إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/06/29

Valuation for Insurance Purposes

تقييم الممتلكات لأغراض التأمين



تقديم



كتبنا هذه الورقة بناءً على طلب من إحدى شركات التأمين العربية. اعتمدنا في كتابة الورقة على مصادرنا الشخصية عن موضوع تقييم الممتلكات (الأصول أو الموجودات) الخاصة بالمنشآت النفطية والبتروكيمياوية، والاستفادة من الأدبيات التأمينية المتوفرة. ونظراً لخصوصية الموضوع فإنه بحاجة إلى توسع في شرح مختلف جوانبه من قبل خبراء التقييم. وقد اخترنا الكتابة عن الجوانب التالية للموضع:



التقييم المحاسبي للأصول وعيوبه

تقييم الأصول والتعويض

ماذا نعني بالتأمين بكامل قيمة الأصول؟

ماذا يعني الاستبدال في الوثيقة؟

كيف يتم التقييم في أوروبا؟

ملاحظة ختامية



ونهدف من وراء نشر هذه الورقة التمهيدية لإشاعة فهم أهمية التقييم من قبل شركات التأمين العاملة في العراق وكذلك المؤمن لهم من الشركات النفطية والصناعية وغيرها. ونأمل من زملاء المهنة إغناء الموضوع بملاحظاتهم وتعليقاتهم.

مصباح كمال
لندن حزيران 2011



التقييم المحاسبي للأصول وعيوبه



إن لم تتوفر لدى المؤمن له الموارد البشرية الداخلية المؤهلة للقيام بتقييم المنشآت فإنه يلجأ إلى شراء الخدمات المهنية لشركات متخصصة في تقييم الأصول. بعض من المؤمن لهم يستسهل الأمر بالاعتماد على الطاقم المحاسبي لديهم لتقييم الأصول، إلا أن النهج المحاسبي ليس بديلاً عن اعتماد أسس أخرى، أكثر صرامة، لتحديد القيمة الاستبدالية replacement value للمنشآت.



المقترب المحاسبي يستهدف التوصل إلى قيمة تقديرية. ويخضع مثل هذا التقييم لمعايير المحاسبة المقبولة والمعتمدة عموما في كل دولة، وقد يحدد القانون هذه المعايير.



القاعدة العامة في التقدير المحاسبي هي الحذر، أي الميل نحو اختيار أوطأ قيمة للموجودات. وتستخدم المعايير المحاسبية للتقييم كما يلي:



بالنسبة للموجودات المتداولة: تثمن بسعر التكلفة القياسية أو القيمة السوقية، أيهما أقل.



بالنسبة للموجودات الثابتة: تثمن بسعر التكلفة أو إعادة تثمين قيمة الموجودات، مطروحا منها الاستهلاك المتراكم، أي التثمين على أساس القيمة الاندثارية.



النهج المحاسبي مضلل كدليل لتقدير قيمة المباني والآلات والتجهيزات لأغراض التأمين. فالتقييم المحاسبي للبنود الثابتة مثل المباني والآلات والمكائن والتجهيزات والمركبات تقوم على أساس تكلفتها الشرائية مطروحاً منها نسبة عن الاندثار (الاهتهلاك) وليس على أساس القيمة الاستبدالية لهذه البنود.



هذا النهج يتجاهل على سبيل المثال:



 التضخم

 التقلب في أسعار العملات



عند تقييم الأصول المادية يجب النظر في متطلبات المؤمن له في الحاضر والمستقبل، وكذلك متطلبات التأمين على هذه الأصول لدى أطراف أخرى ذات علاقة بموضوع التأمين كالمُلاك، إذا كان المؤمن له مستأجراً، والمُقرضين. المعيار الأساسي في التقييم هو ما إذا كان المؤمن له يعتزم إعادة بناء أو إعادة الممتلكات إلى وضعها السابق بعد وقوع ضرر أو خسارة. وينبغي الالتزام بهذا المعيار لتحديد المبالغ التي يراد التأمين عليها. وعند تقدير مبالغ التأمين، ينبغي أن تؤخذ العوامل التالية بعين الاعتبار:



أ. الطبيعة العشوائية للخسارة. يمكن أن تلحق الخسارة بالأصول المؤمن عليها في أي وقت. ولأن الخسارة غير محددة زمنيا، وتخضع القيم للتغيير على مر الزمن - بالزيادة أو النقصان - على الرغم من أن الاتجاه العام هو ازدياد القيمة (المواد والأجور) مع مرور الوقت.



ب. استبدال المباني التي دمرت بفعل حادث قد ينطوي على تكاليف إضافية: إزالة الأنقاض، الرسوم الهندسية وغيرها من الرسوم المتكبدة في عملية التصليح، إعادة ربط الخدمات والمرافق مع بعضها وهلم جرا.

ت. استبدال المكائن والآلات قد تكون خاضعة للتأخير. فليست كل الأجهزة متوفرة من المخزون لدى المصنعين. وحتى إذا كانت متوفرة، فإنها قد تكون خاضعة لرخصة استيراد، وإذا تأخر الاستيراد فإن القيم قد تكون عرضة لتقلب أسعار العملات.



ج. إذا كانت خطة المؤمن له تقوم على عدم استبدال بعض البنود عندما تصل إلى نهاية عمرها الافتراضي، فإنه سيكون من الضروري إرساء أساس مختلف لتأمينها. قد لا تكون هناك حاجة للتأمين على مثل هذه البنود على أساس قيمتها الاستبدالية الكاملة، وقد يكون تأمينها على أساس قيمتها كخردة أو قيمتها الاندثارية أكثر ملائمة.



في ضوء ما سبق، فإن النهج المحاسبي للتقييم، وهو منهج يميل نحو التحوط المحافظ، ليس أساساً سليماً لتحديد قيمة الأصول المادية لأغراض التأمين. وما ينتجه هذا النهج هو القيمة الدفترية وليس القيمة الاستبدالية.



والملاحظ أن الشركات النفطية والبتروكيمياوية في الخليج تشتري خدمات شركات التقييم المتخصصة لتثبيت القيم الاستبدالية لأصولها لأغراض التأمين في حين أن اعتماد هذا النهج من قبل الشركات الصناعية والتجارية وحتى بعض الشركات النفطية في البلدان العربية الآخرى ما زال ضعيفاً.



تقييم الأصول والتعويض



فيما مضى جرت العادة بين العديد من المكتتبين على عدم إعطاء موضوع تقييم الممتلكات المعروضة للتأمين أهمية كبيرة، رغم ارتباطه بما يستحقه المؤمن له من تعويض في حالة الضرر. وتعليل هذا الموقف يقول بأن وجود شرط المعدل Average Clause (شرط النسبية) في نص وثيقة التأمين كفيل بموازنة واجبات المكتتب مع حقوق المؤمن له عند تسوية المطالبة بالتعويض، وهو تعليل يمكن القبول به إلى حد ما إذا كان الشرط منصوصا عليه في الوثيقة. إن ما قد يشوب هذا الموقف من ضعف ليس فقط عدم توفر نص الشرط في الوثيقة – إما بالحذف أو توقيف العمل به – وإنما اقتران عدم التوفير بعدم النص على شرط التأمين الناقص.



يمكن القول إذاً، من منظور اكتتابي، إن غض النظر عن التقييم ربما يُغتفر لو نصت الوثيقة على شرط المعدل أو التامين الناقص.



هناك من يؤكد أن التأمين بأقل من القيمة الاستبدالية للممتلكات يعني حرمان شركة التأمين من القسط المناسب لمواجهة الخسائر الكبيرة – ومثل هذه الخسائر ملازمة للممتلكات النفطية والبتروكيماوية. ولكن، مقابل ذلك، فان المؤمن له يُفوّت على نفسه الحصول على التعويض بالقيمة الاستبدالية.



إن تقييم الممتلكات من عدمه هو قرار إداري ومالي يعكس رؤية صاحب المشروع تجاه الخطر وهو يؤثر مباشرة على حجم الاسترداد الذي يمكن أن يحصل عليه عند الضرر. ففي غياب التقييم السنوي يُعرّض المؤمن له نفسه إلى خسارة مالية تتمثل في عدم تعويضه بالكامل عن الضرر.



إن انعدام الاهتمام، أو الاهتمام المشوه، بالتقييم ينتقص من عملية الاكتتاب في التأمين والتعويض معاً، فشركة التأمين والمؤمن له يتأثران سلباً على حد سواء من خلال التأمين الناقص: شركة التأمين تحرم نفسها من جباية قسط التأمين الذي يتناسب مع القيمة الاستبدالية للأصول في حين يحرم المؤمن له نفسه من الحصول على تعويض كافٍ عند تطبيق شركة التأمين لشرط المعدل أو شرط التأمين الناقص.



قد يحتج البعض من المؤمن لهم على أن تقييم الممتلكات لا علاقة له بتحديد مبلغ التأمين. (وهذه دعوى يلجأ إليها المؤمن له الذي يقلل من مبلغ التأمين بهدف التوفير في قسط التأمين). ربما يكون هذا صحيحا إلا أن قيمة الممتلكات وقت حصول الحادث هو ما يعّول عليها في تسوية المطالبة. إن مبلغ التأمين يمثل الحد الأقصى لمسؤولية شركة التأمين، وإذا كان جدول الوثيقة يتضمن أكثر من فقرة فان مسؤولية شركة التأمين تبقى محصورة بمبلغ تأمين كل فقرة. فالقاعدة العامة والمعهودة أن مبلغ التأمين لا يمثل اعترافا من شركة التأمين بقيمة الممتلكات المؤمن عليها، كما أنها لا تعني أن شركة التأمين ستدفع هذا المبلغ في حالة الضرر ما لم ينص صراحة خلاف ذلك (الوثائق القيمية valued policies كمثال، وهذه تثير قضايا تتعلق بالخطر المعنوي moral hazard).



لذلك فإن مبلغ التأمين ما هو إلا تحديد لمدى مسؤولية شركة التأمين وأساس لاحتساب قسط التأمين. وبما أن المؤمن له يقوم بتحديد مبلغ التأمين فانه مطالب، وهو ما أخذت شركات التأمين بالإصرار عليه، بأن يكون المبلغ مساويا لكامل قيمة الأصول المراد التأمين عليها، لا بل أن بعض الشركات تشترط إعادة التقييم سنوياً.



ماذا نعني بالتأمين بكامل قيمة الأصول؟



للجواب على هذا السؤال يتوجب علينا الرجوع إلى مبدأ التعويض (Indemnity) الذي يقضي أن يكون مبلغ التأمين مطابقاً لمعايير معينة. وعلى سبيل المثال، فإن مبلغ الـتأمين للفقرات التالية قد يكون كالأتي:



بالنسبة للمباني

كلفة إعادة البناء بنفس المواصفات مع إضافة مبلغ مناسب للفقرات التالية:



• الكلفة الإضافية للالتزام بمتطلبات الإدارات الحكومية والبلدية

• الأجور المهنية

• كلفة رفع الأنقاض



بالنسبة للمكائن

كلفة الاستبدال وقت الحادث مطروحا منها نسبة الاندثار والتحسينات على المكائن (ويُتًّبعُ في ذلك قاعدة عدم إثراء المؤمن له والاكتفاء بإعادة موجوداته المادية إلى الحالة التي كانت عليها قبل وقوع الضرر). وفي حالة المكائن المعقدة يفضل إضافة هامش لقاء الخدمات الهندسية الاستشارية.



بالنسبة للمخزون

فيما يخص مخزون المواد الأولية يكون مبلغ التأمين مساوياً لكلفة الاستبدال بضمنها كلفة النقل.



المواد قيد الصنع أو المواد المُصنَعة

فيما يخص هذه المواد يكون مبلغ التأمين مساوياً لكلفة التصنيع (ولكن دون إضافة هامش للربح ما لم يكن التصنيع بموجب عقد يُنصُّ عليه في وثيقة التأمين).



هذه بالطبع ليست إلا مقاربة أولية لموضوع التقييم لأنها تفتقر إلى العديد من التفاصيل التي تتوفر لخبير التقييم، ولكنها مؤشر مفيد لتحديد مبلغ التأمين، وبالتالي تسهيل عملية تسوية المطالبة بالتعويض.



وتبقى عملية تسوية المطالبة محكومة بنص الوثيقة. وتوفر وثيقة تأمين جميع الأخطار للممتلكات المادية All Risks Property Insurance خيار التأمين على أساس ما يعرف بالـIndemnity Basis - أي على أساس استقطاع نسبة من مبلغ التعويض لقاء الاندثار على المباني والمحتويات أو على أساس القيمة الاستبدالية Reinstatement Basis ففي حالة التعويض باعتماد نسبة الاندثار تنهض المشاكل حول تحديد هذه النسبة والمقاييس المعتمدة لها، وحتى عند الوصول إلى اتفاق نهائي بين المؤمن له وخبير التسوية يبقى المؤمن له في عجز نقدي يتمثل بالفرق بين المبلغ الذي يتسلمه من شركة التأمين كتعويض والكلفة الحقيقية لإعادة البناء وتجهيز المعدات والمكائن. وبغية تجنب مثل هذا العجز النقدي يستطيع المؤمن له التأمين ابتداء على أساس القيمة الاستبدالية للممتلكات (الجديد مقابل العتيق) بهدف تعويضه عن كامل كلفة إعادة البناء والتجهيز بالمكائن والمعدات ما خلا التحسينات.



ماذا يعني الاستبدال في الوثيقة؟



إن صياغة نص فقرة الاستبدال في الوثيقة تفصح عن الآليات التي تتحكم به. ويرد النص في وثيقة تأمين جميع الأخطار للممتلكات المادية بالصيغة التالية:



يعني الاستبدال

(أ‌) إعادة بناء أو استبدال الممتلكات المدمرة، شريطة عدم تجاوز المسؤولية القصوى لشركة التأمين، بالشكل الذي يرتأيه المؤمن له وفي موقع آخر.

(ب‌) تصليح أو استعادة الممتلكات المتضررة إلى الوضع الذي كانت عليها هذه الممتلكات بدون أية تحسينات أو توسيعات.



وبمقتضى هذه الصيغة، وعندما تكون قيمة الممتلكات المؤمنة مساوية للقيمة الاستبدالية لا تستقطع شركة التأمين نسبة عن الاندثار. ولكن هناك في الصياغة اشتراطات إضافية منها: إعادة البناء أو الاستبدال دون تأخير وخلال مدة معقولة. ولا يعوض المؤمن له ما لم تتم عملية الاستبدال. وخلاف ذلك يتحدد حق المؤمن له بالتعويض بقيمة الأصول مطروحا منها نسبة الاندثار.



عند التأمين بالقيمة الاستبدالية يترتب على المؤمن له تسديد قسط التأمين المحتسب على أساس هذه القيمة. وقد يلجأ المؤمن له - ولاعتبارات عديدة منها التخفيض من حجم قسط التأمين أو انتشار ممتلكاته في مواقع منفصلة – إلى التأمين على أساس ما يسمى بالخسارة الأولى (First Loss Insurance) ويقتضي ذلك تعديل صياغة شرط الضمان في الوثيقة.



كيف يتم التقييم في أوروبا؟



تاريخياً كانت الشركات تعتمد على كلفة بناء المنشأة كمقياس لتحديد مبالغ التأمين ونظراً لعيوب هذه الطريقة فقد غضت الشركات النظر عنها. ثم لجأ البعض منها للفهارس التي تصدرها جهات متخصصة، وهي تعتمد على تجزئة القيمة بين قيمة المواد وأجور العمل. وهذه أيضاً تنطوي على عيوب كونها لا تستطيع مجاراة التغير في الأسعار والأجور. وبالطبع فإن القيمة الدفترية (المحاسبية) ليست مناسبة ولا يعتد بها كمقياس لتحديد مبالغ التأمين، كما ذكرنا. فمنشأة نفطية عمرها يزيد عن عشرين سنة تكون قيمتها الدفترية صفراً.



الشركات النفطية والبتروكيماوية في أوروبا وفي الغرب عموماً تنيب إدارة الخطر والتأمين إلى مدير متفرغ، قد يكون عضواً في مجلس الإدارة، وبعض الشركات الصغيرة والشركات الصناعية والتجارية تستفيد من إدارات أخرى، مالية أو هندسية، داخلها للتعاطي بموضوع التأمين وما يتعلق به من خدمات. إحدى مَهمات مدير الخطر والتأمين هو العمل على توفير قائمة مستقلة للأصول. جَرْد الأصول ليس صعباً فهو مما يمكن لقسم المحاسبة، مثلاً، القيام به. تكمن الصعوبة في تقييم هذه الأصول لأغراض التأمين. ولكون الطرق الأخرى للتقييم ليست دقيقة لأغراض ضمان استيفاء القسط المناسب والاسترداد الكامل لقيمة الخسارة، ولأن عملية التقييم بحاجة إلى مهارات فنية ومعرفية ليست متوفرة لدى مدير الخطر أو مؤسسته فإنه يلجأ إلى شركات تقييم متخصصة للقيام بهذه المهمة.



هذا الاهتمام بالتقييم يقع في صلب عملية إدارة الخطر، كما أن التقييم بحد ذاته يوفر منافع عديدة ومنها:



تشخيص المناطق التي تتركز فيها القيم العالية لتقدير مشاهد الخسارة القصوى maximum loss scenarios. وكما هو معروف في التأمين على الأخطار الكبيرة فإن تقدير الخسارة القصوى المحتملة probable maximum loss or estimated maximum loss عنصر أساسي في تحديد أسعار وشروط التأمين.



يوفر التقييم المهني جدولاً مستقلاً للأصول يستفاد منه في تحديد مبلغ/مبالغ التأمين وفي توثيق قيمة الخسائر عند وقوعها اعتماداً عليه.



يوفر للمؤمن له أرضية قانونية قوية في تأكيد صحة وجود الأصول المادية وفي المطالبة بالتعويض عنها عند تعرضها لخسارة أو ضرر.



يزيل احتمال قيام تضارب في تقدير القيمة التأمينية وقت إجراء التأمين أو عند قيام مطالبة بالتعويض. وبالتالي يساهم في تسريع تسوية المطالبة ويقلل من توقف العمل الإنتاجي واضطراب السيولة النقدية للمؤمن له وخاصة في حالة الخسائر الكبيرة.



يحمي المؤمن له ضد خطر التأمين الناقص under-insurance أو التأمين الزائد over-insurance.



يستفاد من جداول التقييم في أغراض أخرى غير التأمين.



كمحاولة أولية للتوصل إلى القيمة الاستبدالية التقريبية يمكن لبعض المهندسين وغيرهم حساب مثل هذه القيمة بالاعتماد على إنتاجية المنشأة – كمية أو حجم النفط الخادم الذي يخضع للتكرير خلال فترة زمنية معينة valuation based on throughput. ولا يمكن الاعتداد بهذا التقييم لكنه، كمقاربة أولية، يمكن أن يوفر لمكتتب التأمين فكرة مناسبة لتقدير أبعاد محل التأمين.



وفي ذات النهج هناك ما يعرف بالتقييم المكتبي desktop valuation وهو أيضاً تقريبي ويُلجأ إليه، لأغراض التجديد السنوي للبوليصة (وثيقة التأمين)، في الحالات التي يكون فيها المؤمن له قد قام بتقييم مهني من قبل خبير اعتماداً على مسح ميداني. في هذه الحالة يستطيع خبير التقييم مراجعة القيمة بعد الحصول على البيانات الخاصة بإضافة أو إلغاء بنود معينة.



إحدى الدول النفطية العربية استخدمت شركة تقييم بريطانية لإعداد جرد كامل للأصول المادية القابلة للتأمين، استغرق العمل به عدة شهور بضمنها زيارات ميدانية لمواقع المنشآت ودراسة مخططات الإنشاء والإضافات وهلم جرا، وتوزعت نتائج التقييم على ما يزيد عن عشرين "كتاباً". واستخدمت خلاصة هذه الأجزاء في تحديد مبالغ التأمين. وكان الاتفاق بين الطرفين قيام شركة التقييم بمراجعة قيمة الأصول سنوياً. مثل هذا التقييم يرتبط بإصدار شهادة من قبل شركة التقييم عن صحة التقييم.



ملاحظة ختامية



ليس هناك بديل حقيقي عن التقييم المهني من قبل شركة مختصة. مثل هذا التقييم يريح ويطمئن أكثر من طرف: المؤمن له، شركة التأمين، مسوي الخسارة.

مصباح كمال

لندن 19 تشرين الأول 2009

2011/06/01

On Remembering Marwan Hashim al-Kassab

في استذكار مروان هاشم القصاب




فؤاد شمقار


قام زميلنا مصباح كمال بتجميع أوراق وتعليقات المرحوم مروان هاشم المنشورة في مجلة التأمين العراقي في كتاب إلكتروني (PDF) بعنوان مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق (أيار 2011). وذكر في كلمات التقديم بأن الذين يفكرون ويكتبون عن الشأن التأميني وتعقيداته هم القلّة. ولكن، ومع الأسف، فإن من يقرأون ما يكتب بهذا الشأن هم الأكثر قلّة وإلا أين هي التعليقات على تلك الكتابات أو المساهمات في النقد والمشاركة في إبداء الرأي مؤيداً أو منتقداً؟ وأقولها صراحة قد أكون أنا شخصياً واحداً من هؤلاء. ولا أجد حرجاً حينما أقول بأني ومع شديد الأسف لم أطلع في حينه على جميع ما كتبه زميلنا المرحوم مروان هاشم رحمه الله في التأمين وإعادة التأمين ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم معرفتي باستخدام الحاسوب. ولعل تجديد تعارفنا الإلكتروني مع زملائي كان السبب في قراءة بعض المدونات في مجلة التأمين العراقي ومرصد التأمين العراقي.


لقد كان زميلنا مصباح وفياً وصادقاً مع زميلٍ رحلَ عنا كان همّه الأول خدمة قطاع التأمين بإخلاص من منطلق المحافظة على شرف المهنة وحبها. وأنا من جانبي أقدر وأكبر تقدير مصباح لمساهماته واحترامه لذكراه من خلال تجميع أوراقه وتعليقاته. فبارك الله له وجهده في احترام وتقدير جهد الآخرين. وما أتمناه هو أن يهتدي الغير بمصباح في أسلوب التعامل مع مثل هذه المواضع وأن يكون مُقدراً للمواقف خدمه لصالح قطاع التأمين في العراق.


إن الأيام تمر بنا ونحن نمر بها كالسحاب، ونمر أحياناً ببعض الأشخاص فنلقي عليهم تحيات المجاملة المعتادة، ولكن لا نقترب منهم لمسافة تجعلنا نعرفهم حق المعرفة. وتبقى معرفتنا بهم لذلك سطحيه، وتبقى لهم في أذهاننا صوراً نكونها من خلال معرفتنا البسيطة. وفجأة تأتي يد المنون لتخطف أحداً منهم لنكتشف أبعاداً في للإنسان الراحل لم تكن تخطر على بالنا. لقد كانت معرفتي وعلاقتي بالمرحوم مروان معرفه وعلاقة صداقه عمل في مؤسسه واحده، ولم أتعرف عليه كما تعرفت الآن بعدما انبرى صديق من بين الأصدقاء، الذي صداقته مع مروان لم تكن أكثر من صداقة مهنه سماها "صداقة إلكترونية" إذ أنه لم يلتقي به أبداً، لتسليط الضوء على الحقائق، والتعريف بما خفي وعلم، وذلك بإعطاء من اختطفه الموت بيننا حقه في بيان سيرته التي كنا نجهل قسماً كبيراً منها. هذا ما حصل مع المرحوم مروان حيث عرفته لسنوات خلت قبل تركه الوظيفة في شركة التأمين الوطنية وبقاءه لمدة ليست بالقليلة خارج الوظيفة، ومن ثم بعد أن عاد مجدداً إلى الخدمة في الشركة وفي نفس القسم الذي كان يعمل فيه، وهو قسم إعادة التأمين، والذي لم يحصل فيه على موقعه الحقيقي كما كان يجب.


إن قيام زميلنا مصباح بنشر ما كتبه السيد مروان من مقالات، تلك التي ضمنها أفكاره وبعضاً من علمه وخبرته، وأقول علمه بدون تردد، تتضمن أول ما تتضمن ملكة الكتابة، وهي صادره عن رجل صاحب فكر وعلم وخبره تراكمت على مر الأيام. وهو واع ومدرك لكل كلمه يكتبها ويقولها بكل جراءة وصراحة ووعي وكأنه أكاديمي متمرس، غيور على المصلحة العامة، ومهتم بقطاعٍ يعد واحداً من القطاعات الاقتصادية المهمة في الوطن.


إذ كنا نتفق معه في أغلب ما كتبه ونختلف معه في القليل منه، لكننا لا يسعنا إلا أن نفهم دافع الوطنية الصادقة لكل ما كتب. وإزاء هذا الحال لا يمكننا إلا أن نقول بأننا حقاً خسرنا شخصاً واعياً وحصيفاً، كنا نتمنى أن نعرفه عن قرب. كان، لو ظلَّ بيننا، سيثري هذه المواضيع بحثاً ودراسة لو لم تمتد يد المنون إليه. رحم الله مروان وأسكنه فسيح جناته وعزاؤنا لذويه ولأصدقائه ولكل معارفه.


كنت أتمنى أن يكرم مروان وأمثاله حال حياتهم، ولكن يظهر بأنه يجب أن تخطفنا يد المنون قبل أن يعرفنا الآخرين، والله أعلم هل سيعرفوننا كما كان ينبغي؟ وهل نكرم أم لا؟ أسئلة يبقى الجواب عليها للأيام التي تمر بنا كالسحاب.


لعله من الوفاء بمكان ليس للمرحوم مروان ولكن لكل ما يمثله من التواضع العلمي وحب المعرفة ومنهجيه البحث، أن نتابع بتمحيص وبحث كل ما يتعلق بالشأن التأميني، لندفع به إلى الأمام، وتطويره نحو الأفضل، وأن لا يدعي أحداً منا، كما لم يدعي مروان نفسه، بأنه يملك كل خيوط المعرفة، فالعمل التأميني ليس فردياً بل عمل فريق متجانس منسجم واع، يعزف كل منا اللحن السليم الذي لا يشذ عن مجمل المقطوعة لتستكمل السيمفونية الرائعة من خلال التفاهم والتناغم والأداء المتميز. كل منا يقوم بواجبه، ويدلي بدلوه، ورائدنا جميعاً خدمة مصالح المؤمن لهم والمهنة والقطاع والوطن.


وأخيراً لا يسعني إلا أن أقدم شكري الجزيل وامتناني الكبير إلى الأخ العزيز مصباح والذي بات يتحفنا باستمرار باهتماماته بقطاع التأمين والعاملين فيه، وبكل من مروا على الدرب الطويل كما تمر بنا الأيام. جزاه الله عنا كل الخير، وله كل الحب والتقدير والاحترام. ومن جانبي أنا، وبغية عدم تناثر الأوراق التي كتبها المرحوم مروان هاشم القصاب بين ثنايا النسيان وتبعثرها هنا وهناك فقد قمت بتجليد أربعة نسخ من كتابه مقالات في التأمين وإعادة التأمين في العراق وأودعتها في مكتبة الشركة لتبقى مرجعاً للأجيال القادمة.


مع اعتزازنا بمصباح وبكل من يعمل من أجل رفعة مكانة التأمين في وعينا وفي حياتنا.


هه ولير 28/5/2011




2011/05/10

The Constitution, Insurance Law, Federal & Regional Regulation

دستور جمهورية العراق وقانون تنظيم أعمال التأمين ورغبة سلطات إقليم كوردستان في تنظيم القطاع والإشراف عليه


فؤاد شمقار


التعريف بقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005

"بهدف تنظيم قطاع التأمين والإشراف عليه بما يكفل تطويره وتأمين سوق مفتوح وشفاف وآمن مالياً وتعزيز دور صناعة التأمين في ضمان الأشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني" (الأسباب الموجبة لتشريع القانون) فقد شرع الأمر رقم (10) لسنة 2005" قانون تنظيم أعمال التأمين." ونشر هذا القانون في الجريدة الرسمية "الوقائع العراقية" العدد 3995 في 3/3/2005 وعد نافذاً بعد مضي (90) تسعين يوماً من تأريخ نشره، ذلك بعد ما وجد بأن هنالك ضرورة لوجود مثل هذا القانون بعدما أجاز قانون الشركات رقم 21 لسنة 1997 وقرار مجلس قيادة الثورة"المنحل" رقم 192 في 3/12/1997 تأسيس شركات تأمين وإعادة التأمين خاصة إذ تأسس عدد من الشركات الخاصة. واليوم فإن هنالك أكثر من خمسه وعشرون شركة موزعه في إقليم كوردستان والعاصمة وباقي محافظات العراق.

نصت المادة (1) من القانون على أن أحكامه يسري على شركات التأمين وإعادة التأمين سواء كانت شركات عامه أو خاصة، عراقيه أم أجنبيه، التي تزاول في العراق كل أو بعض أعمال التأمين أو أعمال إعادة التأمين المنصوص عليها في القانون، وكذلك سريانه على وكلاء ووسطاء التأمين الذين يزاولون تلك الأعمال في العراق. وبهذا أصبح سريان أحكام القانون شاملاً للرقعة الجغرافية لجمهورية العراق بكاملها كما أن الفقرة "أولاً" من أحكام المادة (5) من القانون قد نصّتْ على تأسيس ديوان يسمى "ديوان التأمين" يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وله تملُّك الأموال المنقولة وغير المنقولة اللازمة لتحقيق أهدافه، والقيام بجميع التصرفات القانونية ويمثله رئيس الديوان أو من يخوله.

إن فهمي المتواضع لأحكام المادة (1) والمادة (5) من قانون تنظيم أعمال التأمين هو أن القانون واجب التطبيق في عموم العراق بما في ذلك إقليم كوردستان وأن الجهة الوحيدة المناط بها تنفيذ القانون والأشراف على صحة التنفيذ هي "ديوان التأمين" وليس خلاف ذلك. لا أقصد من قولي هذا قطع الطريق أمام جهات أخرى لممارسة حقوقها الدستورية والقانونية ضمن الإطار الواسع للاختصاصات الواردة في الدستور والموزعة بين الاختصاصات الحصرية والمشتركة والخاصة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. لكن ممارسة الحقوق التي يكفلها الدستور بحاجه إلى تشريع ومرجعيه قطاعيه مهنيه للأشراف والمراقبة والتنظيم.

طالما نحن بصدد "قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005" أجد لزاماً علي أن أذكر للقارئة الكريمة والقارئ الكريم بأن الباب الثالث "إجازة ممارسة أعمال التأمين" الفصل الأول – منح الإجازة- وكذلك أحكام المادة (13) من القانون قد أجازت لشركات التأمين العراقية العامة، والمساهمة الخاصة والمختلطة، وفروع شركات التأمين الأجنبية المسجلة في العراق وكيانات تأمين التكافل أو إعادة التكافل، وأي مؤمِن أو معيد تأمين أخر يعتبره رئيس الديوان مؤهلاً وذو قدره ماليه، شرط التزامه بأحكام القانون، مزاولة أعمال التأمين في العراق. كما أن الفقرة "أولاً" من أحكام المادة (14) قد فرضت على الجهات التي يجوز لها مزاولة أعمال التأمين في العراق الحصول على أجازه بذلك وفقاً لأحكام القانون "ونعني بذلك الحصول على الاجازة من ديوان التأمين."

وهنا لابد من أن أذكر أيضاً بالأحكام العقابية الواردة في القانون إذ أن "أولا وثانيا" من أحكام المادة (92) تفرض على المخالف لأحكام المادة "13" و"14" من القانون غرامه ماليه لا تقل عن (50000000) خمسين مليون دينار ولا تزيد على (250000000) مائتين وخمسين مليون دينار. وأن "ثانياً" من أحكام المادة نفسها تجعل من الغرامة بما لا تزيد على ضعف الحد الأعلى للغرامة المنصوص عليها في البند (اولاً) من المادة ولا تقل عن ضعف حدها الأدنى في حالة العودة." هذه غرامه وعقوبة لم أجدها في أي من القوانين العراقية الأخرى ولعل السبب يعود إلى خطورة ممارسة أعمال التأمين دون الحصول على الإجازة. هكذا كانت فكرة المُشرّع.


الرقابة الاتحادية على النشاط التأميني ومدى مشروعية تأسيس رقابة في إقليم كوردستان

لقد أتيت على ذكر موضوع سريان قانون تنظيم أعمال التأمين على كامل قطاع التأمين في العراق، وكون ديوان التأمين المؤسسة المركزية الاتحادية لتنظيم أعمال التأمين في العراق والإشراف عليه والأحكام العقابية الخاصة بمزاولة أعمال التأمين دون الحصول على أجازه من الديوان، لا من باب الدخول في شرحٍ للقانون، ولا من باب المفاضلة بين الوضع الحالي للتنظيم والإشراف على القطاع وإنما لفتح باب من خلاله أدخل إلى موضوع محاولات السلطة، ممثلة بوزارة المالية والاقتصاد في إقليم كوردستان، لتولي هذه المهام في الإقليم.

إن تحقيق هذه الرغبة بحاجه إلى الشرعية أو المشروعية والتي تعني خضوع التصرف سواء كان خاصاً أو عاماً لقاعدة القانون وأن الشرعية تفرض وجود قواعد قانونيه صادره عن سلطه مختصة وفقا لنظام قانوني معين والالتزام بأحكامه من قبل الجميع. وهذا المبدأ يجب الالتزام به طالما أن الكل يخضع للقانون وسلطانه.

إن رغبة سلطات الإقليم في الرقابة على النشاط التأميني وتحقيقها على أرض الواقع يجب أن تكون ضمن إطار الاختصاصات الموزعة بين السلطات وبالتنسيق المشترك بين وزارة المالية في الحكومة الاتحادية وديوان التأمين الاتحادي ووزارة المالية والاقتصاد في حكومة الإقليم.أن اعتماد هذا الإطار ضروري كي نُبعد الموضوع عن التداخل والتنازع بين القوانين من جهة وعدم خلق نقطه خلاف جديد بين المركز والإقليم طالما أن القواعد القانونية التي تحكم وتنظم اختصاصات السلطات هي الدستور، والدستور لدى الأمم والشعوب يقع في قمة الهرم القانوني.

لقد نهض الشعب العراقي من كبوته، وهو يتطلع بثقة إلى مستقبله من خلال نظام حكم جمهوري إتحادي ديمقراطي تعددي، وأقرَّ بحريته واختياره الإتحاد بنفسه، وعقد العزم على احترام القانون. ولأجل ذلك استوحى من منظومة القيم والمثل العليا لرسالات السماء، ومن مستجدات علم وحضارة الإنسان العصرية دستوره الدائم: "دستور جمهورية العراق" وأشار إلى أن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعباً وأرضاً وسيادة.

الدستور العراقي وضوابط التشريع على مستوى الإقليم

إذا لنرى ماذا يقول الدستور بشأن الموضوع الذي نبحث فيه. هل هنالك من شرعيه دستوريه لتلبية رغبة حكومة الإقليم أم هناك موانع دستوريه تحجب على الإقليم تنفيذ الرغبة.

إن الفقرة أولاً من المادة (13) من الدستور أشارت إلى أن الدستور يُعدُّ القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في أنحائه كافه، وبدون استثناء. كما أن الفقرة ثانياً من أحكام المادة نفسها أشارت إلى عدم جواز سن وتشريع قانون يتعارض مع الدستور، واعتبرت كل نص يرد في دساتير الإقليم ( إقليم كوردستان)، أو أي نص قانوني أخر يتعارض مع الدستور باطلاً. كما أن المادة (116) من الدستور حددت النظام الاتحادي في الجمهورية العراقية بالنص على حق كل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه، وأقرت المادة (117) - أولاً بوجود وشرعية إقليم كوردستان وسلطاته القائمة كإقليم إتحادي وبذلك فقد منح الشرعية الدستورية لوجود الإقليم.

إن تحديد الدستور للنظام الاتحادي بالعاصمة والأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محليه يتطلب تحديد اختصاصات وصلاحيات كل من السلطة الاتحادية والأقاليم والمحافظات. لذلك فقد خصص الدستور باباً خاصاً باختصاصات السلطات الاتحادية وأخر بسلطات الأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم في إقليم، والعاصمة، والإدارات المحلية. والغاية من هذا التخصيص ممارسة كل من هذه الكيانات لاختصاصاته كما هو مرسوم دون التجاوز والحيلولة دون قيام فوضى تشريعية.

لم تكن غايتي في تقديم هذه المقدمة الموجزة إعداد كلمه أو خطاب سياسي، وإنما بيان الأسس والقواعد التي على أساسها تم سن الدستور، وبيان أهميته الدستور في حياة الأمم والشعوب، والالتزام بأحكامه كي نحفظ للعراق إتحاده الحر أرضاً وشعباً وسيادة. هذا من جهة ومن جهة أخرى إعداد الأرضية القانونية والدستورية لمحاولات تجرى في كوردستان لتنظيم أعمال التأمين في الإقليم، ذلك بصفتي عاملاً في قطاع التأمين منذ قرابة ستة وأربعين سنه ومازلت أمارس اختصاصي في القطاع في مدينة أربيل عاصمة الإقليم.

إن رغبة سلطات الإقليم، وزارة المالية والاقتصاد، ومحاولاتها لتولي مهام تنظيم أعمال التأمين والأشراف عليه أتيه من وجود رغبه كبيره من جانب الكثير من أصحاب رؤوس الأموال استثمار ما لديهم من أموال في حقل صناعة التأمين بمن فيهم أصحاب رؤوس الأموال من دول الخليج بالرغم من وجود فرص استثماريه أخرى أمامهم، ولكن التوجه إلى تأسيس شركات تأمين والبنوك هو الأكثر رواجاً. بالإضافة إلى ذلك فأن إقليم كوردستان أصبح سوقاً كبيراً للمستثمرين وأن العشرات من الشركات العربية والعالمية وغيرها راغبة في الاستثمار في الإقليم بفضل استقرار الأوضاع الأمنية فيه وهو الذي يشجع إلى قدوم المستثمرين إليه. إن المستثمر يطلب الحماية لاستثماراته وأن مثل هذه الحماية توفرها شركات التأمين. لذلك فأن من أولى أركان دراسة الجدوى الاقتصادية للاستثمار هي البحث والاستفسار عن وجود شركات تأمين قادرة على توفير الحماية. وفعلاً هناك في عاصمة الإقليم شركات للتأمين قادرة على النهوض بمهام توفير الحماية التأمينية الكاملة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سلطات الإقليم راغبة في ممارسة الاختصاصات التي يُمكّنها الدستور من ممارستها.

في بداية كلماتي قلت بأن الدستور هو المرجِع في تأسيس الحكم في القضايا التي فصل فيها ضمن مواده، وهو الفيصل والحكم في جميع الخلافات. لنرى ماذا يقول الدستور بخصوص توزيع الاختصاصات، حينذاك ومن خلال فهمنا لأحكامه يمكننا القول بأن رغبة وزارة المالية والاقتصاد رغبة مشروعه تستمد المشروعية القانونية والدستورية من أحكام الدستور، أو قد نرى بأن توزيع الاختصاصات قد يكون مانعاً أمام تحقيق الرغبة، لنرى ذلك.

الاختصاصات الحصرية للسلطات ألإتحاديه

تحافظ السلطات ألإتحاديه على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي، وتخص السلطات ألإتحاديه بالاختصاصات الحصرية الآتية:

• رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات ألدوليه، وسياسات الاقتراض والتوقيع عليها وإبرامها ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية والخارجية السيادية.

• وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها بما في ذلك إنشاء قوات مسلحه وإدارتها لتأمين حماية وضمان أمن حدود العراق، والدفاع عنه.

• رسم السياسات المالية، والكمركيه، وإصدار العملة، وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات في العراق، ووضع الميزانية العامة للدولة ورسم السياسة النقدية وإنشاء البنك المركزي وإدارته.

• تنظيم أمور المقاييس والمكاييل والأوزان.

• تنظيم أمور الجنسية والتجنس والإقامة وحق اللجوء السياسي.

• تنظيم سياسة الترددات البثيه والبريد.

• وضع مشروع الموازنة العامة والاستثمارية.

• تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه من خارج العراق، وضمان مناسيب تدفق المياه إليه وتوزيعها العادل داخل العراق، وفقاً للقوانين والأعراف الدولية.

• الإحصاء والتعداد العام للسكان.


هذه هي الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحادية. أما عن الاختصاصات المشتركة بين السلطة الاتحادية والأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم إلى إقليم فقد نصت عليها أحكام المادة (114) من الدستور وهي:

الاختصاصات المشتركة بين السلطة الاتحادية والأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم إلى إقليم

• رسم سياسات التنمية والتخطيط العام.

• رسم السياسات الصحية.

• رسم سياسات الموارد المائية.

• رسم السياسات التربوية والتعليمية.

• رسم سياسة البيئة.

• تنظيم مصادر الطاقة الكهربائية وتوزيعها.

• إدارة الكمارك.



بعد وقوفنا على توزيع الاختصاصات نرى بأن الدستور قد خصَّ السلطات الاتحادية باختصاصات حصريه، كما منح الاختصاصات المشتركة بين السلطة الاتحادية وبين الأقاليم، وأعطى الأفضلية لقانون الأقاليم في حال وجود خلاف في التطبيق على القانون الاتحادي في مسألة لا تدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات ألإتحاديه. كما أن المادة (120) من الدستور أعطت الحق للسلطة في إقليم كوردستان لوضع دستور يحدد هيكل السلطات فيه وآلية أعمالها، وأن تمارس جميع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية فيما عدا ما تم تحديده من اختصاصات السلطات الإتحاديه. وبذلك فإن الدستور يكون هو الفيصل في جميع الخلافات التي تحصل بين السلطات الاتحاديه والأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم في إقليم، ومنها الخلاف حول الاختصاصات لكل من السلطة الإتحاديه والاختصاصات المشتركة. ويكون الدستور هو المرجع في تأسيس الحكم في القضايا التي فصّلَ فيها ضمن مواده خاصة وأن أحكام المادة (115) منه قد جاءت واضحة في كل ما لم ينص ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحاديه. وفي ما لم يرد ضمن الصلاحيات المشتركة تكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم في إقليم وتكون الأولوية في التطبيق فيها بقانون الإقليم في حالة الخلاف.



تنظيم أعمال التأمين: أطروحة للتحرك في المنطقة الرمادية

من هذا المنطلق يكون أمر البت في رغبة الإقليم تولي مهام تنظيم أعمال التأمين في إقليم كوردستان أمراً ميسراً حينما تستند هذه الرغبة إلى الدستور بحيث لا يؤدي الأمر إلى التنازع في الاختصاصات. وبنظره بسيطة إلى هذه الاختصاصات نرى بأن تنظيم أعمال التأمين لا يدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحاديه ولا إلى الاختصاصات المشتركة بين السلطة الإتحاديه والأقاليم. وأن أحكام المادة (115) قد أعطت الشرعية الدستورية لتنفيذ الرغبة، بأن تتولى السلطات في إقليم كوردستان تولى تنظيم قطاع التأمين والإشراف عليه وتطويره، وتعزيز دور صناعة التأمين في ضمان الأشخاص والممتلكات ضد المخاطر لحماية الاقتصاد الوطني وتنميه الاستثمار لدعم التنمية الاقتصادية في الإقليم، خاصة وأن الإقليم قد حُرم من مزايا التأمين منذ سنة 1991 بعد أن سحبت الحكومة المركزية إدارتها من مناطق الحكم الذاتي (كما كانت تسمى الإقليم في حينه في ظل النظام الساقط).

إن تنظيم أعمال التأمين في الإقليم بحاجه إلى تهيئة الأرضية القانونية، كوجود قانون ينظم تلك الأعمال وجهه تتولى تنفيذ القانون والإشراف على صحة التنفيذ. وحيث أن مثل هذا القانون في متناول اليد، ونعني به الأمر رقم 10 لسنة 2005 – قانون تنظيم أعمال التأمين، فهو صالح للتطبيق في الإقليم إسوة باعتماد الإقليم للقانون رقم (21) لسنة 1997 وتعديلاته (قانون الشركات) بشأن إجازة الشركات وتأسيسها في الإقليم وغيرهما من القوانين الاتحاديه المعتمدة، خاصة وأن وزارة المالية والاقتصاد في الإقليم، في تولي مهامها في منح إجازة ممارسة أعمال التأمين، تستند إلى أحكام (الأمر رقم 10 لسنه 2005) وبالتحديد أحكام المادة (17) منه التي تخول (الديوان) وليس (وزارة المالية والاقتصاد في الإقليم) بتسجيل من توافرت فيه الشروط المقررة في سجل المؤمنين أو سجل معيدي التأمين، ويسلم طالب التسجيل إجازة بذلك وتنشر هذه الإجازة في صحيفتين يوميتين واسعتي الانتشار في العراق ولمرتين متتاليتين على نفقة طالب الاجازة. ولذلك فإن إجراءات وزارة المالية والاقتصاد للرقابة على النشاط التأميني في الإقليم إجراءات غير مستنده إلى قرار أو قانون، وقد تكون تلك الإجراءات محل اعتراض من جانب وزارة المالية الاتحادية والديوان في يوم ما وخاصة في غياب قرار أو قانون صادر من سلطات الإقليم بالتوافق والتعاون والتنسيق بين الجهات المعنية بالأمر في السلطة الاتحاديه. إن جميع الإدارات في ممارستها لنشاطاتها التي غايتها تنظيم وتسير أعمال المرافق العامة تخضع لأحكام القانون وأن أحكام المادة (17) المشار إليها في أعلاه قد خولت الديوان بتسجيل الشركات ومنحها إجازة ممارسة أعمال التأمين وأن نص المادة نص صريح وواضح لا يمكن تحميله التفسير أو الاجتهاد بشأنه إذ لا اجتهاد في مورد نص. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن علينا في الإقليم مراعاة القواعد الدستورية والقوانين المنبثقة عنها بدقه طالما نحن من أوائل الداعين إلى احترام الدستور والالتزام بأحكامه وأن نأخذ الشرعية، في ممارسة النشاطات التي غايتها تنظيم وتسير أعمال المرافق العامة، من الدستور والقانون.

أما عن جهة الإشراف والتنظيم على النشاط التأميني فإن تحقيق ذلك يمكن أن يكون من خلال تشكيل دائرة في وزارة المالية والاقتصاد باسم (دائرة مراقب التامين) من موظف بدرجة (مدير عام) وعدد من الموظفين لا يتعدون خمسة. وتكون هذه الدائرة مرجعية قطاعية مهنية لمراقبة وتنظيم أعمال شركات التأمين وإعادة التأمين وفروع الشركات العاملة بالإقليم. وبذلك نكون قد أبعدنا هذا الموضوع عن التنازع والتداخل بالاختصاصات من جهة وإطالة إجراءات الحصول على إجازة ممارسة أعمال التأمين من الديوان ومن وزارة المالية والاقتصاد، والإزدواجيه الناشئة من هذا الأمر في دفع الرسوم والمصاريف، وتجنب الوقوع تحت طائلة العقوبات الواردة في القانون.


دعوة للنقاش

إن هذا الموضوع بحاجة إلى تعليقات مؤيده أو نقدية، غير ما كتبته، من جانب رجال القانون وزملاء وزميلات المهنة. سأكون مسروراً وشاكراً لو تقدم البعض منهم ومن القراء المشاركة في زيادة توضيح الصورة القائمة والمساهمة في أغناء الموضوع وإثراءه.


هه ولير 9-5-2011

shamkar1939@yahoo.com



2011/04/18

Marwan Hashim Al-Kassab - A Tribute

مروان هاشم القصاب

في تقريظ زميل راحل



في أوائل نيسان 2011 رحل عنا زميل المهنة مروان هاشم القصّاب. لم أتعرف عليه شخصياً إلا من خلال تبادل بضعة رسائل إلكترونية عن الهم التأميني العراقي المشترك بيننا واقترنت علاقتنا الفكرية عن التأمين في العراق بمودة وألفة. ويصعب على الآن نشر هذه الرسائل لما تحتويه من آراء ومواقف بعضها حاد كان زميلنا يثير فيها مسائل غاية في الأهمية، وقد يأتي وقت يسمح لنا بنشرها. وأود هنا عرض ما كتبته له للتعريف بنشأة العلاقة بيننا.


كتبت لمروان رسالة في حزيران 2008 تلقي الضوء على نشأة علاقتنا:


"أشكرك على رسالتك وحسن ظنك بي اعتماداً على ما سمعتًه من صديقنا العزيز المشترك سعد البيروتي، وأرحب بك صديقاً وزميلاً يجمعنا هم التأمين في العراق.
ربما تعرف إنني قضيت ما يقرب من عقد في العمل لدى شركة التأمين الوطنية (1968-1977) وفيها تعلمت مبادئ التأمين. وقد حاولت جهدي منذ خروجي من العراق متابعة بعض ما يجري في قطاع التأمين العراقي. وقمت مؤخراً بإطلاق مدونة أسميتها Iraq Insurance Review لتكون منبراً للعاملين في هذا القطاع فأنا على قناعة بأننا نستطيع تدارس القضايا التأمينية حتى وإن اختلفت مشاربنا الفكرية."

وفي رسالة أخرى لمروان قلتُ:

"آمل أن لا يبقى تبادل الرسائل محصورا بيننا فأنا أرغب أن تظهر إلى العلن في مدونة مجلة التأمين العراقي كي تكون موضوعاً لتعليق زملائنا والمشاركة في مناقشة المسائل المهمة ذات العلاقة بواقع ومستقبل سوق التأمين العراقي. ويتطلب ذلك تغيير لغة الخطاب."

بدأ المرحوم مروان بالكتابة لمدونة مجلة التأمين العراقي سنة 2008 ونشرتُ له مقالات مهمة، بعضها بتكليف شخصي ومنها بحثه القيم "الدراسة الأكاديمية للتأمين في العراق" وهي، كما ذكرت في مقدمتي لها "أول محاولة من نوعها، في رأينا، في الكتابة عن هذا الموضوع. لقد وضع لنا الزميل هاشم أساساً يمكن البناء عليه، والتوسع فيه في دراسات لاحقة لتطوير الدراسة الأكاديمية لموضوع التأمين - وهو أمر يهم شركات التأمين وإعادة التأمين العراقية وكذلك المؤسسات الأكاديمية العراقية." وكانت الدراسات الأخرى نابعة من قراءته الشخصية لمشهد التأمين في العراق وخاصة ما له علاقة بإعادة التأمين الدولية. لقد كان مراقباً دقيقاً للمشهد، منتجاً للعديد من الأفكار والتقييمات. لا أعرف إن كان قد نشر أفكاره في مواقع أو مطبوعات أخرى.


كان همه أن يرى سوق التأمين العراقي ناهضاً بعد سنوات من التدهور وشركة التأمين التي كان يعمل فيها تقف شامخة، لكنه كان أيضاً واعياً للعراقيل العامة والشخصية التي تحول دون ذلك. رحل عنا والكثير من القضايا التي كانت تشغل باله ظلت قائمة.

كان واسع الإطلاع كما يدل على ذلك المراجع التي كان يعتمدها في تدعيم رأيه، ومع ذلك كان من التواضع أن يقبل التحوير على نصوصه عندما لا تغير من فحواها. وكنت أمني نفسي أن أتعاون معه في بحث مشترك عن جوانب من تاريخ التأمين في العراق لولا أن المنية عاجلته فقد كان متمكناً من متطلبات البحث.


وفيما يلي ثبت بمقالات مروان هاشم المنشورة في مدونة مجلة التأمين العراقي لتسهيل رجوع القارئ إليها:

إعادة التأمين الاتفاقي لسوق التأمين العراقي

http://misbahkamal.blogspot.com/2008/11/blog-post.html


مفاوضا ت إعادة التامين بين السوق المحلي والسوق العالمي

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/01/blog-post.html


الدراسة الأكاديمية للتامين في العراق

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/04/blog-post_15.html


التأمين في العراق والعولمة مناقشه لردود الفعل على قانون التأمين رقم 10 لسنة 2005 وقانون الاستثمار العراقي لسنة 2006

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/07/10-2005-2006.html


قطاع التامين والصحافة

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/12/httpmisbahkamal.html


تحليل مضمون بعض نصوص اتفاقيات إعادة التامين لسوق التأمين العراقي - 2004- 2010

http://misbahkamal.blogspot.com/2010/03/2004-2010.html


تعليق على موضوع: (قطاع التأمين في العراق وآفاق تطور شركات التامين الخاصة)

http://misbahkamal.blogspot.com/2010/06/httpmisbahkamal.html

 
هل يستفيد سوق التأمين العراقي من المنافسة في السوق العالمي؟

http://misbahkamal.blogspot.com/2010/08/blog-post_29.html

 
لقد ترك لنا زميلنا مواقف فكرية تستحق المزيد من التعليق والبحث لتطوير قطاع التأمين العراقي في تركيبه الداخلي وعلاقته بأسواق إعادة التأمين الدولية. تركنا في وقت مبكر من عمره دون أن يستكمل البحث و الكتابة عن النشاط التأميني وما يتعلق به في العراق. ولم يتسنى لنا التواصل المستمر معه لرسم ملامح مشروع تغيير القطاع لكن مقالاته تفصح عن بعض هذه الملامح ومنها التعايش بين الشركات العامة والخاصة، وتطوير مكانة شركة إعادة التأمين العراقية، وإدخال الشفافية في العلاقات المؤسساتية والشخصية.


سنذكره بخير ونأمل أن نرى من يترسم خطاه في الكتابة عن الشأن التأميني في العراق. كما نأمل أن يكتب عنه زميلاته وزملاؤه لتعزيز روح الجماعة بين العاملين في التأمين.

مصباح كمال
لندن 18 نيسان 2011
misbahkamal@btinternet.com



2011/04/06

Ottoman Insurance Law 1905

قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه)

دراسة تمهيدية


مصباح كمال

يمكن قراءة النسخة الإنجليزية لهذه الدراسة في الموقع التالي:
http://iraqshistory.blogspot.com/


خلفية الدراسة

ترجع خلفية هذه الورقة إلى مراسلات مع الزميل منذر عباس الأسود المحامي خلال شهر نيسان 2009 وكان وقتها يعد العدة للسفر إلى الأردن للعلاج الطبي. ونقتبس منها مطولاً لأنها تضم معلومات ذات علاقة مباشرة بموضوع هذه الورقة. في رسالتي الأولى قلت:



"تعرف أن العديد منا عندما نبحث عن جذور تاريخ التأمين في العراق نذكر قانون السيكورتاه (أو السيكورته) العثماني؛ نذكره دون التوقف عنده إذ أن هذا القانون لم يحض بدراسة مستقلة تكشف عن خلفياته، علاقته بقوانين أخرى ومصادره المحتملة (ربما في مجلة الأحكام العدلية كإطار عام)، أهم الأحكام الواردة فيه .. الخ. كما أن نصه الكامل لم يخضع لقراءة نقدية.[1]



وأذكر أن السيد طالب المصرف، عندما كان يعمل في المؤسسة العامة للتأمين، أصدر كتاباً بجزأين في أوائل سبعينات القرن الماضي ضم أهم قوانين التأمين وما لها علاقة بالنشاط التأميني. وربما أدخل نص قانون السيكورتاه العثماني في الجزء الأول.



أتمنى عليك، إن توفر لديك الوقت والرغبة، كتابة ورقة عن هذا القانون ومن المنظور الذي تراه مناسباً. إن كان ذلك غير ممكناً هل لك أن تطلب من غيرك ممن يستطيع البحث في الموضوع الكتابة عنه؟ ويمكننا عندها نشر ما يكتب في مدونة مجلة التأمين العراقي أو نعرضه على التأمين العربي، المجلة الفصلية للاتحاد العام العربي للتأمين، وبذلك نسد بعض الفراغ في تاريخ التأمين العراقي ونمهد للمزيد من البحث من قبل المهتمين من المؤرخين رغم أنهم، حسب علمي، لم يعيروا حتى الآن أدنى انتباه للنشاط التأميني في العراق. وينطبق هذا على موقف الاقتصاديين العراقيين من التأمين فإشاراتهم له محدودة جداً وعابرة. اعتقد أن مهمة التعريف الأولي بتاريخ النشاط التأميني تقع، ابتداءً، على شركات التأمين وبعد ذلك يتولى المؤرخون البحث العلمي الموثق.



آمل أن أقرأ ردك بشأن مقترح الكتابة عن قانون السيكورتاه العثماني." (1 نيسان 2009)



كعادته رد علي الزميل منذر دون تأخير برسالة ذكر فيها:



"ان الكتابة عن قانون السيكورتاه العثماني بالفعل لم يحض بدراسة مستقلة تكشف عن خلفياته إلا ان هناك تعليق للأستاذ بديع السيفي في كتابه الوسيع في التأمين وإعادة التأمين علما وقانونا وعملا في الجزء الأول في الصفحة 243-244 وأرفق لكم تعليقه أملا ان يفيدك كما أرسل لكم نص قانون السيكورتاه العثماني المنشور في الجزء الأول من كتاب الأستاذ طالب المصرف لعام 1970 والذي لا يزال ساري المفعول لحد الآن. واعتقد ان الكتابة عن الموضوع يغنيه تعليق الأستاذ بديع السيفي." (2 نيسان 2009)



بعد أن شكرت الزميل منذر على رسالته كتبت له قائلاً:



"صحيح أن السيفي كتب عن القانون، وهو لا يزيد عن صفحة واحدة في كتابه، إلا أن البحث فيه والكتابة عنه ما زال مطلوباً من المنظور الأكاديمي التاريخي والعملي خاصة وأنت تؤكد على أن القانون لا يزال ساري المفعول – أي إن استمراريته حتى الوقت الحاضر قد يخلق بعض الإشكالية عند افتراق وتعارض بعض نصوصه مع قوانين أكثر حداثة. إضافة إلى ذلك، فإن دراسة مقارنة لهذا القانون مع قوانين تأمينية أخرى قد يكشف لنا التطور الذي حصل في صياغة القوانين المنظمة للنشاط التأميني في العراق.



كلانا وغيرنا أيضاً مستغرقون بالعمل اليومي، وأنت، خاصة، مثقل بهمِّ ما ألم بك، ولذلك أتمنى أن يقوم غيرنا بمهام البحث. لعل إحدى طالبات الدراسات العليا تتولى مثل هذا البحث." (3 نيسان 2009)



على إثر ذلك كتب لي الزميل منذر موضحاً:



"..على كل حال، نرجع لموضوع قانون السيكورتاه العثماني. أود إعلامكم أنه سبق وصدر قانون النقل لسنة 1983 ونشر في الوقائع العراقية بالعدد 2953 في 8-8-1983 واعتبر نافذ المفعول بعد ستة أشهر من تاريخ النشر، وتسري أحكامه على جميع أنواع النقل أياً كانت صفة الناقل مع مراعاة أحكام الاتفاقيات الدولية التي يكون العراق طرفاً فيها – حيث كانت الأسباب الموجبة لإصدار مثل هذا القانون في حينه هو وجوب وضع القواعد المنظمة لكل من النقل البحري والبري والنهري والجوي، وذلك لأهمية هذه المرافق في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي للعراق. ولذا صدر هذا القانون لغرض إيجاد التوازن العادل بين التزامات أشخاص عقد النقل وإلى تغليب صفة العلاقة القانونية على صفة العلاقة العقدية.



وجاء في الباب الثالث أحكام النقل الخاصة بالنقل البري وبالسيارات وبالسكك الحديد والجوي والبحري والنهري.



وحيث أن قانون السيكورتاه العثماني هو قانون خاص بالتأمين البحري/تأمين النقل وبناءاً على ذلك، وحسب اجتهادي، فإن قانون السيكورتاه يعتبر ملغياً بحكم المادة 157 من قانون النقل الذي ألغى الفصل السادس من الباب الثاني من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970: ’ويلغى كل نص يعارض مع أحكام هذا القانون.‘" (3 نيسان 2009)



بسبب مشاغلنا لم نستطع مواصلة المناقشة، وما إثارتنا للموضوع الآن إلا استمراراً لما انقطع، ومن أجل إثارة غيرنا للكتابة عن الموضوع.



تعليق الأستاذ بديع السيفي على قانون السيكورتاه

لنبدأ باقتباس التعليق الذي كتبه الأستاذ بديع السيفي. يذكر السيفي في كتابه الوسيع في التأمين، تحت عنوان "قوانينا والتأمين،" بعض القوانين ومنها "قانون (شركات) الضمان (السيكورتاه) العثماني الأصل لسنة 1905."[2]



"لقد جاء هذا القانون الصادر في 21 جمادى الآخرة عام 1323 هجري و 9 أغسطوس عام 1321 رومي 1905 ميلادي وهو قانون ساري المفعول لحد الآن قانوناً بخمسة وعشرين مادة ومادة أخيرة سماها القانون مادة مخصوصة نصت على (أن الأحكام المخصوصة الواردة في قانون التجارة البحرية تبقى مرعية الإجراء كما هو منصوص عليها)، فمواد هذا القانون (26) ستة وعشرون مادة.



ولقد جاءت تسمية القانون خاطئة إذ أنه ليس قانوناً لشركات الضمان بل قانون للتأمين أو الضمان أي السيكورتاه وهو التعبير المحرف عن التعبير الفرنسي (Securite)، ولقد نشر هذا القانون كملحق (ذيل) لقانون التجارة البرية، أما أحكامه فقد اقتبست من القانون البلجيكي للتأمين لعام 1874م، وشرع باللغة التركية طبعاً، وليس للقانون ترجمة رسمية صحيحة إلى اللغة العربية إذ ترجم هو الآخر إلى العربية ترجمة ركيكة غير صحيحة فيها الكثير من الأخطاء.



وهذا القانون خاص بالتأمين على الأموال النقدية وغير المنقولة وبضمن ذلك التأمين البحري/تأمين النقل، حيث نصت المادة (1) منه على أن (الضمان هو تعهد بالتعويض لقاء رسم معين عن الخسائر والإتلاف التي تحصل للأموال المنقولة وغير المنقولة من المهالك والأخطار من أي نوع كانت). ولقد اشترط قانون (شركات) الضمان كما فعل قانون التجارة البحرية أن تكون عقود التأمين مكتوبة إذ نصت المادة (2) على (ان تعهدات الضمان يجب أن تنظم كتابة ويجب أن يحتوي صك الضمان أي (البوليسة):



(1) اسم وشهرة وصنعة ومحل إقامة المضمون له (أي الذي يطلب ضمان أمواله) وكذلك اسم وشهرة وصنعة ومحل إقامة الضامن (أي الذي يضمن أموال الغير). (2) نوع وجنس الأموال المضمونة من الخسائر ونوع وجنس المخاطر والخسائر المضمونة منها الأموال المذكورة. (3) مقدار أجرة الضمان ومقدار قيمة التعويض الواجب دفعه لقاء الخسائر والأخطار. (4) بداية مدة الضمان ونهايتها. (5) تاريخ تنظيم الصك."



التوسع في التعليق والتحليل

يؤكد الأستاذ السيفي، عن حق، أن تسمية القانون [قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه)] خاطئة. وكما يشرح لنا فهو قانون للتأمين أو الضمان مقتبس من القانون البلجيكي للتأمين لعام 1874 [قانون عقد التأمين، 11 حزيران 1874]. وهو بهذه الصفة يضم عناصر تدخل في صلب عقد التأمين وليس تنظيم شركات التأمين والرقابة عليها.



يكتب السيفي أن هذا القانون ساري المفعول لحد الآن (طبع كتابه سنة 2006) لكن منذر الأسود في مراسلاته معنا (3 نيسان 2009) استنتج أن هذا القانون أصبح لاغياً:



"وحيث أن قانون السيكورتاه العثماني هو قانون خاص بالتأمين البحري/تأمين النقل وبناءاً على ذلك، وحسب اجتهادي، فإن قانون السيكورتاه يعتبر ملغياً بحكم المادة 157 من قانون النقل الذي ألغى الفصل السادس من الباب الثاني من قانون التجارة العراقي رقم 149 لسنة 1970: ’ويلغى كل نص يعارض مع أحكام هذا القانون.‘"



ونعرف أن القانون الأساسي العراقي الصادر عام 1925 (الغي هذا القانون بموجب الدستور المؤقت الصادر عام 1958) وبموجب المادة 113 اعتبر:



"القوانين العثمانية التي كانت قد نشرت قبل تاريخ 5 تشرين الثاني سنة 1914 والقوانين التي نشرت في ذلك التاريخ أو ‏بعده بقيت مرعية في العراق إلى حين نشر هذا القانون تبقى نافذة فيه بقدر ما تسمح به الظروف مع مراعات [هكذا] ما احدث ‏فيها من التعديل أو الإلغاء بموجبه البيانات والنظامات [هكذا] والقوانين الوارد ذكرها في المادة الآتية وذلك إلى ان تبدلها أو ‏تلغيها السلطة التشريعية أو إلى ان يصدر من المحكمة العليا قرار يجعلها ملغات [هكذا] بموجب أحكام المادة "86."



المادة 114

جميع البيانات والنظامات والقوانين التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية في العراق والحاكم الملكي العام ‏والمندوب السامي والتي أصدرتها حكومة جلالة الملك فيصل في المدة التي مضت بين اليوم الخامس من تشرين الثاني ‏سنة 1914 وتاريخ تنفيذ هذا القانون الأساسي تعتبر صحيحة من تاريخ تنفيذها وما لم يلغ منها إلى هذا التاريخ يبقي ‏مرعيا إلى ان تبدله أو تلغيه السلطة التشريعية أو إلى ان يصدر من المحكمة العليا قرار يجعلها ملغاة بموجب أحكام ‏المادة ."86

المادة 86

كل قرار يصدر من المحكمة العليا مبيناً مخالفة احد القوانين أو بعض أحكامه لأحكام هذا القانون الأساسي يجب ان ‏يصدر بأكثرية ثلثي آراء المحكمة وإذا صدر قرار من هذا القبيل يكون ذلك القانون أو القسم المخالف منه لهذا القانون ‏الأساسي ملغياً من الأصل."‏



يعني هذا أن قانون السيكورتاه ظل سائداً لفترة طويلة قبل صدور أول تشريع تأميني عراقي (مماثل له فقط من حيث العنوان): قانون شركات التأمين رقم 74 لسنة 1936 الذي صدر في 1 نيسان 1936. وهو، كما يدل عليه اسمه، أول محاولة جادة للإشراف على عمل شركات التأمين الأجنبية العاملة في العراق وتنظيم الملاءة المالية لها لضمان حقوق المؤمن لهم.[3]  في ذلك الوقت لم تكن هناك شركات تأمين عراقية وطنية إذ أن أول شركة تأمين عراقية، شركة الرافدين للتأمين، تأسست سنة 1946 وحتى هذه الشركة لم يكن رأسمالها عراقياً صرفاً إذ كانت الحصة الأجنبية فيه 60%.[4]



لعل زميلنا الأسود يأخذ على عاتقه إتمام البحث في حسم السؤال عن سريان القانون من عدمه في الوقت الحاضر، والتوسع في التعليق على أول قانون عراقي خاص بعقد التأمين.



يقول السيفي أن التأمين أو الضمان، أي السيكورتاه، تعبير محرف عن التعبير الفرنسي (Securite) وربما يكون صائباً في هذا لكننا نميل إلى أن أصل التعبير إيطالي. لنقرأ ما يقوله كاتبان تركيان عن أصل كلمة التأمين/الضمان:



When seeking for the origins of insurance in the Ottoman Empire, we see that it arrived via trade across the Mediterranean. Following in the tracks of the Turkish word for insurance itself reveals that the borrowed Italian term sicurtà first became siguriye then sikorta, sikurta, sikurita, in turn followed by sigurita and sigurta before finally settling on sigorta.[5] [التأكيد من عندنا]



وما يعزز الميل إلى تفضيل الأصل الإيطالي هو عمق العلاقات التجارية والدبلوماسية الواسعة بين الإمبراطورية العثمانية والبندقية (فينيسيا) في القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، والجالية الكبيرة من نبلاء ومواطني هذه ’المدينة-الأمة‘ في الاستانة.[6]



ليست لدينا معلومات عن الشخص الذي قام بترجمة القانون إلى اللغة العربية ومتى وأين تمت الترجمة. لكن لنتذكر أن ركاكة وعدم صحة الترجمة التي ذكرها السيفي يجب أن توضع في سياق تاريخ النشاط التأميني في العراق بافتراض أن الترجمة تمت في العراق. فهذا النشاط كان جديداً في الحياة الاقتصادية وأقرب ما يكون إلى بدعة – كما سيقول أصحاب التفكير الديني التقليدي فيما بعد. وبسبب ذلك نرى تعريب وتحريف، وكذلك فوضى، العديد من مصطلحات التأمين. فتارة نقرأ عن الضمان والتأمين والسيغورته والسيكورتاه وسوگره أو صوگره وما يشهد عليه من صك أو بوليسة. وسيمضي وقت طويل قبل أن تستقر بعض المصطلحات على حال واحد. الدقة اللغوية مطلوبة لضمان الفهم المشترك بين الناس للمفاهيم والاقتصاد في التعبير لكن الخطأ الشائع، أي ما يصطلح عليه الناس في مجال معين، يظل مفهوماً بينهم ويمكن التفريق بين استعمالاتها. كلمة البوليسة، أو البوليصة في الشام وهي ما زالت قيد الاستعمال، تعني وثيقة التأمين ووثيقة الشحن (البحري أو الجوي) وسياق الاستخدام كفيل بالتفريق بينهما.



ويشرح لنا الأستاذ السيفي أن "هذا القانون خاص بالتأمين على الأموال النقدية وغير المنقولة وبضمن ذلك التأمين البحري/تأمين النقل." ويرد في القانون ذكر التأمين ضد خطر الحريق: "مقاولة الضمان ضد الحريق" (المادة 19) إضافة إلى تأمين أخطار النقل دون تحديد وسائط النقل (بحري، بري بضمنه النهري) والاكتفاء في المادة الأخيرة، "مادة مخصوصة"، غير المرقمة "أن الأحكام الواردة في حق الضمان البحري المذكورة في قانون التجارة البحرية تبقى مرعية الإجراء كما هو منصوص عليها."



نجد في المادة 1 من القانون تعريفاً لعقد التأمين:



"الضمان هو تعهد بالتعويض لقاء رسم معين عن الخسائر والإتلاف التي تحصل للأموال المنقولة وغير المنقولة من المهالك والأخطار من أي نوع كانت."



وهو ما سيجد تطويراً عصرياً شاملاً له في المادة 981—فقرة 1 من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951:



"التأمين، عقد به يلتزم المؤمن ان يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغاً من المال أو إيرادا مرتباً أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده، وذلك في مقابل إقساط آو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن."



يلاحظ القارئ الفرق بين الصياغتين وخاصة عدم الدقة في قانون السيكورتاه والصفة الإطلاقية لبعض العبارات: "المهالك والأخطار من أي نوع كانت" مقابل "الحادث المؤمن ضده." لسنا بصدد عقد مقارنة بل التنبيه إلى أن المقارنة يمكن أن تكون موضوعاً مستقلاً لبحث أكاديمي.



ونكتفي بالإشارة إلى بعض المواد الأخرى من قانون السيكورتاه: اقتران عقد التأمين بإصدار صك (وثيقة) التأمين كدليل على قيام العقد (المادة 2)؛ مبلغ التأمين يمثل الحد الأقصى لمسؤولية شركة التأمين (المادة 3)؛ المستفيد من عقد التأمين هو من صدرت وثيقة التأمين باسمه ما لم يسمى طرف ثالث صراحة ليكون المستفيد من التأمين (المادة 4)؛ المصلحة التأمينية كأساس للتأمين (المادتين 7 و8)؛ تأمين المحاصيل الزراعية (المادة 9 والمادة 23)؛[7] التأمين المزدوج وتكييف مبدأ مشاركة أكثر من مؤمن في التأمين (المادتين 5 و 10)؛ تكييف مبدأ حسن النية (المادة 11)؛ عدم نفاذ العقد لغياب محل التأمين (المادة12)؛ السهو في عدم إبلاغ الضامن بتعديل في مواصفات الخطر المؤمن عليه (المادة 13 وهي مثال على ركاكة الصياغة التي ذكرها الأستاذ السيفي)؛ تأمين مسؤولية المؤمن له تجاه الجيران بسبب حريق في ملك المؤمن له والأضرار التبعية الناشئة عن الحريق (المادة 20).



وهكذا نرى أن القانون ليس مُركزاً على موضوع معين فهو يضم مواد عن فروع للتأمين (نقل بحري، حريق وغيره)، ومبادئ تعاقدية، وقواعد تنظيمية لإصدار وثائق التأمين .. ألخ.



ربما كانت خلفية هذا القانون ترجع إلى ظهور وتنامي النشاط التأميني والحاجة إلى تنظيميه لمنع الفوضى في تنظيم عقود التأمين ولحماية حملة وثائق التأمين من سوء تصرف شركات التأمين أو وكالات التأمين الأجنبية العاملة في الإمبراطورة العثمانية. أو ربما كان هناك حقاً فراغاً قانونياً في مجال النشاط التأميني استوجب تدخل الدولة. ومثل هذا الإجراء يرتبط بتاريخ صناعة التأمين في العديد من دول العالم. بعبارة أخرى، فإن هذه القوانين هي استجابة لمشاكل آنية أو مؤقتة تشكل مع مرور الوقت قاعدة لوضع قوانين جديدة في المستقبل وتهذيب ما هو قائم منها.



ويمكن أيضاً القول إن إصدار القانون كان بمثابة الوسيلة لتدوين الممارسات الجيدة القائمة والتخلص من الممارسات السيئة. كما أن النظام القانوني للدولة العثمانية لم يكن قائماً على ما تقرره المحاكم case law، كما هو الحال في الدول التي تعتمد القانون العام common law حيث يلعب القضاة الدور الأكبر في صنع القانون من خلال أحكامهم التي تشكل مع مرور الوقت سابقة قد يعتمد عليها للحكم في حالات جديدة. ولم يكن هناك كتب لفطاحل القانونين أو القضاة للاستنارة بها في ضبط عقود التأمين ونشاط شركات التأمين كما كان الحال في إنجلترة. هذه تخمينات يراد منها التشجيع على البحث التاريخي الذي يوفر التفسير لتشريع مثل هذه القوانين.



قانون السيكورتاه مؤشر على نشاط تأميني في العراق

شركات التأمين الأجنبية ووكالاتها كانت تعمل في العراق عند صدور هذا القانون ربما مباشرة أو بصورة غير مباشرة. نقول هذا اعتماداً على تأسيس أول شركة (أجنبية) للتأمين في استانبول عام 1848 وحقيقة أن عدد شركات التأمين الأجنبية العاملة عام 1914 ضمن حدود الإمبراطورية العثمانية بلغ 170 شركة وكان لهذه الشركات 1971 وكالة، كما جاء في كتاب ما يؤلم المحفظة، يؤذي الروح: التأمين في الإمبراطورية العثمانية.[8]



ويذكر الكاتبان لهذه الدراسة أن أول تشريع لتنظيم صناعة التأمين في الإمبراطورية العثمانية كان في القرن التاسع عشر فالمادة 29 من القانون التجاري الذي صدر في 28 تموز 1850 أشارت إلى التأمين البحري في حين أن القانون التجاري البحري، الذي صدر في 21 آب 1863، كان مكرساً للتأمين البحري.[9]  وكان قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه) من جملة تشريعات التأمين في العهد العثماني.



لم يرد اسم العراق في هذا الكتاب الشيق المزدان بالصور لكننا نفترض أن شركات التأمين أو وكالاتها ربما كان لها حضوراً في العراق أو كانت تقوم بالتأمين على بضائع متجهة إلى العراق ومنه (تجارة التمور والحبوب على سبيل المثال) أو قامت بتأمين أخطار أجنبية معينة في بعض أنحاء العراق.



لا يكفي الحدس في هذا المجال بديلاً عن البحث التاريخي للنشاط التأميني في العراق وهو ما لسنا قادرين عليه. دراسة التاريخ الإمبريالي للتغلغل البريطاني في العراق يُعلمنا الكثير عن الآثار التي تركها. يكفي أن نقول إن شركة الهند الشرقية البريطانية (التي تأسست بمرسوم ملكي بريطاني سنة 1600) كانت تحتكر التجارة البريطانية في آسيا (الهند والصين) لفترة طويلة، ونعرف أن تجارة العراق مع الهند راسخة في القدم. وفيما بعد تأسست الشركة الإنجليزية المعروفة باسم بيت لينج ومؤسسها Henry Blosse Lynch الذي قام بمسح أنهار العراق قبل أن يتحول لتأسيس شركة للملاحة النهرية. وكان للشركة أسطول من الزوارق البخارية للنقل النهري عبر ميناء البصرة ونهري دجلة والفرات لنقل البضائع البريطانية إلى تركيا (من خلال دجلة) والشام (من خلال الفرات). وقد استعملت القوارب البخارية البريطانية في العراق لأول مرة عام 1836.[10]  ونفترض أن بعضاً من هذا النشاط الاقتصادي كان موضوعاً للحماية التأمينية من أخطار النقل والحريق على الأقل.



التشريع العثماني جزء من تاريخ التشريع في العراق

تشكل التشريعات العثمانية، ومنها قوانين التأمين، جزءاً من تاريخ التشريع في العراق كما في غيره من البلدان العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية. فمجلة الأحكام العدلية [11] ظلت نافذه في العراق حتى أوائل خمسينات القرن الماضي مثلما ظل قانون الضمان (السيكورتاه) نافذاً. وكان التشريع العثماني (سن "القوانين" تميزاً لها عن "أحكام" الشرع) في غالبه منصباً على تلك المجالات التي لم تكن موضوعاً للشريعة الإسلامية أو قل أن الشريعة لم تقترب منها بالتفصيل لكونها تمثل ظواهر حديثة كما هو الحال بالنسبة للنشاط التأميني.



ونلاحظ أن النشاط التأميني دخل إلى الإمبراطورية العثمانية في صيغته التجارية الغربية كمشروع تجاري قائم على تحقيق الربح. وبقي على تكوينه هذا حتى الوقت الحاضر حتى فيما يخص صياغة وثائق التأمين. وتعليل ذلك أن التأمين، كنشاط اقتصادي مميز، لم يكن معروفاً في الإمبراطورية والبلاد الخاضعة لها ومنها العراق، وظل محاكاة النموذج الغربي هو السائد.



تطبيقات عملية لقانون السيكورتاه؟

نظل تواقين إلى معرفة أمثلة حقيقية عن تطبيق قانون السيكورتاه في المحاكم العراقية للفصل في النزاعات بين المؤمن لهم وشركات التأمين.



نأمل من زملاء المهنة في العراق تقييم دراستنا التمهيدية، وتصحيح أية معلومات خاطئة فيها، وإكمال نواقصها فيما يخص السرد التاريخي والتحليل القانوني.





لندن تموز 2010

الهوامش


1. العنوان الرسمي لهذا القانون هو قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه) نشر كملحق لقانون التجارة البرية العثماني. صدر قانون السيكورتاه في 21 جمادي الآخر 1323 (21 أب 1905)



2 بديع أحمد السيفي المحامي، الوسيع في التأمين وإعادة التأمين: علماً وقانوناً وعملاً (بغداد، د.ن.)، ج1، ص 243-244.

ويمكن مراجعة نص هذا القانون في كتاب طالب المصرف عن قوانين التأمين (بغداد 1970)، ص 4-7. واسم القانون هو قانون شركات الضمان (أي السيكورتاه)، ويذكر المصرف في هامش ص 4 أنه "نشر ذيلاً لقانون التجارة البرية."



ويرجع الفضل في توفير النص إلى الزميل منذر عباس الأسود المحامي في بغداد، في مراسلات إلكترونية خلال شهر نيسان 2009.



3 مصباح كمال "إطلالة على بواكير التأمين والرقابة على النشاط التأميني في العراق"، الثقافة الجديدة، بغداد، العدد 331، 2009، ص 44-52. يمكن قراءة المقالة في مجلة التأمين العراقي الإلكترونية باستخدام هذا الرابط:

http://misbahkamal.blogspot.com/2009/09/331-2009-44-52.html



4 بديع أحمد السيفي، التأمين علماً وعملاً (بغداد، د.ن.، ط1، 1972) ص26.



5 What Hurts the Purse, Hurts the Soul: Insurance in the Ottoman Empire (Istanbul: Ottoman Bank Archives and Research Centre, 2009), p12. From the introductory essay by Murat Koralturk and Fathi Kahya.



6 أنظر العرض النقدي التالي لكتاب أكاديمي عن العلاقة بين الاستانة والبندقية:

Early Modern Venetian-Ottoman Relations and the Mediterranean World

by Ebru Turan

Eric R. Dursteler. Venetians in Constantinople: Nation, Identity, and Coexistence in the Early Modern Mediterranean. The Johns Hopkins University Studies in Historical and Political Science Series. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2006.

http://mrzine.monthlyreview.org/2010/turan040710p.html



7 نص المادة 9 هو الآتي: "يجوز أيضاً ضمان الفائدة المنتظر حصولها من شئ ما كالمحاصيل [الزراعية] والأثمار التي لم تكن بعد قد بلغت النضج ويستثنى من ذلك ما هو مخالف للقانون." لاحظ أن الإشارة هي للقانون وليس للشرع.



يذكرنا هذا ببيع السَلَم، أي بيع الشيء المؤجل بالثمن المعجل، أي تعجيل أحد البدلين (تسديد قسط التأمين)، وتأجيل الآخر (التعويض). وهو ما لا يُجّوزه التقليديون في فقه المعاملات الإسلامي لأنه، في رأيهم، يرقى إلى بيع المعدوم. لقد كان المشرّع في أوائل القرن العشرين أكثر تسامحاً وأقرب إلى واقع المعطيات الاقتصادية والتأمين على المخاطر المترتبة على النشاط الاقتصادي من أقرانه في زماننا. وربما يكون تعليل جواز مثل هذا التأمين (البيع) قائماً على المواقف المتضمنة في مجلة الأحكام العدلية (1877). فقد نصت المادة 32 منها على أن "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامةً أو خاصةً. ومن هذا القبيل تجويز بيع الوفاء فإنه لما كثرت الديون على أهالي بخارى مست الحجة إلى ذلك فصار مرعياً." سليم رستم باز اللبناني، شرح المجلة (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط 3، 1406/1986)، ص 33. وتُعرف المادة 123 السلم على أنه "بيع مؤَجل بمعجل." المصدر السابق، ص 69.



"بيع الوفاء" هو "أن يبيع السلعة للمشتري بما له من الدين على أنه متى قضاه الدين، عادت إليه السلعة." د. محمد رواس قلعجي، د. حامد صادق قنيبي، معجم لغة الفقهاء (بيروت: دار النفائس، 1985)، ص 507.



8 What Hurts the Purse, Hurts the Soul: Insurance in the Ottoman Empire, pp13-14. From the introductory essay by Murat Koralturk and Fathi Kahya



9 op. cit, p 12.

10 للتعرف على جوانب موضوع التجارة بين العراق ودول الخليج أنظر:

Hala Mundhir Fattah, The Politics of Regional Trade in Iraq, Arabia and the Gulf, 1745-1900 (New York: SUNY Press, 1997)

http://books.google.co.uk/books?id=g5MewSBHkG4C&dq=east+india+company+and+Iraq&source=gbs_navlinks_s



11 مجلة الأحكام العدلية أعدتها هيئة تحت إشراف أحمد جودت باشا في 16 كتاب (جزء) ضمت 1851 مادة ودخلت حيز التنفيذ سنة 1877. يبحث الكتاب الأول: في البيوع والكتاب السادس عشر: في القضاء. وتأثر منهج وبنية المجلة بتدوين القوانين في أوروبا. شملت المجلة معظم مناحي القانون المدني باستثناء الأحوال الشخصية (التي ظلت محكومة بالشرع).