التأمين في العراق: قصور في التفكير الاستراتيجي؟
مصباح كمال
نشر مختصر هذه الرسالة في البيان الاقتصادية، العدد 458، كانون الثاني/يناير 2010، ص 568. والعنوان أعلاه هو من وضع هيئة تحرير المجلة.
عزيزي الأستاذ جوزف زخور
تحية طيبة
قرأت لك مؤخراً في مفكرتك "الضامنون والمعيدون العرب ... من يعاتب من؟" (البيان الاقتصادية، العدد 457، كانون الأول/ديسمبر 2009، ص 110
يمكن قراءة المقالة باستخدام هذا الرابط:
وكعهدي بك تبحث وتستقصي، وبموضوعية ومهنية عالية، وتثير الأسئلة المهمة ذات العلاقة بقطاع التأمين العربي وسبل تطويره. وكقارئ أجد متعة في ما تكتب فأنت من القلة الكاثرة التي تكتب عن الشأن التأميني بدراية وبسلاسة.
وبودي أن "أشتبك" مع ما ذكرته في مفكرتك بشأن التأمين في العراق:
"وبما اننا في صدد الحديث عن الانجذاب المتبادل بين أسواق التأمين العربية وأوروبا قد يكون من المناسب أن نذكر أن شركات التأمين العراقية تحصر إسناداتها بشركة إعادة التأمين العراقية، وهذه الأخيرة تصدرها بالكامل إلى أوروبا.
وليست هناك علاقات عمل تذكر بين سوق التأمين العراقي من جهة وأسواق التأمين والإعادة العربية من جهة أخرى.
والعراق كما نعلم جميعاً كان في ما مضى وهو ما يزال ربما أكبر أسواق التأمين والإعادة في المنطقة، ومنذ أطبقت عليه جيوش الاحتلال يبدو وكأنه اقتلع من بلاد النهرين، وزرع خارج الوطن العربي."
حقاً أن شركات التأمين العراقية، العامة والخاصة، تحصر اسناداتها بشركة إعادة التأمين العراقية، وهي تفعل ذلك ليس بحكم الاختيار وإنما من باب الضرورة، وهو "تقليد" يستمد بعضاً من مبرراته من الماضي عندما كانت شركات التأمين تسند جزءاً من محافظها لشركة إعادة التأمين العراقية (ألغي الإسناد الإلزامي في ثمانينات القرن الماضي)، وكذلك سنوات الحصار الدولي (1990-2003) عندما تكاتفت الشركات فيما بينها لضمان استمرار النشاط التأميني بحدوده الدنيا بعد أن توقف غطاء إعادة التأمين بسبب قرارات الحظر وقيل وقتها أن بعض الشركات العربية كانت تقدم بعض الدعم المحدود لسوق التأمين العراقي.
لكن ما يحكم سلوك شركات التأمين العراقية، وشركة إعادة التأمين العراقية أيضاً، هو عدم استعداد شركات إعادة التأمين الدولية والعربية لتقديم الحماية الاتفاقية لكل منها لضعف حجم الأقساط التي تكتتب بها شركة إضافة إلى أسباب أخرى.
ومن الغريب أن شركة إعادة التأمين العراقية لا تصدر إسناداتها إلى أوروبا مباشرة وإنما من خلال استشاري ومجموعة من ثلاثة وسطاء لإعادة التأمين وكأنها فقدت القدرة على التعامل المباشر. ومن المفيد أن نذكر هنا أن المعيد الاتفاقي القائد أوروبي، صاحب أكبر حصة، يتبعه خمس شركات عربية لإعادة التأمين وشركة غير أوروبية تقيم في الخليج. ومجموع حصص هذه الشركات كان يعادل حصة المعيد القائد.
وحقاً تقول أيضاً أنه ليست هناك علاقات عمل تذكر بين سوق التأمين العراقي وأسواق التأمين والإعادة العربية وعندما توجد فإن هذه العلاقات تمر من خلال مجموعة وسطاء إعادة التأمين. وبسبب أوضاع العراق، الأمنية والسياسية، لم يقم ممثل لشركة إعادة تأمين عربية أو أوروبية بزيارة سوق التأمين العراقي منذ 1990، ولم تقم شركات التأمين وإعادة التأمين العراقية بتوجيه دعوة لهؤلاء لزيارة العراق.
وقد لا أختلف معك أن العراق ومنذ الغزو الأمريكي يبدو وكأنه قد زرع خارج الوطن العربي. لكن هذا الموضوع ذو بعد إشكالي يشترك فيه العراق والدول العربية وكذلك دول الجوار ويزداد تعقيداً بسبب تداخل الديني مع السياسي والإثني.
أشاركك تقييمك لسوق التأمين العراقي في ماضيه، وكنت أتمنى أن ينهض من كبوته القسرية وتركة الماضي وآثار الحروب والاحتلال لكن السنوات السبع الماضية لم تشهد إلا قليلاً من التحرك إلى الأمام، وما زال السوق يعاني من شحة الكوادر المدربة، وضعف الاحتفاظ، وانخفاض دخل أقساط، وهشاشة النظام الرقابي، وعدم اكتمال سوق فيدرالي للتأمين، الآثار السلبية لقانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005 المتمثلة بتجاوز وجود شركات التأمين العراقية وتهريب أقساط التأمين المستحقة بالاكتتاب بها إلى الخارج وغيرها من قضايا أخرى عرضنا لها في بعض من أوراقنا المنشورة. وحسب البيانات المتوفرة لدينا (ولسنا متأكدين من دقتها) فإن حجم أقساط التأمين المكتتبة خلال السنوات الخمس الماضية وحتى أواسط 2009 كاد يقترب من ستة بلايين دينار عراقي – أي ما يقرب من عشرين مليون دولار (سعر الصرف يساوي 1,169 دينار عراقي لكل دولار أمريكي). وتعرف بأن مبالغ هائلة قد أنفقت على مشاريع كبيرة وصغيرة في العراق لكنها لم تترجم كأقساط للتأمين لدى شركات التأمين العراقية.
وقد كتبتُ غير مرة عن واقع سوق التأمين العراقي ومنها "مُذكرة: عن معيدي التأمين وشركات التأمين العراقية" وهي تمس الموضوع الذي أثرته في مفكرتك. والمذكرة منشورة في مدونة مجلة التأمين العراقي الإلكترونية، يمكن الرجوع إليها باستخدام هذا الرابط:
ولعله من المفيد أن اقتبس بعض الفقرات مما كتبت. فقد ذكرتُ تحت عنوان ثانوي: "تطوير العلاقة والنهوض بالإنتاج والأداء: العمل الداخلي" الآتي:
"فيما يلي نقدم عدداً من المقترحات لاستعادة ثقة معيدي التأمين بسوق التأمين العراقي التي ستنسحب آثارها على الوسطاء وغيرهم من بيوت الخبرة التأمينية. هذه المقترحات لا تستنفذ الأدوات التي يمكن الاستعانة بها في مجالات تطوير العلاقات المهنية، وزيادة حجم الإنتاج، وتحسين مستوى الأداء. قد يساعد وسطاء التأمين والمستشارين توجهات شركات التأمين في بعض جوانب هذه المجالات إلا أن تحقيقها يقع على عاتق شركات التأمين.
ابتداءً نرى أن يكون الإطار العام لتنظيم العلاقة مع المعيدين قائماً على أساس التعاون وليس الخصومة أو المواقف العاطفية، أو التعكز على الشكوى منهم، أو استدعاء زمن العلاقات القديمة "الجميلة." ويقتضي التعاون التحرك بهدف تعزيز الأرضية المشتركة للعمل بدلاً من توتير غير مقصود للعلاقة. يعني ذلك أن يحاول الطرفان فهم أوضاع كل منهما وإيجاد الحلول التأمينية العادلة.
مع ذلك، يمكن توجيه رسالة غير مباشرة إلى معيدي التأمين في الغرب من خلال الاستفادة القصوى من الطاقة الاستيعابية لمعيدي التأمين العرب والمعيدين في دول الجوار مع الأخذ بنظر الاعتبار احتمال تأثير التقلبات السياسية في العلاقة بين العراق وهذه الدول على العمل التأميني. مثل هذا الضغط قد يحل مشكلة توفير حماية آنية لكنه لا يعفي شركات التأمين من الاستمرار في الاستفادة من المعيدين في الغرب فهم، ونعني القادة العريقين منهن، يوفرون خدمات فنية إضافية للشركات المباشرة تتجاوز مجرد الحماية الإعادية. كما يجب أن لا يغيب عن البال أن تقليص حصة المعيد القائد وتوزيعها على معيدين آخرين قد لا يلقى قبولاً من المعيد القائد بسبب عدم التوازن بين حجم حصته والكلفة الاقتصادية لإدارة هذه الحصة."
هناك مقترحات أخرى في الورقة ومنها: العمل تدريجياً للتعامل المباشر مع المعيدين دون المرور بوسطاء التأمين بالنسبة لعقود إعادة التأمين النسبية، زيارة مراكز شركات الإعادة الأوربية والاجتماع بالمكتتبين في أوطانهم وعدم الاكتفاء بلقائهم في دول الجوار، توجيه دعوات مكتوبة للمكتتبين لزيارة العراق وتشجيعهم عليها ورصد الإجابة التي ترد منهم للتعرف على ما يؤرقهم بهذا الشأن، تثقيف طالبي التأمين بأهمية تقديم معلومات وتوضيحات دقيقة بدلاً من الاكتفاء بالعموميات لمساعدة شركات التأمين في التفاوض على أسعار وشروط الإعادة، العمل على إقناع المعيد أو توليد قناعة لديه أن الوضع الأمني مسألة ثانوية فيما يخص السيطرة على الخطر، تحليل الأخطار لزيادة الاحتفاظ لدى شركة التأمين وشركة إعادة التأمين العراقية. ومما ذكرناه أن طالب التأمين وشركة التأمين يتعرضان لأسعار وشروط إعادية هي في أحسن الأحوال ذات طابع عقابي لأنها لا تعكس الخصائص الفنية لموضوع التأمين بقدر ما هي تقييم اكتتابي للعراق. يتفهم المرء ثقل الوضع الأمني وكلفة إدارة الاكتتاب والسيطرة على الخطر وتسوية المطالبات لكن تسعير هذه الكلفة وشروطها تصل في وطأتها حد دفع المؤمن له للتخلي عن إجراء التأمين خاصة في تلك الحالات التي لا يطلب منه فيها إبراز شهادة تأمين لرب العمل. مقابل ذلك، لو كان طالب التأمين شركة غير عراقية صار موقف المعيد، الذي يكتتب بالخطر خارج القوانين الرقابية non-admitted insurance، أكثر مرونة. وهكذا تتسرب أقساط التأمين خارج سوق التأمين العراقي.
كما تعرف فإن شركات إعادة التأمين العربية ليست كلها قادرة على ممارسة دور المعيد القائد لضعف إمكانياتها، وتلك التي تستطيع أن تلعب مثل هذا الدور، وعددها قليل، لم تأخذ على عاتقها التقرب من شركات التأمين وإعادة التأمين العراقية. وهي لم تقدم على خطوة كهذه لأسباب نجهلها ولا نود التكهن بها. قد تكون الأسباب فنية أو سياسية، لكننا نكتفي بالقول إن شركات إعادة التأمين العربية ربما لا ترغب في التنافس مع معيد قائد أوروبي له مكانته وسطوته، وهو وضع ينطبق على معيدين أوروبيين أيضاً. ولنا أن نلاحظ أن شركات التأمين العراقية وشركة إعادة التأمين العراقية لم تحاول الاقتراب من شركات الإعادة العربية وتلتمس الحماية الإعادية مباشرة منها.
سؤال العتب في العنوان يثير قضية هامة تستدعي مراجعة شركات التأمين العربية، ومنها شركات التأمين العراقية، لعلاقاتها الإعادية. كما تستدعي بالمقابل مراجعة شركات إعادة التأمين العربية لسياساتها الاكتتابية تجاه شركات التأمين العربية. ترى هل هناك قصور في التفكير الاستراتيجي التأميني ضمن مفهوم التكامل الاقتصادي العربي؟
استمرارنا في العمل مع شركة وساطة للتأمين لها علاقة بسوق التأمين العراقي يقيد قدرتنا في الاستزادة من التعليق على واقع سوق التأمين العراقي، ويكفي أن نقول بأن السوق يعاني من نواقص شتى يفسر لنا قصوره الحالي.
أتمنى لك أوقاتاً هانئة بحلول أعياد الميلاد والسنة الجديدة. كل عام وأنت بخير ترفد صناعة التأمين العربية بأفكارك وملاحظاتك القيمة.
مع كثير اعتزازي.
مصباح كمال
لندن 22 كانون الأول 2009