو مناقشة نص الرسالة ومفردات البرنامج لغيرنا ونركز القول على أن المحاور الستة لبرنامج الحكومة وما سينشأ عنها من أعمال إنشائية وصناعية وخدمية تنطوي على إنفاق من ميزانية الدولة الآن وفي السنوات التالية. لكن ما يعيب البرنامج غياب أية إشارة لتمويل المحاور الستة.


لو عرفنا الكلفة التقديرية التي يتطلبها تحقيق البرنامج الحكومي لكان أركان التأمين العراقي في وضع يستطيعون معه تقدير حجم أقساط التأمين التي يمكن أن تحققها شركات التأمين لقاء توفير الحماية لمفردات البرنامج من موجودات وخدمات ومسؤوليات قانونية.


إضافة لذلك لو كانت مفردات البرنامج واضحة وملموسة كان بإمكان شركات التأمين أيضاً تصور الأنواع المختلفة لوثائق التأمين التي يحتاجها البرنامج. وكذلك العمل المشترك على توفير هذه الوثائق من المصادر الداخلية للشركات أو من خلال التعاون مع شركات إعادة التأمين أو وسطاء إعادة التأمين الدوليين. في غياب العمل المشترك، لتعظيم فرص الاستفادة من الموارد الداخلية المتاحة، ستلجأ كل شركة تأمين، وتحت دعوى المنافسة والحرية الاقتصادية، إلى العمل لوحدها. قليل من التخطيط المسبق بين الشركات للعمل المشترك كفيل بخلق شروط الإمساك بزمام المبادرة في الداخل وتعزيز القوة التفاوضية للقطاع.


ونضيف إلى ذلك أن العمل المشترك يعطي زخماً للشركات في وضع تصوراتها بشأن بنود التأمين والتعويض في العقود الإنشائية كي لا تُهضم حقوق شركات التأمين العراقية – كما هو حاصل في العديد من عقود الدولة.


كما أن العمل المشترك، ويتمناه المرء أن يكون على المستوى الاتحادي، من شأنه أن يدعم أي تحرك من قبل ديوان التأمين العراقي لتعديل أحكام معينة من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 والتي تميل في غير صالح شركات التأمين العراقية – كما تدل التجربة القائمة على ذلك.


يبدو لنا أن من قام بصياغة البرنامج، سواء كان فرداً أو أفراداً منتظمين في لجنة صياغة، لم يعرفونا بالكلفة المالية للبرنامج ومصادر التمويل. ولا ندري إن كان التأمين قد ورد بذهن كاتب البرنامج. نعرف أن هناك العديد من المستشارين لدى رئاسة الوزراء والبعض منهم له علاقة بقطاع التأمين والمصارف. وللتدليل على هذه العلاقة نقتبس مطولاً من مقالة للزميل سعدون الربيعي:


"استناداً إلى الأمر الديواني المرقم 19 لسنة 2010 الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء – هيئة المستشارين - الخاص بتشكيل فريق عمل استراتيجية القطاع الخاص والحوار الاجتماعي، انبثقت لجنة فرعية لقطاع المصارف والتامين شاركت فيها كممثل عن شركات التامين الخاصة وحضر اجتماعاتها كوادر متقدمة من الوزارات المعنية والبنك المركزي والشركة العراقية لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وشركة الكفالات المصرفية واتحاد رجال الأعمال واتحاد الصناعات العراقية ورابطة المصارف الأهلية العراقية.


عقدت هذه اللجنة عدة اجتماعات خلال عام 2010 كان آخرها في 30/8/2010 تدارست فيها خطوات تطوير ودعم القطاع الخاص ومنح القروض لتأهيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بمبالغ تتراوح من خمسة آلاف دولار إلى 250 ألف دولار وبفائدة ميسرة وحسب حجم المشاريع وطاقتها الإنتاجية.


وخلال هذه الاجتماعات كنت أؤكد على دور وأهمية شركات التامين العامة والخاصة بالتنسيق مع المصارف الأهلية المعتمدة حاليا” في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وضرورة التامين على حياة المقترضين بمبلغ القرض الممنوح ... واستثمرت مشاركتي في هذه اللجنة لعرض ما يعانيه قطاع التامين من تجاهل بعض المسؤولين في الدولة وتهميش دوره الفاعل في عملية التنمية الاقتصادية، وإغفال ما نكتبه للجهة القطاعية المختصة ( وزارة المالية – ديوان التامين ) عن المشاكل والمعوقات التي يعاني منها قطاع التامين العراقي والتهاون بالرد الايجابي على مقترحات شركات التأمين الخاصة ... وعرضت مقترحات عديدة في اللجنة الفرعية لقطاع المصارف والتأمين التي تشرف عليها وتتابع نشاطها – هيئة المستشارين – الأمانة العامة لمجلس الوزراء."[2]


اعتماداً على هذه المعلومات من حقنا أن نسأل لماذا غاب التأمين عن الصورة؟ ذات السؤال يمكن أن يثار من قبل القطاع المصرفي: لماذا لم يجد له مكاناً في البرنامج الذي يقوم على "التحول نحو اقتصاد السوق الحرة."


وفي رأينا أن هناك عدم وضوح في التوجه الاقتصادي لأن الاقتصاد، في حالته الراهنة، ما زال ريعياً يجمع بين الاعتماد المطلق على الموارد النفطية: "زيادة إنتاج النفط والغاز لتحسين الاستدامة المالية" (كما جاء في المحور الرابع من برنامج الحكومة) وبين "الارتقاء بالمستوى المعاشي والحياتي للمواطن العراقي (كما جاء في المحور الثاني)، "إذ تُعدُ الحكومة مسؤولةً عن تهيئة الخدمات العامة التي تؤثر تأثيراً مباشراً في حياة المواطنين التي تشتمل على إيجاد (السكن الملائم، والرعاية الصحية، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، والخدمات العامة اليومية للمواطن العراقي)، وإتاحتها للجميع."


من المفيد التذكير هنا أولاً أن عنصر تمويل المحور الثاني غائب ونفترض أن معظم التمويل سيأتي من الريع النفطي. وثانياً أن مفردات هذا المحور، كغيره، من المفترض أن يجلب معه طلباً فعالاً للحماية التأمينية بأنواعها المختلفة: التأمين البحري والهندسي والمسؤوليات القانونية والحوادث الشخصية وتأمين المعدات الإنشائية .. الخ. وثالثا، هناك مفردات ومصطلحات في الأدبيات الاقتصادية المتداولة على المستوى الصحفي والأكاديمي لا تأتي رسالة رئيس الوزراء أو البرنامج على ذكرها. لا يرد، مثلاً، ذكر للقطاع العام أو القطاع الخاص، أو القطاع المالي، أو التمويل والميزانية والبطالة والتضخم والتخطيط الاقتصادي والاقتصاد الريعي، وكأن الاقتصاد العراقي ليس معنياً بها.


نقرّ إزاء هذا الوضع أن واضعي البرنامج ليسوا مطالبون بذكر التأمين بالتخصيص فالتأمين هو دائما الحلقة الأضعف في تصورات الحكومة والأحزاب السياسية، والأصح القول أن التأمين غائب في هذه التصورات. نعم يحاول وزير أن يظهر نفسه بأنه مهتم بالتأمين.[3]   ويلغي وزير آخر وجود التأمين في العراق.[4]   ومسؤول كبير يتحدث عن إعادة رسملة وتحديث صناعة التأمين.[5] أكلُّ هذه الحالات كانت تقوم على دراسات وأوراق عمل أم أنها كانت نزوات أو أفكار غير مكتملة. ونسأل: كم من أوراق بحثية قام هؤلاء بتكليف خبراء التأمين في العراق القيام بها؟


نأمل أن لا يكون مآل رسالة رئيس الوزراء مشابهاً للاهتمام الطارئ بالتأمين لدى هؤلاء فقد أكد على الآتي:


"ستكون هذه الموضوعات (المحاور آنفة الذكر) محور عملنا، وسنقوم بتقديم التقارير تقديما منتظماً عن أي تقدم محرز. ونحن نرحب بالآراء والتعليقات حول جعل العراق بلداً آمناً وحراً كريماً للعيش السعيد."


ترى هل أن الصيغ الإنشائية كافية للإقناع؟ هل هي بديل عن سياسات ملموسة بعكس العموميات التي نقرأ منها الكثير وهي لا تختلف مما ينشر في أعمدة الرأي الصحفية. لكننا سنُحسنُ الظن وننتظر التقارير المنتظمة عن التقدم المحرز بشفافية لا تخفي المعوقات ولا الأطراف المقصرة. ونأمل أن يذكر أحد التقارير شيئاً عن قطاع التأمين العراقي. ونأمل من زملاء المهنة في العراق وكذلك جمعية شركات التأمين وإعادة التأمين متابعة الموضوع.


لندن 21 تموز 2011


[1] أنظر، على سبيل المثال، مصباح كمال، "قطاع التأمين العراقي والانتخابات العامة القادمة،" مجلة التأمين العراقي http://misbahkamal.blogspot.com/2009/11/blog-post_23.html

[2] سعدون الربيعي،"شركات التأمين الخاصة تشارك في اجتماعات هيئة المستشارين لتطوير القطاع المصرفي والتأميني" مرصد التأمين العراقي: http://iraqinsurance.wordpress.com/2011/01/05
[3] مصباح كمال، نقد "مؤتمر التأمين" وتصريحات وزير المالية" http://misbahkamal.blogspot.com/2009/07/28-2009.html مجلة التأمين العراقي.

كُلف الزميل سعدون الربيعي تقديم مذكرة بالتوصيات التي عرضت في المؤتمر وقدمها لوزير المالية الذي رعى المؤتمر. لكن المذكرة لم تخضع إلى متابعة ولم يجري تداول بشأنها مع الزميل الربيعي أو جمعية شركات التأمين العراقية.

مصباح كمال، "تفعيل دور شركات التأمين في تعزيز موارد الدولة: مناقشة دعوة وزير المالية" مجلة التأمين العراقي.http://misbahkamal.blogspot.com/2009/05/6-2009.html

[4] مصباح كمال، "نزيف أقساط التأمين في العراق" مجلة التأمين العراقي.

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/02/blog-post_23.html

[5] مصباح كمال، "د. برهم صالح وإعادة رسملة وتحديث قطاع التأمين العراقي" مجلة التأمين العراقي http://misbahkamal.blogspot.com/2009/05/blog-post_20.html








2011/08/03

Ramadan & Insurance in Iraq

رمضان والتأمين



مصباح كمال

مع حلول شهر رمضان استلمت عدداً من البطاقات الإلكترونية مهنئة به وداعية له ليظلل حياتنا بكل ما هو جميل ويحقق لنا أمنيات، أو تتحقق فيه أمنيات لنا ولجميع الناس، والبعض يخص هذه الأمنيات بالمسلمين فقط، بدون تدخل الإرادة البشرية بل بالابتهال إلى الله. هي ذات العبارات وذات الصور والخطوط تتكرر سنوياً، وقليل من هذه الصور يثير الذائقة الفنية. وقد ساء أحد زملائي تشخيصي هذا، وكأنه يمس ما هو مقدس، فقرر أن يلغي اسمي من قائمته البريدية! لعلنا ننسى في الكثير من الأحيان مقولة "لكم دينكم ولي دين" التي تُقرُّ مبدأ الاختلاف والوجه المقابل لها مبدأ التسامح، وأن الاعتقاد الديني ليس حكراً لأحد أو يجب أن لا يكون محتكراً.

أثارت فيَّ بطاقات رمضان هذه المرة بعض التداعيات أحاول هنا ربطها بالتأمين وفتح باب، ربما يكون جديداً، في دراسة التداخل والتأثير بين البيئة الاجتماعية والنشاط التأميني في العراق، وهو موضوع ربما لم يلق الاهتمام. ما يعنيني تحديداً هنا التداخل والتأثير بين "أعباء" شهر رمضان وقطاع التأمين.

يرتبط شهر رمضان بالكثير من العادات والطقوس، ربما كُتب الكثير عنها في مطبوعات الأدب الشعبي والتراثي، وربما قام البعض بتوثيقها في رسائل جامعية. هناك من يحتفي برمضان لكونه يوفر فرصة لترويض النفس والبدن وامتحان الإرادة البشرية والتقرب من الله و"استغلال الموسم" للتكفير عن الذنوب والمعاصي. وهناك من يقبل بهذا الشهر على مضض لأنه لا يمتلك وسيلة للهروب منه إلا إذا كان موسراً ويتجه إلى بلاد أخرى.

البعض الآخر، من ذوي الاهتمام باقتصاديات الشهر "الفضيل" يتجه صوب الإشارة إلى الآثار الاقتصادية لرمضان من زيادة الطلب الفعّال على المواد الغذائية (تشجيع تجارة الجملة والمفرق) وزيادة استهلاكه، مروراً بإبطاء أو تعطيل الأعمال، وانتهاءً بتخفيض الإنتاجية التي هي أصلاً ضعيفة بسبب الوسائل القديمة في العمل والتنظيم وتقليل ساعات العمل وضعف الحوافز وغيرها من الآثار السلبية. إضافة هذه الآثار إلى آثار العطل الرسمية والعطل الدينية، القديمة والمستحدثة في عراق ما بعد 2003، موضوع يستحق الدراسة المستقلة وهو ما لا نستطيع القيام بها. وباختصار، وكما يرشح من الفضائيات العربية، فإن رمضان هو "موسم التسوق الأعظم" الذي يتخذا أشكالاً عديدة.

 
في العلوم الطبيعية، باستثناء علم الفلك، يجري اختبار الفرضيات في المختبر للتأكد من صحتها. مثل هذا الاختبار صعب التطبيق في العلوم الاجتماعية رغم أن المحاولات مستمرة في ميدان علم النفس، والاقتصاد، وحتى التأمين حيث تجري التجارب لقياس الموقف من الخطر مثلاً. وفي غياب التجربة المختبرية يتم اللجوء إلى الرصد والمراقبة والتأمل للتوصل إلى تفسير للظاهرة الاجتماعية.

اعتماداً على هذا التوصيف المبسط للمنهج العلمي يوفر شهر رمضان مختبراً اجتماعياً كبيراً لرصد العديد من الظواهر ذات العلاقة بالإنتاجية وبالتأمين وهو موضوع هذه الورقة.

في تقييم الخطر القابل للتأمين لأغراض اكتتابية نستخدم مصطلحي الخطر المادي والخطر المعنوي. الخطر المادي، وهو ما يعرف أيضاً بالحقيقة الجوهرية، هو كل ما يتعلق بموضوع التأمين من عوامل طبيعية وغيرها يؤثر على قرار المكتتب بقبول أو رفض طلب التأمين أو تحديد الشروط المناسبة للتأمين بما فيها سعر التأمين. والخطر المعنوي يضم صفات في شخص طالب التأمين كالإهمال أو سوء التدبير أو ضعف الشعور بالمسؤولية أو المبالغة في المطالبات التي تقترب من الغش، وهو ما قد يمكن الكشف عنه من خلال تحليل مطالبات التعويض السابقة لطالب التأمين أو من خلال الاهتمام بدقة تقرير التفاصيل في استمارة طلب التأمين. وهذا الخطر قد يكون موجوداً قبل وخلال سريان وثيقة التأمين.

الملاحظ أن هناك علاقة بين الأخطار المعنوية والأوضاع الاقتصادية ففي أوقات الكساد تزداد حدة الخطر المعنوي متمثلة بالميل في المبالغة بالمطالبات والغش مثلما تزداد حالات السرقة.

نزعم أن حدة الأخطار المادية والمعنوية تزداد في شهر رمضان في بعض فروع التأمين. هذه فرضية يمكن التحقق منها من خلال رصد المطالبات المبلغ عنها خلال هذا الشهر، وتبويبها حسب أسبابها، ونوع وثيقة التأمين، وتقدير أقيامها، وتوزيعها الجغرافي.

كيف يمكن للأخطار المادية مثلاً أن تزداد خلال هذا الشهر. قد لا يمكن للمؤمن له رد العوامل الطبيعية من فيضان وعواصف وغيرها رغم أنه يستطيع التقليل من آثارها باعتماد وسائل هندسية لاحتوائها. يمكن أن يكون زيادة الخطر بسبب قلة تركيز العاملين والعاملات، بسبب الجوع والعطش، على تشغيل المكائن والمركبات والتمهل في التطبيق السليم للتعليمات. لنتذكر أن ما يفاقم الوضع في الموسم الحالي هو حر الصيف الشديد، وخاصة في بغداد، ومحدودية توفر الكهرباء، الذي يزيد من شدة الحر بسبب استخدام المولدات، والتشديد في تطبيق الطقوس المصطنعة.

وماذا عن الأخطار المعنوية؟ بسبب الخوف من المعصية ربما تخف حالات الغش والتزوير، وهذه أيضاً فرضية يمكن التأكد من صحتها من خلال تحليل طلبات التأمين والمطالبات بالتعويض. ولكن قد تزداد الأخطار المعنوية بسبب تفاقم الإهمال غير المتعمد بتأثير الجوع والعطش والصداع واضطراب روتين النوم واليقظة وحتى التنفيس عن الضغوط من خلال التفوه بعبارات معينة.

هل تزداد حالات الوفاة والحوادث الشخصية في هذا الشهر؟ ربما، لكننا لن نتأكد منها بدون دراسة معطيات التعويض خلال هذا الشهر. وهنا أيضاً من المفيد تبويب البيانات حسب الأسباب، ونوع التأمين، وقيمة المطالبة، والتوزيع الجغرافي. وبالطبع يمكن تحليل كامل محفظة المطالبات بالتعويض في كل فروع التأمين.

يوفر شهر رمضان فرصة فريدة لتجميع المعلومات والبيانات وتحليلها والخروج بتوصيات محددة ضمن إطار إدارة الخطر - أي تحليل عناصر الخطر، وقياسه والسيطرة عليه باعتماد وسائل السلامة. وهذه الخطوات سابقة على إجراء التأمين كوسيلة لتحويل عبء الخطر على شركة التأمين (شراء وثائق التأمين المناسبة) أو تخصيص أموال لمواجهة ما يترتب على تحقق الخطر من أضرار وخسائر ومسؤوليات تجاه الغير (صندوق طوارئ) أو التحوط للمستقبل من قبل الأفراد (حسن التدبر).

قد تكون الفرضية الأساسية لهذه الورقة - وجود علاقة ما بين رمضان والتأمين - ليست صحيحة لكنها تظل قائمة لحين البحث عنها من خلال رصد مُنظم لسلوك طالبي التأمين والمؤمن عليهم. إذا كانت هذه الفرضية صحيحة من المناسب عندها أن تقوم الجمعية العراقية للتأمين بتوجيه نداء للنشر في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى لاتخاذ الاحتياطات المناسبة خلال هذا الشهر. أرجو أن لا تكون هذه الدعوة موضوعاً للاستغراب فقانون العمل العراقي ينص على تعطيل الدوام الرسمي في حال ارتفاع درجات الحرارة عن المعدل غير الطبيعي.

 
ويمكن التوسع في البحث ليشمل مستوى النشاط خلال هذا الشهر داخل شركات التأمين.

أطروحة هذه الورقة بحاجة إلى مناقشة وقد تكون صياغتي لها خاطئة من أساسها. أتمنى أن تقوم إحدى طالبات أو أحد طلاب الدراسات العليا البحث في هذه الأطروحة.



لندن 28 تموز 201


2011/06/29

Valuation for Insurance Purposes

تقييم الممتلكات لأغراض التأمين



تقديم



كتبنا هذه الورقة بناءً على طلب من إحدى شركات التأمين العربية. اعتمدنا في كتابة الورقة على مصادرنا الشخصية عن موضوع تقييم الممتلكات (الأصول أو الموجودات) الخاصة بالمنشآت النفطية والبتروكيمياوية، والاستفادة من الأدبيات التأمينية المتوفرة. ونظراً لخصوصية الموضوع فإنه بحاجة إلى توسع في شرح مختلف جوانبه من قبل خبراء التقييم. وقد اخترنا الكتابة عن الجوانب التالية للموضع:



التقييم المحاسبي للأصول وعيوبه

تقييم الأصول والتعويض

ماذا نعني بالتأمين بكامل قيمة الأصول؟

ماذا يعني الاستبدال في الوثيقة؟

كيف يتم التقييم في أوروبا؟

ملاحظة ختامية



ونهدف من وراء نشر هذه الورقة التمهيدية لإشاعة فهم أهمية التقييم من قبل شركات التأمين العاملة في العراق وكذلك المؤمن لهم من الشركات النفطية والصناعية وغيرها. ونأمل من زملاء المهنة إغناء الموضوع بملاحظاتهم وتعليقاتهم.

مصباح كمال
لندن حزيران 2011



التقييم المحاسبي للأصول وعيوبه



إن لم تتوفر لدى المؤمن له الموارد البشرية الداخلية المؤهلة للقيام بتقييم المنشآت فإنه يلجأ إلى شراء الخدمات المهنية لشركات متخصصة في تقييم الأصول. بعض من المؤمن لهم يستسهل الأمر بالاعتماد على الطاقم المحاسبي لديهم لتقييم الأصول، إلا أن النهج المحاسبي ليس بديلاً عن اعتماد أسس أخرى، أكثر صرامة، لتحديد القيمة الاستبدالية replacement value للمنشآت.



المقترب المحاسبي يستهدف التوصل إلى قيمة تقديرية. ويخضع مثل هذا التقييم لمعايير المحاسبة المقبولة والمعتمدة عموما في كل دولة، وقد يحدد القانون هذه المعايير.



القاعدة العامة في التقدير المحاسبي هي الحذر، أي الميل نحو اختيار أوطأ قيمة للموجودات. وتستخدم المعايير المحاسبية للتقييم كما يلي:



بالنسبة للموجودات المتداولة: تثمن بسعر التكلفة القياسية أو القيمة السوقية، أيهما أقل.



بالنسبة للموجودات الثابتة: تثمن بسعر التكلفة أو إعادة تثمين قيمة الموجودات، مطروحا منها الاستهلاك المتراكم، أي التثمين على أساس القيمة الاندثارية.



النهج المحاسبي مضلل كدليل لتقدير قيمة المباني والآلات والتجهيزات لأغراض التأمين. فالتقييم المحاسبي للبنود الثابتة مثل المباني والآلات والمكائن والتجهيزات والمركبات تقوم على أساس تكلفتها الشرائية مطروحاً منها نسبة عن الاندثار (الاهتهلاك) وليس على أساس القيمة الاستبدالية لهذه البنود.



هذا النهج يتجاهل على سبيل المثال:



 التضخم

 التقلب في أسعار العملات



عند تقييم الأصول المادية يجب النظر في متطلبات المؤمن له في الحاضر والمستقبل، وكذلك متطلبات التأمين على هذه الأصول لدى أطراف أخرى ذات علاقة بموضوع التأمين كالمُلاك، إذا كان المؤمن له مستأجراً، والمُقرضين. المعيار الأساسي في التقييم هو ما إذا كان المؤمن له يعتزم إعادة بناء أو إعادة الممتلكات إلى وضعها السابق بعد وقوع ضرر أو خسارة. وينبغي الالتزام بهذا المعيار لتحديد المبالغ التي يراد التأمين عليها. وعند تقدير مبالغ التأمين، ينبغي أن تؤخذ العوامل التالية بعين الاعتبار:



أ. الطبيعة العشوائية للخسارة. يمكن أن تلحق الخسارة بالأصول المؤمن عليها في أي وقت. ولأن الخسارة غير محددة زمنيا، وتخضع القيم للتغيير على مر الزمن - بالزيادة أو النقصان - على الرغم من أن الاتجاه العام هو ازدياد القيمة (المواد والأجور) مع مرور الوقت.



ب. استبدال المباني التي دمرت بفعل حادث قد ينطوي على تكاليف إضافية: إزالة الأنقاض، الرسوم الهندسية وغيرها من الرسوم المتكبدة في عملية التصليح، إعادة ربط الخدمات والمرافق مع بعضها وهلم جرا.

ت. استبدال المكائن والآلات قد تكون خاضعة للتأخير. فليست كل الأجهزة متوفرة من المخزون لدى المصنعين. وحتى إذا كانت متوفرة، فإنها قد تكون خاضعة لرخصة استيراد، وإذا تأخر الاستيراد فإن القيم قد تكون عرضة لتقلب أسعار العملات.



ج. إذا كانت خطة المؤمن له تقوم على عدم استبدال بعض البنود عندما تصل إلى نهاية عمرها الافتراضي، فإنه سيكون من الضروري إرساء أساس مختلف لتأمينها. قد لا تكون هناك حاجة للتأمين على مثل هذه البنود على أساس قيمتها الاستبدالية الكاملة، وقد يكون تأمينها على أساس قيمتها كخردة أو قيمتها الاندثارية أكثر ملائمة.



في ضوء ما سبق، فإن النهج المحاسبي للتقييم، وهو منهج يميل نحو التحوط المحافظ، ليس أساساً سليماً لتحديد قيمة الأصول المادية لأغراض التأمين. وما ينتجه هذا النهج هو القيمة الدفترية وليس القيمة الاستبدالية.



والملاحظ أن الشركات النفطية والبتروكيمياوية في الخليج تشتري خدمات شركات التقييم المتخصصة لتثبيت القيم الاستبدالية لأصولها لأغراض التأمين في حين أن اعتماد هذا النهج من قبل الشركات الصناعية والتجارية وحتى بعض الشركات النفطية في البلدان العربية الآخرى ما زال ضعيفاً.



تقييم الأصول والتعويض



فيما مضى جرت العادة بين العديد من المكتتبين على عدم إعطاء موضوع تقييم الممتلكات المعروضة للتأمين أهمية كبيرة، رغم ارتباطه بما يستحقه المؤمن له من تعويض في حالة الضرر. وتعليل هذا الموقف يقول بأن وجود شرط المعدل Average Clause (شرط النسبية) في نص وثيقة التأمين كفيل بموازنة واجبات المكتتب مع حقوق المؤمن له عند تسوية المطالبة بالتعويض، وهو تعليل يمكن القبول به إلى حد ما إذا كان الشرط منصوصا عليه في الوثيقة. إن ما قد يشوب هذا الموقف من ضعف ليس فقط عدم توفر نص الشرط في الوثيقة – إما بالحذف أو توقيف العمل به – وإنما اقتران عدم التوفير بعدم النص على شرط التأمين الناقص.



يمكن القول إذاً، من منظور اكتتابي، إن غض النظر عن التقييم ربما يُغتفر لو نصت الوثيقة على شرط المعدل أو التامين الناقص.



هناك من يؤكد أن التأمين بأقل من القيمة الاستبدالية للممتلكات يعني حرمان شركة التأمين من القسط المناسب لمواجهة الخسائر الكبيرة – ومثل هذه الخسائر ملازمة للممتلكات النفطية والبتروكيماوية. ولكن، مقابل ذلك، فان المؤمن له يُفوّت على نفسه الحصول على التعويض بالقيمة الاستبدالية.



إن تقييم الممتلكات من عدمه هو قرار إداري ومالي يعكس رؤية صاحب المشروع تجاه الخطر وهو يؤثر مباشرة على حجم الاسترداد الذي يمكن أن يحصل عليه عند الضرر. ففي غياب التقييم السنوي يُعرّض المؤمن له نفسه إلى خسارة مالية تتمثل في عدم تعويضه بالكامل عن الضرر.



إن انعدام الاهتمام، أو الاهتمام المشوه، بالتقييم ينتقص من عملية الاكتتاب في التأمين والتعويض معاً، فشركة التأمين والمؤمن له يتأثران سلباً على حد سواء من خلال التأمين الناقص: شركة التأمين تحرم نفسها من جباية قسط التأمين الذي يتناسب مع القيمة الاستبدالية للأصول في حين يحرم المؤمن له نفسه من الحصول على تعويض كافٍ عند تطبيق شركة التأمين لشرط المعدل أو شرط التأمين الناقص.



قد يحتج البعض من المؤمن لهم على أن تقييم الممتلكات لا علاقة له بتحديد مبلغ التأمين. (وهذه دعوى يلجأ إليها المؤمن له الذي يقلل من مبلغ التأمين بهدف التوفير في قسط التأمين). ربما يكون هذا صحيحا إلا أن قيمة الممتلكات وقت حصول الحادث هو ما يعّول عليها في تسوية المطالبة. إن مبلغ التأمين يمثل الحد الأقصى لمسؤولية شركة التأمين، وإذا كان جدول الوثيقة يتضمن أكثر من فقرة فان مسؤولية شركة التأمين تبقى محصورة بمبلغ تأمين كل فقرة. فالقاعدة العامة والمعهودة أن مبلغ التأمين لا يمثل اعترافا من شركة التأمين بقيمة الممتلكات المؤمن عليها، كما أنها لا تعني أن شركة التأمين ستدفع هذا المبلغ في حالة الضرر ما لم ينص صراحة خلاف ذلك (الوثائق القيمية valued policies كمثال، وهذه تثير قضايا تتعلق بالخطر المعنوي moral hazard).



لذلك فإن مبلغ التأمين ما هو إلا تحديد لمدى مسؤولية شركة التأمين وأساس لاحتساب قسط التأمين. وبما أن المؤمن له يقوم بتحديد مبلغ التأمين فانه مطالب، وهو ما أخذت شركات التأمين بالإصرار عليه، بأن يكون المبلغ مساويا لكامل قيمة الأصول المراد التأمين عليها، لا بل أن بعض الشركات تشترط إعادة التقييم سنوياً.



ماذا نعني بالتأمين بكامل قيمة الأصول؟



للجواب على هذا السؤال يتوجب علينا الرجوع إلى مبدأ التعويض (Indemnity) الذي يقضي أن يكون مبلغ التأمين مطابقاً لمعايير معينة. وعلى سبيل المثال، فإن مبلغ الـتأمين للفقرات التالية قد يكون كالأتي:



بالنسبة للمباني

كلفة إعادة البناء بنفس المواصفات مع إضافة مبلغ مناسب للفقرات التالية:



• الكلفة الإضافية للالتزام بمتطلبات الإدارات الحكومية والبلدية

• الأجور المهنية

• كلفة رفع الأنقاض



بالنسبة للمكائن

كلفة الاستبدال وقت الحادث مطروحا منها نسبة الاندثار والتحسينات على المكائن (ويُتًّبعُ في ذلك قاعدة عدم إثراء المؤمن له والاكتفاء بإعادة موجوداته المادية إلى الحالة التي كانت عليها قبل وقوع الضرر). وفي حالة المكائن المعقدة يفضل إضافة هامش لقاء الخدمات الهندسية الاستشارية.



بالنسبة للمخزون

فيما يخص مخزون المواد الأولية يكون مبلغ التأمين مساوياً لكلفة الاستبدال بضمنها كلفة النقل.



المواد قيد الصنع أو المواد المُصنَعة

فيما يخص هذه المواد يكون مبلغ التأمين مساوياً لكلفة التصنيع (ولكن دون إضافة هامش للربح ما لم يكن التصنيع بموجب عقد يُنصُّ عليه في وثيقة التأمين).



هذه بالطبع ليست إلا مقاربة أولية لموضوع التقييم لأنها تفتقر إلى العديد من التفاصيل التي تتوفر لخبير التقييم، ولكنها مؤشر مفيد لتحديد مبلغ التأمين، وبالتالي تسهيل عملية تسوية المطالبة بالتعويض.



وتبقى عملية تسوية المطالبة محكومة بنص الوثيقة. وتوفر وثيقة تأمين جميع الأخطار للممتلكات المادية All Risks Property Insurance خيار التأمين على أساس ما يعرف بالـIndemnity Basis - أي على أساس استقطاع نسبة من مبلغ التعويض لقاء الاندثار على المباني والمحتويات أو على أساس القيمة الاستبدالية Reinstatement Basis ففي حالة التعويض باعتماد نسبة الاندثار تنهض المشاكل حول تحديد هذه النسبة والمقاييس المعتمدة لها، وحتى عند الوصول إلى اتفاق نهائي بين المؤمن له وخبير التسوية يبقى المؤمن له في عجز نقدي يتمثل بالفرق بين المبلغ الذي يتسلمه من شركة التأمين كتعويض والكلفة الحقيقية لإعادة البناء وتجهيز المعدات والمكائن. وبغية تجنب مثل هذا العجز النقدي يستطيع المؤمن له التأمين ابتداء على أساس القيمة الاستبدالية للممتلكات (الجديد مقابل العتيق) بهدف تعويضه عن كامل كلفة إعادة البناء والتجهيز بالمكائن والمعدات ما خلا التحسينات.



ماذا يعني الاستبدال في الوثيقة؟



إن صياغة نص فقرة الاستبدال في الوثيقة تفصح عن الآليات التي تتحكم به. ويرد النص في وثيقة تأمين جميع الأخطار للممتلكات المادية بالصيغة التالية:



يعني الاستبدال

(أ‌) إعادة بناء أو استبدال الممتلكات المدمرة، شريطة عدم تجاوز المسؤولية القصوى لشركة التأمين، بالشكل الذي يرتأيه المؤمن له وفي موقع آخر.

(ب‌) تصليح أو استعادة الممتلكات المتضررة إلى الوضع الذي كانت عليها هذه الممتلكات بدون أية تحسينات أو توسيعات.



وبمقتضى هذه الصيغة، وعندما تكون قيمة الممتلكات المؤمنة مساوية للقيمة الاستبدالية لا تستقطع شركة التأمين نسبة عن الاندثار. ولكن هناك في الصياغة اشتراطات إضافية منها: إعادة البناء أو الاستبدال دون تأخير وخلال مدة معقولة. ولا يعوض المؤمن له ما لم تتم عملية الاستبدال. وخلاف ذلك يتحدد حق المؤمن له بالتعويض بقيمة الأصول مطروحا منها نسبة الاندثار.



عند التأمين بالقيمة الاستبدالية يترتب على المؤمن له تسديد قسط التأمين المحتسب على أساس هذه القيمة. وقد يلجأ المؤمن له - ولاعتبارات عديدة منها التخفيض من حجم قسط التأمين أو انتشار ممتلكاته في مواقع منفصلة – إلى التأمين على أساس ما يسمى بالخسارة الأولى (First Loss Insurance) ويقتضي ذلك تعديل صياغة شرط الضمان في الوثيقة.



كيف يتم التقييم في أوروبا؟



تاريخياً كانت الشركات تعتمد على كلفة بناء المنشأة كمقياس لتحديد مبالغ التأمين ونظراً لعيوب هذه الطريقة فقد غضت الشركات النظر عنها. ثم لجأ البعض منها للفهارس التي تصدرها جهات متخصصة، وهي تعتمد على تجزئة القيمة بين قيمة المواد وأجور العمل. وهذه أيضاً تنطوي على عيوب كونها لا تستطيع مجاراة التغير في الأسعار والأجور. وبالطبع فإن القيمة الدفترية (المحاسبية) ليست مناسبة ولا يعتد بها كمقياس لتحديد مبالغ التأمين، كما ذكرنا. فمنشأة نفطية عمرها يزيد عن عشرين سنة تكون قيمتها الدفترية صفراً.



الشركات النفطية والبتروكيماوية في أوروبا وفي الغرب عموماً تنيب إدارة الخطر والتأمين إلى مدير متفرغ، قد يكون عضواً في مجلس الإدارة، وبعض الشركات الصغيرة والشركات الصناعية والتجارية تستفيد من إدارات أخرى، مالية أو هندسية، داخلها للتعاطي بموضوع التأمين وما يتعلق به من خدمات. إحدى مَهمات مدير الخطر والتأمين هو العمل على توفير قائمة مستقلة للأصول. جَرْد الأصول ليس صعباً فهو مما يمكن لقسم المحاسبة، مثلاً، القيام به. تكمن الصعوبة في تقييم هذه الأصول لأغراض التأمين. ولكون الطرق الأخرى للتقييم ليست دقيقة لأغراض ضمان استيفاء القسط المناسب والاسترداد الكامل لقيمة الخسارة، ولأن عملية التقييم بحاجة إلى مهارات فنية ومعرفية ليست متوفرة لدى مدير الخطر أو مؤسسته فإنه يلجأ إلى شركات تقييم متخصصة للقيام بهذه المهمة.



هذا الاهتمام بالتقييم يقع في صلب عملية إدارة الخطر، كما أن التقييم بحد ذاته يوفر منافع عديدة ومنها:



تشخيص المناطق التي تتركز فيها القيم العالية لتقدير مشاهد الخسارة القصوى maximum loss scenarios. وكما هو معروف في التأمين على الأخطار الكبيرة فإن تقدير الخسارة القصوى المحتملة probable maximum loss or estimated maximum loss عنصر أساسي في تحديد أسعار وشروط التأمين.



يوفر التقييم المهني جدولاً مستقلاً للأصول يستفاد منه في تحديد مبلغ/مبالغ التأمين وفي توثيق قيمة الخسائر عند وقوعها اعتماداً عليه.



يوفر للمؤمن له أرضية قانونية قوية في تأكيد صحة وجود الأصول المادية وفي المطالبة بالتعويض عنها عند تعرضها لخسارة أو ضرر.



يزيل احتمال قيام تضارب في تقدير القيمة التأمينية وقت إجراء التأمين أو عند قيام مطالبة بالتعويض. وبالتالي يساهم في تسريع تسوية المطالبة ويقلل من توقف العمل الإنتاجي واضطراب السيولة النقدية للمؤمن له وخاصة في حالة الخسائر الكبيرة.



يحمي المؤمن له ضد خطر التأمين الناقص under-insurance أو التأمين الزائد over-insurance.



يستفاد من جداول التقييم في أغراض أخرى غير التأمين.



كمحاولة أولية للتوصل إلى القيمة الاستبدالية التقريبية يمكن لبعض المهندسين وغيرهم حساب مثل هذه القيمة بالاعتماد على إنتاجية المنشأة – كمية أو حجم النفط الخادم الذي يخضع للتكرير خلال فترة زمنية معينة valuation based on throughput. ولا يمكن الاعتداد بهذا التقييم لكنه، كمقاربة أولية، يمكن أن يوفر لمكتتب التأمين فكرة مناسبة لتقدير أبعاد محل التأمين.



وفي ذات النهج هناك ما يعرف بالتقييم المكتبي desktop valuation وهو أيضاً تقريبي ويُلجأ إليه، لأغراض التجديد السنوي للبوليصة (وثيقة التأمين)، في الحالات التي يكون فيها المؤمن له قد قام بتقييم مهني من قبل خبير اعتماداً على مسح ميداني. في هذه الحالة يستطيع خبير التقييم مراجعة القيمة بعد الحصول على البيانات الخاصة بإضافة أو إلغاء بنود معينة.



إحدى الدول النفطية العربية استخدمت شركة تقييم بريطانية لإعداد جرد كامل للأصول المادية القابلة للتأمين، استغرق العمل به عدة شهور بضمنها زيارات ميدانية لمواقع المنشآت ودراسة مخططات الإنشاء والإضافات وهلم جرا، وتوزعت نتائج التقييم على ما يزيد عن عشرين "كتاباً". واستخدمت خلاصة هذه الأجزاء في تحديد مبالغ التأمين. وكان الاتفاق بين الطرفين قيام شركة التقييم بمراجعة قيمة الأصول سنوياً. مثل هذا التقييم يرتبط بإصدار شهادة من قبل شركة التقييم عن صحة التقييم.



ملاحظة ختامية



ليس هناك بديل حقيقي عن التقييم المهني من قبل شركة مختصة. مثل هذا التقييم يريح ويطمئن أكثر من طرف: المؤمن له، شركة التأمين، مسوي الخسارة.

مصباح كمال

لندن 19 تشرين الأول 2009